نزع سلاح الفصائل في العراق: مناورة أم اصطفاف مع خيار الدولة؟

جلجامش نبيل

27 كانون الأول 2025

بعد أن أعلنت فصائل شيعية مسلحة استعدادها لترك السلاح، ورفضت أخرى ذلك، تسود أسئلة عن مصير هذه الفصائل وتلك، وعن مستقبل العراق في ظل التحولات الكبيرة التي تعصف بالمنطقة، يناقش هذا المقال الأسئلة المهمة ويحاول الإجابة عليها.

صبيحة السبت 20 كانون الأول، فوجئ العراقيون والعالم بإعلان بعض الفصائل الشيعية موافقتها على دعوات حصر السلاح بيد الدولة. في سلسلة بيانات ومواقف رسمية من قبل الأمين العام لـ”كتائب الإمام علي” شبل الزيدي، وأمين عام حركة “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، وأمين عام “أنصار الله الأوفياء” حيدر الغرّاوي، وكتائب سيّد الشهداء التي يشغل منصب الأمين العام فيها أبو آلاء الولائي.

ووسط توقّع بشمول الاتفاق جميع الفصائل، وبعد أن شكَرَ رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان الفصائل استجابتهم للدعوة و”الانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري”، تعكّرت الأجواء بإعلان “كتائب حزب الله” رفض تسليم السلاح، ونشر بيان آخر لحركة “النجباء” يحمل المعنى ذاته، ما فضح اختلافاً في المواقف بين الفصائل المسلحة العراقية.

مناورة تكتيكية أم تراجع حقيقي؟ 

لا يمكن نفي أن هذه الإعلانات جاءت استجابة لضغوطٍ أمريكية مستمرّة منذ أشهر على الحكومة لإنهاء دور الفصائل المقرّبة من إيران، والتي تصنّفها الولايات المتحدة “إرهابية”، واشتراطها عدم مشاركة هذه الفصائل في الحكومة الجديدة بعد أن حصدت عددًا كبيرًا من المقاعدٍ النيابية.

فقد صرّح الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، التي تمتلك 27 مقعدًا في البرلمان، أن فصيله يؤمن بشعار حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أنهم الآن جزء من الدولة بشكل واضح. يؤكد ذلك أن العصائب وكياناتٍ شيعية أخرى، تحرص على الإمساك بمكسبها السياسي على حساب سلاحها لا سيما إذا ما أشرنا لامتلاك الفصائل التي أعلنت استعدادها تسليم أو نزع السلاح عدداً من المقاعد النيابية وتشكل، مع كيانات سياسية أخرى، ما يعرف بـ”الإطار التنسيقي” أكبر كتل البرلمان الجديد.

إن الجدل حول دور الحشد الشعبي قديم، ويعود في جذوره إلى الأيام الأولى لتشكيله لمقارعة تنظيم داعش الإرهابي (2014-2017)، حيث عبر البعض عن مخاوف من تحوّله إلى ما يشبه الحرس الثوري الإيراني. ورغم اضطرار الولايات المتحدة للقتال معه ضد عدو واحد في فترة الحرب ضد داعش، طالت الحشدَ العديدُ من الانتقادات بسبب تدخّل الفصائل الشيعية العراقية في الحرب الأهلية السورية، فضلاً عن انتقادات سُنية وكردية عراقية ورفضٍ لمشاركة الحشد في معركة تحرير الموصل عام 2017 خشية وقوع انتهاكات وأعمال انتقامية، وهو ما حاولت الحكومة العراقية نفيه بالإشارة إلى وجود قوات حشد سُنية ومسيحية وأيزيدية وشبكية وغيرها لدفع الصفة الأحادية عنه. وبعد هزيمة تنظيم داعش، تصاعدت الانتقادات للحشد بذريعة انتفاء الحاجة إليه، وهاجمه مدوّنون بحجة استنزاف ميزانية العراق وأن الجيش العراقي كافٍ لحماية أمن العراق، في حين رأت الفصائل أنه جزء من منظومة “محور المقاومة” وأنه ضروري لحماية الشيعة من خطرٍ وجودي تزايد مع سيطرة تنظيمات سُنية جهادية على الحكم في سوريا. 

ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزّة بعد هجمات 7 تشرين الأول 2023، وانخراط حزب الله اللبناني في الحرب، وتوجيه الحوثيّين في اليمن ضرباتٍ لإسرائيل، شاركت فصائل عراقية على نحو أقل حدة بضرب أهداف إسرائيلية أو أمريكية وانتهت هذه المشاركة في 28 يناير 2024 بطائرة مسيرة استهدفت قاعدة أمريكية في الأردن وتسببت بمقتل ثلاثة جنود أمريكيين، بعدها، نجحت الحكومة العراقية والخوف من بطش الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بإخراج العراقيين من ساحة الحرب. وحتى مع اندلاع حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، نجح العراق في تحيّيد الفصائل الشيعية في العراق، لتكتفي بالشعارات دون الأفعال. 

مع ذلك، تصاعد الضغط الأمريكي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي تشرين الأول 2025، أبلغ وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني بأن «الميليشيات المدعومة من إيران تقوّض سيادة العراق، وتهدّد حياة وأعمال الأميركيين والعراقيين، وتنهب موارد العراق»، مع التأكيد على التزام بلاده بالعمل على حماية سيادة العراق وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

المصلحة الوطنية و”الخاصة” أولاً

في ظل الظروف الإقليمية الحرجة، والتي شهدت تضعضع محور “المقاومة” في لبنان وخروجه من سوريا، برزت المصالح الوطنية والقُطرية لتضع نهاية لشعارات «وحدة الساحات»، وتعرّض هذه السردية للهجوم داخل إيران نفسها. 

وقد تكشّف ذلك في حوار وزير خارجية إيران الأسبق محمد جواد ظريف في منتدى الدوحة، حيث أكّد أن إيران تشعر بخيبة أمل من العرب وأنها قاتلت من أجل قضاياهم أكثر منهم، وأرفد ذلك بالحديث عن التاريخ الفارسي والأمجاد الضائعة والصمود لأكثر من 7,000 عام، ويعكس هذا تصاعدًا للخطاب القومي الذي يقدّم مصالح إيران على “قضاياها” الخارجية، تزامنًا مع رفع القيود الاجتماعية على النساء لامتصاص غضب الشارع الرازح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية.  

ولم يتوقّف ذلك على المستوى الشعبي الميّال لضمان السلام في دول “المحور” كافة، ولا الموقف الانعزالي شبه القومي المتنامي في إيران، بل تعدّاه إلى خطاب المرجع الشيعي الأعلى السيّد علي السيستاني، والذي جاء على لسان ممثله في كربلاء عبد المهدي الكربلائي، داعياً إلى «حصر السلاح بيد الدولة» في حزيران، محذّراً من أن «العراق ليس بمنأى عن الأحداث التي تمر بها المنطقة، بعد معركة بين جبهة الحق والعدالة وجبهة الظلم والطغيان»، في إشارة للحرب بين إيران وإسرائيل، ومشيرًا إلى أن الظروف الحالية بالغة الخطورة. كما أوصى الكربلائي المسؤولين بـ “ضرورة الحفاظ على المكتسبات بكل قوة وعدم الرجوع إلى الوراء رغم الإخفاقات والسلبيات المتراكمة”. وكان المرجع السيستاني قد أكد على ذلك أيضاً خلال استقباله لممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثتها في العراق (يونامي) محمد الحسّان في تشرين الثاني 2024. 

من جانبه، رحّب مبعوث ترامب، العراقي الأصل، مارك سافايا، بخطوات نزع السلاح واصفاً إيّاها في تغريدة على موقع أكس بـ«التطور المشجّع والمرحّب فيه»، و«الاستجابة الإيجابية للدعوات المستمرة وطموحات المرجعية والسلطات الدينية المحترمة»، لكنّه أكد على أن نزع السلاح يجب أن يكون «شاملاً ولا رجوع فيه» وأن يُنفّذ عبر أُطر وطنية واضحة ومُلزمة، وأن ذلك يجب أن يتضمّن «نزعاً كاملاً لسلاح جميع الفصائل المسلحة وضمان الانتقال القانوني المنظّم لجميع أفرادها إلى الحياة المدنية». 

يوحي هذا التحوّل الكبير بأن القوى والفصائل الشيعية، أدركت جديّة الموقف الأمريكي في عدم التعامل مع حكومة جديدة تشارك فيها الفصائل المسلحة، ممّا دفعها إلى التسابق من أجل إثبات حُسن النوايا لواشنطن، لاسيما أن بعض الفصائل الفائزة في الانتخابات تسعى للتحوّل إلى جزء من مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.  

