"ژیان خاڤه".. وصف يتفق عليه الكرد في أريافهم
28 كانون الأول 2025
كان عدد العوائل في إحدى قرى دهوك يقارب 250 عائلة، لكن 90 بالمئة منها لم تعد موجودة، بينما "شمسة" ما زالت تقاوم... عن حياة الأرياف في كردستان..
كان الريف الكردستاني في يوم ما يشبه سفح الجبل، واسعاً، آمناً، ومفعماً بالحياة، تضجّ فيه الأصوات وتتمايل السنابل وتغني الطيور على أغصان أشجار التفاح البري.
هناك، في أعالي الجبال وسفوحها، ولدت ذاكرة الكرد، وانغرس فيها صمودهم وهو يتشكل على وقع المعاول، وعند سقي الأرض بعرق الجبين.
لكن، شيئاً فشيئاً، بدأت هذه القرى تخبو. لم يعد الفجر هناك يستعجل الخطى، ولا الرعاة يعبرون البراري، تغيّر كل شيء حتى طعم الخبز، بفعل التكنولوجيا والحداثة والنزوح والاغتراب.
كانت عقارب الساعة تقترب من الـ11 صباحاً حين دخلنا قرية “خيزافا” الواقعة بين الجبال شمال محافظة دهوك، لكن الزمن داخل القرية بدا متوقفاً عند زمن آخر.
القرية ما زالت غافية، حتى صياح الديك الذي اعتادت عليه صباحات القرى، غاب. لا صوت لأقدام نساء يحملن جرار الماء، ولا للعب أطفال يركضون في الأزقة الطينية. كل شيء صامت كأنه في حداد طويل، الأبواب مغلقة، السكون يخيّم.
من بين منازل القرية، أطلت علينا سيدة ستينية تدعى شمسة محمد، خرجت من بيتها الواقع في الطرف الشمالي، بوجه متعب وبنبرة هادئة قالت بلغتها الكردية: “ژیان خاڤه”… الحياة خاملة.
ترى شمسة أن الحياة لم يبق منها شيء في قريتها، لا حقول، ولا بساتين، ولا دجاج، ولا أغنام، وحتى الخبز صار يشترى من “الماركت”.

ترى شمسة عدم بقاء شيء من حياة القرية، المصدر: تصوير الكاتب.
والغريب أن شمسة لا تشتكي من قسوة الماضي، بل تتوق إليه. كانت تتذكر بفرح كيف كانت تقضي نهارها من الفجر حتى المغيب تطبخ وتغسل وتخيط، وتساعد زوجها في الحقل، تجمع الحطب، وتغزل الصوف. حتى وقت الفراغ، إن وُجد، كان له معنى.
تقول لجمّار: “كنا ننجز كل شيء بأيدينا، ونساعد بعضنا كنساء”.
لم يكن الفقر مرعباً، كانوا يعرفونه جيداً ويتعايشون معه، لكن الخمول هو ما يقتل الآن. في الماضي، كانت الأيدي مشغولة، والقلوب مرتاحة، واليوم لا عمل ولا هدف.
كان عدد سكان خيزافا يقارب 250 عائلة، لكن لم يبق منها سوى 25 فقط. هذا ما يؤكده حسين خيزافاي، أحد وجهاء القرية، الذي بقي فيها مع عائلته، فيما غادر إخوته الأربعة إلى مدينة زاخو.
لم يستطع الإخوة مواصلة العيش في القرية، إذ إن بستانهم الصغير لم يعد كافياً لإطعام عائلاتهم، ولا الزراعة تُطعم. في المدينة وجدوا عملاً ورواتب وماء وكهرباء ومراكز صحية، أما في القرية فكانوا يعيشون على الراتب التقاعدي أو على الانتظار.
يقول خيزافاي لجمّار: “جيل اليوم لا يعرف ماذا يعني أن تزرع شجرة وتنتظر موسمها، الشباب هنا يهربون من الأرض والمواشي، تعب بلا مقابل، لهذا السبب غادر أغلبهم”.
حلم عابر
على بعد خطوات من منزل خيزافاي، جلس الشاب ريبند عزيز، طالب إعدادية في الـ17 من عمره. لم يُخف ضجره من حياة القرية، قال بلا مواربة: “أكره العيش هنا”.
يشعر ريبند بالضجر من غياب الإنترنت والمقاهي، ويراوده القلق من “انعدام العمل والمستقبل”.
مدرسته في زاخو، يقضي كل يوم نصف ساعة ذهاباً إليها ونصف ساعة إياباً منها بالسيارة، وذلك من أسباب توقه إلى العيش في المدينة.
يقول لجمّار: “ما الفائدة من الريف إن لم يكن فيه ما نأكله ولا ما نطمح إليه؟”
يشعر ريبند بأنه منفيّ داخل قريته، الإنترنت ضعيف، والمدرسة بعيدة، ولا يوجد من يتحدث إليه. يحسد أولئك الذين ولدوا في المدينة، كانت بدايتهم هناك، أما من ولدوا في القرية يقضون نصف عمرهم يحاولون اللحاق بهم، كما يرى.

الشبان يشعرون عادة بالضجر في الريف، المصدر: تصوير الكاتب.
في قرية “هرور” المجاورة، جلس الحاج حامد في حديقة منزله التي لا يزورها إلا أيام العطل. غادر قريته عام 1988 بعد حملات الأنفال، ليستقر في مدينة دهوك، ولم يعد إليها نهائياً على الرغم من مرور 37 عاماً.
يقول لجمّار: “عائلتي لم تعد تحتمل حياة الريف”.
تخرج أبناء الحاج حامد وحصلوا على وظائف، ولم يعد بمقدورهم العيش في القرية، كما أنه يمتلك بستاناً صغيراً لا يكفي لإعالة نفسه.
حين تركوا القرية كانوا ثمانية أفراد، والآن أصبحوا 15 عائلة! وحتى لو أرادوا العودة، فإن القرية لن تتسع، ولا توجد فيها خدمات.
“القرية ما توكل خبز”.. عبارة باتت شائعة على ألسنة شباب الريف الكردستاني، يرددها كاوة رشيد، ابن قرية “شكراف” الواقعة غرب دهوك.
ترك كاوة قريته قبل خمس سنوات، ليبدأ من الصفر في مدينة دهوك.
بدأ عاملاً في مطعم، ثم حلاقاً، ثم سبّاكاً، واليوم يمتلك ورشة لصيانة أجهزة التبريد. اشترى سيارة، ويستعد للزواج. علمته المدينة كيف يقاتل من أجل مستقبله كما يعبر، يقول لجمّار: “صحيح أن المدينة قاسية، لكنها تكافئ من يصبر”.
في المدينة، تعلم كاوة أن يخلق فرصته بيده، أما في القرية، فكانت الحياة تعيد نفسها كل يوم، مثل السكن في غرفة مغلقة لا باب لها.
يضيف: “أحياناً أتخيل قريتي، لا أراها سوى في الصور القديمة، كأنها لم تكن سوى حلم عابر. أشتاق لها كذكرى لا كمستقبل”.
طموحات وتحديات
بحسب د. ريدار نبيل، المتخصص في الجغرافيا، فإن نسبة سكان المدن في محافظة دهوك تبلغ 73 بالمئة مقابل 27 بالمئة فقط في الريف. بل أكثر من ذلك، تظهر بيانات تعداد 2024 أن 84 بالمئة من سكان إقليم كردستان يعيشون في الحضر، بينما لا تزيد نسبة سكان القرى عن 16 بالمئة.
وتكشف هذه الأرقام عن ظاهرة نزوح اجتماعي مركّبة لا تتعلق فقط بالخدمات أو الأمن، بل بتغير نظرة الجيل الجديد إلى الريف، حيث لم يعد المكان يمثل الحاضنة التي تحميهم، بل يبدو كحِمل ثقيل يريدون التخلص منه.
ويعزى هذا التحول الديمغرافي العميق إلى أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية.
يشير نبيل إلى أن القرى الكردية كان لها دور جوهري في حفظ الهوية القومية والثقافية للكرد، كونها كانت مأوى آمناً في الجبال ومعقلاً للغذاء والبقاء.