نزع السلاح الفصائلي في العراق: التاريخ والآليات

ليست الفصائل المسلحة الشيعية أول الميليشيات في التاريخ الدامي للعراق الحديث. فمن نظام الفتوة في عهد الملك غازي في ثلاثينيات القرن الماضي إلى المقاومة الشعبية في عهد عبد الكريم قاسم (1958-1963) مروراً بالحرس القومي الذي أسّسه البعثيون لمقارعة الأخوين عارف (1963-1968)، لم يخلُ الشارع العراقي من ميليشيات شعبية مسلّحة وجيوشٍ رديفة تعكس تطلّعات وأيديولوجيا الحكّام أو معارضيهم. في عام 1970، شكّل البعثيون «الجيش الشعبي»، الذي ساهم في زجّ الناس في الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، قبل أن يُلغى في عام 1991. وفي أعقاب الانتفاضة الشعبانية، شكّل صدام حسين تشكيلات «فدائيّو صدّام» عام 1995، المرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، فضلاً عن تشكيل «جيش القدس» في شباط 2001 بحجة دعم الفلسطينيين في انتفاضتهم الثانية. 

وفي أعقاب الغزو الأميركي في نيسان 2003، صار العراق ساحة مفتوحة لشتّى صنوف القوى والميليشيات والجماعات المسلّحة الشيعية والسُنية تمارس عمليات الإرهاب والانتقام والتجيّيش الطائفي أو مقاومة القوات الأجنبية، وشهد البلد أيضًا محاولاتٍ متكرّرة لتجريد المسلّحين من السلاح. 

في تشرين الأول 2004، استجاب رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للضغوط والمهلة الأخيرة التي مُنحت له لإنهاء انتفاضته بمدينة النجف ومغادرته مرقد الإمام علي. ورغم اصطفاف أنصار الصدر لبيع سلاحهم إلى القوات الأمريكية في معاقله في مدينة الصدر ببغداد وغيرها، لم يمنع ذلك من انبثاق ميليشيات مسلّحة تمارس أعمالاً انتقامية منذ اللحظة الأولى لتفجير المرقد العسكري بسامراء في شباط 2006، وانخراط جيش المهدي وما انبثق من عباءته من ميليشيات – بما في ذلك عصائب أهل الحق – في الحرب الأهلية العراقية (2006-2009). 

وبعد تأسيس مجالس الصحوات في الأنبار والمحافظات السُنية لمحاربة تنظيم القاعدة، حاول رئيس الوزراء في حينها نوري المالكي تفكيك الصحوات ونزع سلاحها بعد هزيمة التنظيم، وأسفر ذلك، وعوامل كثيرة أخرى، عن الحراك الشعبي السُني وساحات الاعتصامات التي اخترقها التطرّف وكانت البوّابة لسقوط معظم الأجزاء الشمالية الغربية والغربية من العراق بيد تنظيم داعش في عام 2014 وما أعقبها من خسائر في حربٍ دامية استمرت ثلاث سنوات. 

وفي أواخر 2017، وفي أعقاب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، دعا مقتدى الصدر فصيله المسمّى “سرايا السلام” إلى تسليم سلاحهم للدولة العراقية لانتفاء الحاجة إليه، فيما عدا عملهم في سامراء بسبب “قُدسية المكان وحساسية الموقف الأمني والعسكري فيها”، لكن تلك الدعوات لم تُترجم على أرض الواقع وكان لذلك الفصيل و”القبعات الزرق” دور في فض اعتصامات تشرين الأول 2019 في بغداد وجنوب العراق. 

في ضوء معطيات اليوم، يعيش العراق طوراً آخر من محاولات “نزع السلاح”، ترى فيه الفصائل إمكانية لدمج عناصرها في القوات المسلّحة، حيث تتوفّر الموارد الاقتصادية البديلة، عبر الرواتب الحكومية، كضمانة لعدم الاقتتال فيما لو تُركت العناصر للبطالة، لاسيّما وأن هذه الفصائل ستكون جزءًا من الحكومة، وهي كذلك بطبيعة الحال. 

إن خيار الدمج هو المرجّح عند أغلب الفصائل، خصوصاً مع توفّر الغطاء المتمثل بهيئة الحشد الشعبي، رغم صعوبة موافقة الأمريكان على ذلك، وهو ما يشير إليه سافايا في حديثه عن الانتقال إلى “الحياة المدنية“. وفي كل الأحوال، ليس من المتوقع مشاهدة الفصائل في طوابير لتسليم السلاح، وحتّى حالات مماثلة مع جيش المهدي في عام 2004 لم تمنع من إعادة تشكيل الميليشيات في بلدٍ تمتلك فيه العشائر أسلحة متوسطة وثقيلة، وتحلّ نزاعاتها في الجنوب الشرقي وأطراف بغداد والبصرة عسكرياً في العديد من الحالات، بل وامتدت الحالات إلى مواجهات عشائرية مع البيشمركة في أربيل بكردستان العراق. 