لكن الحكومات العراقية السابقة تعمدت حصر الكرد في الأرياف، ومنعت عنهم مظاهر الحياة الحضرية عمداً لإبقائهم خارج دائرة التطور، بحسب نبيل.
وبعد 1991، بدأ النزوح الكبير بسبب سوء الأوضاع الأمنية والاقتصادية. صحيح أن الانتقال إلى المدن أحدث صدمة ثقافية واجتماعية، لكنه مكّن الجيل الجديد من الوصول إلى التعليم والوظائف والاندماج في نمط جديد من الحياة.
ويضيف نبيل أن حكومة كردستان تحاول الآن إحياء الريف من خلال تشجيع “الهجرة العكسية”، وتنفيذ مشاريع زراعية وسياحية وخدمية، لكن التحديات الأمنية، وخصوصاً تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني، تعيق بعض هذه المشاريع.
وليس التغيير الجغرافي وحده ما يُفقد القرى حياتها، بل التصادم الثقافي أيضاً.
يرى نزار محمد أمين، أستاذ علم النفس في جامعة السليمانية، أن هذا التحول أدى إلى اضطراب اجتماعي عميق.
يقول أمين لجمّار إن سكان الريف الذين هُجّروا إلى المدن جلبوا معهم عاداتهم العشائرية، ووجدوا أنفسهم في بيئة لا تشبههم.
هذا التصادم سبب مشكلات نفسية واجتماعية واقتصادية.
وحتى حين أراد البعض العودة إلى الريف، اصطدموا بواقع قاس، لا بنى تحتية، ولا دعم حكومي، ولا فرص حقيقية.
وبقي هؤلاء المهاجرون معلّقين بين عالمين، فلا هم أبناء المدينة تماماً، ولا عادوا قرويين كما كانوا، وفقاً لأمين.
هنا أتنفس
رغم كل شيء، لم تغادر شمسة قريتها، فما زالت تعتني ببستانها، وتحاول أن تقنع الحياة بأن تعود، أو على الأقل أن تبقى قريبة.
تقول شمسة: “إذا تركت قريتي، سأفقد الحياة. أنا هنا أتنفس”.
شاهدنا شمسة تمسك بأغصان شجرة تين أمام بيتها، كأنها تمسك بذكرى عزيزة.
في عينيها بريق مقاومة، وفي صوتها غصة لم يعد الزمان يسمعها.
وفي الطرف الآخر من الحكاية، شابان يمضيان في طريق لا عودة فيه، يشبهه آلاف الطرق التي سلكها أهل القرى ولم يعودوا.
إنهما ريبند وكاوة، اللذان يريان أن القرى باتت أطيافاً للماضي، لا تسمن ولا تغني عن أحلامهم الكبيرة.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
قصة استسلام نقابات العراق لـ"الأمر الواقع": أجسام شكلية خارج التاريخ والاجتماع
15 فبراير 2026
فيلم "فلانة" لزهراء غندور.. في "إشكال" أن تكون المرأة امرأة في العراق
12 فبراير 2026
الحرب على النساء في العراق
10 فبراير 2026
من رئاسة البرلمان إلى المحافظات: تحوّل "الزعامة السنية" في العراق
08 فبراير 2026
كان الريف الكردستاني في يوم ما يشبه سفح الجبل، واسعاً، آمناً، ومفعماً بالحياة، تضجّ فيه الأصوات وتتمايل السنابل وتغني الطيور على أغصان أشجار التفاح البري.
هناك، في أعالي الجبال وسفوحها، ولدت ذاكرة الكرد، وانغرس فيها صمودهم وهو يتشكل على وقع المعاول، وعند سقي الأرض بعرق الجبين.
لكن، شيئاً فشيئاً، بدأت هذه القرى تخبو. لم يعد الفجر هناك يستعجل الخطى، ولا الرعاة يعبرون البراري، تغيّر كل شيء حتى طعم الخبز، بفعل التكنولوجيا والحداثة والنزوح والاغتراب.
كانت عقارب الساعة تقترب من الـ11 صباحاً حين دخلنا قرية “خيزافا” الواقعة بين الجبال شمال محافظة دهوك، لكن الزمن داخل القرية بدا متوقفاً عند زمن آخر.