تداعيات القرار: مكاسب وخسائر 

قد يعني نزع السلاح ضمان المباركة الأمريكية لمشاركة الفصائل في تشكيل الحكومة، لاسيما وأن الولايات المتحدة تصرّ على نزع سلاح حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان، وتحييد الحوثيين في اليمن، فضلاً عن الهجمات الأخيرة على فلول تنظيم الدولة “داعش” في البادية السورية، بمساعدة فصائل سورية كانت على قوائم الإرهاب الأمريكية في الأمس القريب. قد يعني كل هذا فصلاً جديداً في تاريخ شرق أوسط من دون جماعات إسلامية أو قومية مسلّحة، أو نهاية لموسم الإرهاب الإسلامي وسط رغباتٍ أمريكية للتركيز على مواجهة صعود الصين. مع ذلك، قد يتصادم هذا مع رغبات إسرائيلية في دعم قسد ودروز السويداء ومدّ “ممر داوود” عبر سوريا حتّى الحدود العراقية. 

بالطبع، يعني الخروج بموقفٍ موحّد لنزع السلاح تجنيب العراق العقوبات الاقتصادية أو الضربات، فضلاً عن نزع فتيل الاقتتال الداخلي المحتمل في البلد الهشّ، ومن المرجّح أن يرتّب البيت الشيعي أوراقه، مع مباركة المرجعية والجهات الإقليمية الراعية، للحفاظ على مصالح الشيعة العُليا في هذه المرحلة الحسّاسة في تاريخ المنطقة. 

بمرحلة ما قادمة، سوف يتطور مفهوم “نزع السلاح” إلى تفكيك الإمبراطوريات الاقتصادية للأحزاب وتجريدها من الموارد المتمثّلة في موانئ البصرة والبنوك والشركات وإدارة بعض المطارات والمكاتب الاقتصادية والاستثمارات في قطاعات الطاقة والنقل والأدوية والانشاءات. وإذا ما انتهت مرحلة السلاح الحالية بنزعه بهدوء سوف تجد إيران نفسها لا تمتلك سوى الموافقة على المعاني الجديدة للنزع، والتي تتعدى السلاح إلى القدرات الاقتصادية، لأسبابٍ اقتصادية أيضًا؛ لأن فرض الحصار على العراق يعني تضييق الخناق عليها، لاسيما وأن العراق يلعب دور رئة لها في ظل الحصار الخانق المفروض على الجمهورية الإسلامية. 

كما أن تسليم السلاح يعني التحوّل إلى أحزاب سياسية مثل غيرها، وفقدان الفصائل نفوذها في مناطق ذات أغلبية سُنيّة فرضوا تواجدهم فيها بفضل السلاح في أعقاب هزيمة تنظيم داعش الإرهابي. وبالطبع، ينسف تسليم السلاح هذا مفهوم “وحدة الساحات”، الذي تصدّع أصلاً في العراق خلال الحرب الأخيرة بعد أن نأت الفصائل العراقية بنفسها بعيدًا عن إيران ولبنان، ويعيد صياغة المشهد الجيوسياسي مع انحسارٍ أوسع لنفوذ إيران في الشرق الأوسط. 

رغم كل هذه الخسائر الكبيرة، قد تجد الفصائل المسلحة الشيعية في العراق، أن هذه الانسحابات التكتيكية ضرورية لحفظ الوضع القائم والحفاظ على مكتسبات حكم الأغلبية الشيعية في العراق من باب الخروج بأقل الخسائر، والتموضع المرحلي للملمة الأوضاع والتقاط الأنفاس على أمل أن يتغيّر الوضع مع الإدارة الأمريكية الجديدة بعد ثلاثة أعوامٍ طوال. 

سيكون قرار نزع السلاح البوّابة لضمان المباركة الأمريكية، التي أثبت الإسلاميون على اختلاف مشاربهم، سُنة وشيعة، تسابقهم في سبيل الحصول عليها من أجل السلطة، فضلاً عن قبولٍ إيراني على مضض لتجنّب خسائر أفدح، وقد تكون حجج إطاعة دعوات المرجعيات الدينية لنزع السلاح، والتي طال تجاهلها، هي التبرير الأنسب أمام جمهور تلك الفصائل، وخيارًا يحفظ ماء الوجه مقارنة بظهورهم راضخين لضغوطات أعدائهم من الأمريكيين. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

صبيحة السبت 20 كانون الأول، فوجئ العراقيون والعالم بإعلان بعض الفصائل الشيعية موافقتها على دعوات حصر السلاح بيد الدولة. في سلسلة بيانات ومواقف رسمية من قبل الأمين العام لـ”كتائب الإمام علي” شبل الزيدي، وأمين عام حركة “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، وأمين عام “أنصار الله الأوفياء” حيدر الغرّاوي، وكتائب سيّد الشهداء التي يشغل منصب الأمين العام فيها أبو آلاء الولائي.

ووسط توقّع بشمول الاتفاق جميع الفصائل، وبعد أن شكَرَ رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان الفصائل استجابتهم للدعوة و”الانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري”، تعكّرت الأجواء بإعلان “كتائب حزب الله” رفض تسليم السلاح، ونشر بيان آخر لحركة “النجباء” يحمل المعنى ذاته، ما فضح اختلافاً في المواقف بين الفصائل المسلحة العراقية.

مناورة تكتيكية أم تراجع حقيقي؟ 

لا يمكن نفي أن هذه الإعلانات جاءت استجابة لضغوطٍ أمريكية مستمرّة منذ أشهر على الحكومة لإنهاء دور الفصائل المقرّبة من إيران، والتي تصنّفها الولايات المتحدة “إرهابية”، واشتراطها عدم مشاركة هذه الفصائل في الحكومة الجديدة بعد أن حصدت عددًا كبيرًا من المقاعدٍ النيابية.

فقد صرّح الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، التي تمتلك 27 مقعدًا في البرلمان، أن فصيله يؤمن بشعار حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أنهم الآن جزء من الدولة بشكل واضح. يؤكد ذلك أن العصائب وكياناتٍ شيعية أخرى، تحرص على الإمساك بمكسبها السياسي على حساب سلاحها لا سيما إذا ما أشرنا لامتلاك الفصائل التي أعلنت استعدادها تسليم أو نزع السلاح عدداً من المقاعد النيابية وتشكل، مع كيانات سياسية أخرى، ما يعرف بـ”الإطار التنسيقي” أكبر كتل البرلمان الجديد.

إن الجدل حول دور الحشد الشعبي قديم، ويعود في جذوره إلى الأيام الأولى لتشكيله لمقارعة تنظيم داعش الإرهابي (2014-2017)، حيث عبر البعض عن مخاوف من تحوّله إلى ما يشبه الحرس الثوري الإيراني. ورغم اضطرار الولايات المتحدة للقتال معه ضد عدو واحد في فترة الحرب ضد داعش، طالت الحشدَ العديدُ من الانتقادات بسبب تدخّل الفصائل الشيعية العراقية في الحرب الأهلية السورية، فضلاً عن انتقادات سُنية وكردية عراقية ورفضٍ لمشاركة الحشد في معركة تحرير الموصل عام 2017 خشية وقوع انتهاكات وأعمال انتقامية، وهو ما حاولت الحكومة العراقية نفيه بالإشارة إلى وجود قوات حشد سُنية ومسيحية وأيزيدية وشبكية وغيرها لدفع الصفة الأحادية عنه. وبعد هزيمة تنظيم داعش، تصاعدت الانتقادات للحشد بذريعة انتفاء الحاجة إليه، وهاجمه مدوّنون بحجة استنزاف ميزانية العراق وأن الجيش العراقي كافٍ لحماية أمن العراق، في حين رأت الفصائل أنه جزء من منظومة “محور المقاومة” وأنه ضروري لحماية الشيعة من خطرٍ وجودي تزايد مع سيطرة تنظيمات سُنية جهادية على الحكم في سوريا. 

ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزّة بعد هجمات 7 تشرين الأول 2023، وانخراط حزب الله اللبناني في الحرب، وتوجيه الحوثيّين في اليمن ضرباتٍ لإسرائيل، شاركت فصائل عراقية على نحو أقل حدة بضرب أهداف إسرائيلية أو أمريكية وانتهت هذه المشاركة في 28 يناير 2024 بطائرة مسيرة استهدفت قاعدة أمريكية في الأردن وتسببت بمقتل ثلاثة جنود أمريكيين، بعدها، نجحت الحكومة العراقية والخوف من بطش الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بإخراج العراقيين من ساحة الحرب. وحتى مع اندلاع حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، نجح العراق في تحيّيد الفصائل الشيعية في العراق، لتكتفي بالشعارات دون الأفعال. 

مع ذلك، تصاعد الضغط الأمريكي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي تشرين الأول 2025، أبلغ وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني بأن «الميليشيات المدعومة من إيران تقوّض سيادة العراق، وتهدّد حياة وأعمال الأميركيين والعراقيين، وتنهب موارد العراق»، مع التأكيد على التزام بلاده بالعمل على حماية سيادة العراق وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

المصلحة الوطنية و”الخاصة” أولاً

في ظل الظروف الإقليمية الحرجة، والتي شهدت تضعضع محور “المقاومة” في لبنان وخروجه من سوريا، برزت المصالح الوطنية والقُطرية لتضع نهاية لشعارات «وحدة الساحات»، وتعرّض هذه السردية للهجوم داخل إيران نفسها. 

وقد تكشّف ذلك في حوار وزير خارجية إيران الأسبق محمد جواد ظريف في منتدى الدوحة، حيث أكّد أن إيران تشعر بخيبة أمل من العرب وأنها قاتلت من أجل قضاياهم أكثر منهم، وأرفد ذلك بالحديث عن التاريخ الفارسي والأمجاد الضائعة والصمود لأكثر من 7,000 عام، ويعكس هذا تصاعدًا للخطاب القومي الذي يقدّم مصالح إيران على “قضاياها” الخارجية، تزامنًا مع رفع القيود الاجتماعية على النساء لامتصاص غضب الشارع الرازح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية.  

ولم يتوقّف ذلك على المستوى الشعبي الميّال لضمان السلام في دول “المحور” كافة، ولا الموقف الانعزالي شبه القومي المتنامي في إيران، بل تعدّاه إلى خطاب المرجع الشيعي الأعلى السيّد علي السيستاني، والذي جاء على لسان ممثله في كربلاء عبد المهدي الكربلائي، داعياً إلى «حصر السلاح بيد الدولة» في حزيران، محذّراً من أن «العراق ليس بمنأى عن الأحداث التي تمر بها المنطقة، بعد معركة بين جبهة الحق والعدالة وجبهة الظلم والطغيان»، في إشارة للحرب بين إيران وإسرائيل، ومشيرًا إلى أن الظروف الحالية بالغة الخطورة. كما أوصى الكربلائي المسؤولين بـ “ضرورة الحفاظ على المكتسبات بكل قوة وعدم الرجوع إلى الوراء رغم الإخفاقات والسلبيات المتراكمة”. وكان المرجع السيستاني قد أكد على ذلك أيضاً خلال استقباله لممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثتها في العراق (يونامي) محمد الحسّان في تشرين الثاني 2024. 

من جانبه، رحّب مبعوث ترامب، العراقي الأصل، مارك سافايا، بخطوات نزع السلاح واصفاً إيّاها في تغريدة على موقع أكس بـ«التطور المشجّع والمرحّب فيه»، و«الاستجابة الإيجابية للدعوات المستمرة وطموحات المرجعية والسلطات الدينية المحترمة»، لكنّه أكد على أن نزع السلاح يجب أن يكون «شاملاً ولا رجوع فيه» وأن يُنفّذ عبر أُطر وطنية واضحة ومُلزمة، وأن ذلك يجب أن يتضمّن «نزعاً كاملاً لسلاح جميع الفصائل المسلحة وضمان الانتقال القانوني المنظّم لجميع أفرادها إلى الحياة المدنية». 

يوحي هذا التحوّل الكبير بأن القوى والفصائل الشيعية، أدركت جديّة الموقف الأمريكي في عدم التعامل مع حكومة جديدة تشارك فيها الفصائل المسلحة، ممّا دفعها إلى التسابق من أجل إثبات حُسن النوايا لواشنطن، لاسيما أن بعض الفصائل الفائزة في الانتخابات تسعى للتحوّل إلى جزء من مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.  

نزع السلاح الفصائلي في العراق: التاريخ والآليات

ليست الفصائل المسلحة الشيعية أول الميليشيات في التاريخ الدامي للعراق الحديث. فمن نظام الفتوة في عهد الملك غازي في ثلاثينيات القرن الماضي إلى المقاومة الشعبية في عهد عبد الكريم قاسم (1958-1963) مروراً بالحرس القومي الذي أسّسه البعثيون لمقارعة الأخوين عارف (1963-1968)، لم يخلُ الشارع العراقي من ميليشيات شعبية مسلّحة وجيوشٍ رديفة تعكس تطلّعات وأيديولوجيا الحكّام أو معارضيهم. في عام 1970، شكّل البعثيون «الجيش الشعبي»، الذي ساهم في زجّ الناس في الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، قبل أن يُلغى في عام 1991. وفي أعقاب الانتفاضة الشعبانية، شكّل صدام حسين تشكيلات «فدائيّو صدّام» عام 1995، المرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، فضلاً عن تشكيل «جيش القدس» في شباط 2001 بحجة دعم الفلسطينيين في انتفاضتهم الثانية. 

وفي أعقاب الغزو الأميركي في نيسان 2003، صار العراق ساحة مفتوحة لشتّى صنوف القوى والميليشيات والجماعات المسلّحة الشيعية والسُنية تمارس عمليات الإرهاب والانتقام والتجيّيش الطائفي أو مقاومة القوات الأجنبية، وشهد البلد أيضًا محاولاتٍ متكرّرة لتجريد المسلّحين من السلاح. 

في تشرين الأول 2004، استجاب رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للضغوط والمهلة الأخيرة التي مُنحت له لإنهاء انتفاضته بمدينة النجف ومغادرته مرقد الإمام علي. ورغم اصطفاف أنصار الصدر لبيع سلاحهم إلى القوات الأمريكية في معاقله في مدينة الصدر ببغداد وغيرها، لم يمنع ذلك من انبثاق ميليشيات مسلّحة تمارس أعمالاً انتقامية منذ اللحظة الأولى لتفجير المرقد العسكري بسامراء في شباط 2006، وانخراط جيش المهدي وما انبثق من عباءته من ميليشيات – بما في ذلك عصائب أهل الحق – في الحرب الأهلية العراقية (2006-2009). 

وبعد تأسيس مجالس الصحوات في الأنبار والمحافظات السُنية لمحاربة تنظيم القاعدة، حاول رئيس الوزراء في حينها نوري المالكي تفكيك الصحوات ونزع سلاحها بعد هزيمة التنظيم، وأسفر ذلك، وعوامل كثيرة أخرى، عن الحراك الشعبي السُني وساحات الاعتصامات التي اخترقها التطرّف وكانت البوّابة لسقوط معظم الأجزاء الشمالية الغربية والغربية من العراق بيد تنظيم داعش في عام 2014 وما أعقبها من خسائر في حربٍ دامية استمرت ثلاث سنوات. 

وفي أواخر 2017، وفي أعقاب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، دعا مقتدى الصدر فصيله المسمّى “سرايا السلام” إلى تسليم سلاحهم للدولة العراقية لانتفاء الحاجة إليه، فيما عدا عملهم في سامراء بسبب “قُدسية المكان وحساسية الموقف الأمني والعسكري فيها”، لكن تلك الدعوات لم تُترجم على أرض الواقع وكان لذلك الفصيل و”القبعات الزرق” دور في فض اعتصامات تشرين الأول 2019 في بغداد وجنوب العراق. 

في ضوء معطيات اليوم، يعيش العراق طوراً آخر من محاولات “نزع السلاح”، ترى فيه الفصائل إمكانية لدمج عناصرها في القوات المسلّحة، حيث تتوفّر الموارد الاقتصادية البديلة، عبر الرواتب الحكومية، كضمانة لعدم الاقتتال فيما لو تُركت العناصر للبطالة، لاسيّما وأن هذه الفصائل ستكون جزءًا من الحكومة، وهي كذلك بطبيعة الحال. 

إن خيار الدمج هو المرجّح عند أغلب الفصائل، خصوصاً مع توفّر الغطاء المتمثل بهيئة الحشد الشعبي، رغم صعوبة موافقة الأمريكان على ذلك، وهو ما يشير إليه سافايا في حديثه عن الانتقال إلى “الحياة المدنية“. وفي كل الأحوال، ليس من المتوقع مشاهدة الفصائل في طوابير لتسليم السلاح، وحتّى حالات مماثلة مع جيش المهدي في عام 2004 لم تمنع من إعادة تشكيل الميليشيات في بلدٍ تمتلك فيه العشائر أسلحة متوسطة وثقيلة، وتحلّ نزاعاتها في الجنوب الشرقي وأطراف بغداد والبصرة عسكرياً في العديد من الحالات، بل وامتدت الحالات إلى مواجهات عشائرية مع البيشمركة في أربيل بكردستان العراق. 

تداعيات القرار: مكاسب وخسائر 

قد يعني نزع السلاح ضمان المباركة الأمريكية لمشاركة الفصائل في تشكيل الحكومة، لاسيما وأن الولايات المتحدة تصرّ على نزع سلاح حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان، وتحييد الحوثيين في اليمن، فضلاً عن الهجمات الأخيرة على فلول تنظيم الدولة “داعش” في البادية السورية، بمساعدة فصائل سورية كانت على قوائم الإرهاب الأمريكية في الأمس القريب. قد يعني كل هذا فصلاً جديداً في تاريخ شرق أوسط من دون جماعات إسلامية أو قومية مسلّحة، أو نهاية لموسم الإرهاب الإسلامي وسط رغباتٍ أمريكية للتركيز على مواجهة صعود الصين. مع ذلك، قد يتصادم هذا مع رغبات إسرائيلية في دعم قسد ودروز السويداء ومدّ “ممر داوود” عبر سوريا حتّى الحدود العراقية. 

بالطبع، يعني الخروج بموقفٍ موحّد لنزع السلاح تجنيب العراق العقوبات الاقتصادية أو الضربات، فضلاً عن نزع فتيل الاقتتال الداخلي المحتمل في البلد الهشّ، ومن المرجّح أن يرتّب البيت الشيعي أوراقه، مع مباركة المرجعية والجهات الإقليمية الراعية، للحفاظ على مصالح الشيعة العُليا في هذه المرحلة الحسّاسة في تاريخ المنطقة. 

بمرحلة ما قادمة، سوف يتطور مفهوم “نزع السلاح” إلى تفكيك الإمبراطوريات الاقتصادية للأحزاب وتجريدها من الموارد المتمثّلة في موانئ البصرة والبنوك والشركات وإدارة بعض المطارات والمكاتب الاقتصادية والاستثمارات في قطاعات الطاقة والنقل والأدوية والانشاءات. وإذا ما انتهت مرحلة السلاح الحالية بنزعه بهدوء سوف تجد إيران نفسها لا تمتلك سوى الموافقة على المعاني الجديدة للنزع، والتي تتعدى السلاح إلى القدرات الاقتصادية، لأسبابٍ اقتصادية أيضًا؛ لأن فرض الحصار على العراق يعني تضييق الخناق عليها، لاسيما وأن العراق يلعب دور رئة لها في ظل الحصار الخانق المفروض على الجمهورية الإسلامية. 

كما أن تسليم السلاح يعني التحوّل إلى أحزاب سياسية مثل غيرها، وفقدان الفصائل نفوذها في مناطق ذات أغلبية سُنيّة فرضوا تواجدهم فيها بفضل السلاح في أعقاب هزيمة تنظيم داعش الإرهابي. وبالطبع، ينسف تسليم السلاح هذا مفهوم “وحدة الساحات”، الذي تصدّع أصلاً في العراق خلال الحرب الأخيرة بعد أن نأت الفصائل العراقية بنفسها بعيدًا عن إيران ولبنان، ويعيد صياغة المشهد الجيوسياسي مع انحسارٍ أوسع لنفوذ إيران في الشرق الأوسط. 

رغم كل هذه الخسائر الكبيرة، قد تجد الفصائل المسلحة الشيعية في العراق، أن هذه الانسحابات التكتيكية ضرورية لحفظ الوضع القائم والحفاظ على مكتسبات حكم الأغلبية الشيعية في العراق من باب الخروج بأقل الخسائر، والتموضع المرحلي للملمة الأوضاع والتقاط الأنفاس على أمل أن يتغيّر الوضع مع الإدارة الأمريكية الجديدة بعد ثلاثة أعوامٍ طوال. 

سيكون قرار نزع السلاح البوّابة لضمان المباركة الأمريكية، التي أثبت الإسلاميون على اختلاف مشاربهم، سُنة وشيعة، تسابقهم في سبيل الحصول عليها من أجل السلطة، فضلاً عن قبولٍ إيراني على مضض لتجنّب خسائر أفدح، وقد تكون حجج إطاعة دعوات المرجعيات الدينية لنزع السلاح، والتي طال تجاهلها، هي التبرير الأنسب أمام جمهور تلك الفصائل، وخيارًا يحفظ ماء الوجه مقارنة بظهورهم راضخين لضغوطات أعدائهم من الأمريكيين.