القرية ما زالت غافية، حتى صياح الديك الذي اعتادت عليه صباحات القرى، غاب. لا صوت لأقدام نساء يحملن جرار الماء، ولا للعب أطفال يركضون في الأزقة الطينية. كل شيء صامت كأنه في حداد طويل، الأبواب مغلقة، السكون يخيّم.
من بين منازل القرية، أطلت علينا سيدة ستينية تدعى شمسة محمد، خرجت من بيتها الواقع في الطرف الشمالي، بوجه متعب وبنبرة هادئة قالت بلغتها الكردية: “ژیان خاڤه”… الحياة خاملة.
ترى شمسة أن الحياة لم يبق منها شيء في قريتها، لا حقول، ولا بساتين، ولا دجاج، ولا أغنام، وحتى الخبز صار يشترى من “الماركت”.

ترى شمسة عدم بقاء شيء من حياة القرية، المصدر: تصوير الكاتب.
والغريب أن شمسة لا تشتكي من قسوة الماضي، بل تتوق إليه. كانت تتذكر بفرح كيف كانت تقضي نهارها من الفجر حتى المغيب تطبخ وتغسل وتخيط، وتساعد زوجها في الحقل، تجمع الحطب، وتغزل الصوف. حتى وقت الفراغ، إن وُجد، كان له معنى.
تقول لجمّار: “كنا ننجز كل شيء بأيدينا، ونساعد بعضنا كنساء”.
لم يكن الفقر مرعباً، كانوا يعرفونه جيداً ويتعايشون معه، لكن الخمول هو ما يقتل الآن. في الماضي، كانت الأيدي مشغولة، والقلوب مرتاحة، واليوم لا عمل ولا هدف.
كان عدد سكان خيزافا يقارب 250 عائلة، لكن لم يبق منها سوى 25 فقط. هذا ما يؤكده حسين خيزافاي، أحد وجهاء القرية، الذي بقي فيها مع عائلته، فيما غادر إخوته الأربعة إلى مدينة زاخو.
لم يستطع الإخوة مواصلة العيش في القرية، إذ إن بستانهم الصغير لم يعد كافياً لإطعام عائلاتهم، ولا الزراعة تُطعم. في المدينة وجدوا عملاً ورواتب وماء وكهرباء ومراكز صحية، أما في القرية فكانوا يعيشون على الراتب التقاعدي أو على الانتظار.
يقول خيزافاي لجمّار: “جيل اليوم لا يعرف ماذا يعني أن تزرع شجرة وتنتظر موسمها، الشباب هنا يهربون من الأرض والمواشي، تعب بلا مقابل، لهذا السبب غادر أغلبهم”.
حلم عابر
على بعد خطوات من منزل خيزافاي، جلس الشاب ريبند عزيز، طالب إعدادية في الـ17 من عمره. لم يُخف ضجره من حياة القرية، قال بلا مواربة: “أكره العيش هنا”.
يشعر ريبند بالضجر من غياب الإنترنت والمقاهي، ويراوده القلق من “انعدام العمل والمستقبل”.
مدرسته في زاخو، يقضي كل يوم نصف ساعة ذهاباً إليها ونصف ساعة إياباً منها بالسيارة، وذلك من أسباب توقه إلى العيش في المدينة.
يقول لجمّار: “ما الفائدة من الريف إن لم يكن فيه ما نأكله ولا ما نطمح إليه؟”
يشعر ريبند بأنه منفيّ داخل قريته، الإنترنت ضعيف، والمدرسة بعيدة، ولا يوجد من يتحدث إليه. يحسد أولئك الذين ولدوا في المدينة، كانت بدايتهم هناك، أما من ولدوا في القرية يقضون نصف عمرهم يحاولون اللحاق بهم، كما يرى.

الشبان يشعرون عادة بالضجر في الريف، المصدر: تصوير الكاتب.
في قرية “هرور” المجاورة، جلس الحاج حامد في حديقة منزله التي لا يزورها إلا أيام العطل. غادر قريته عام 1988 بعد حملات الأنفال، ليستقر في مدينة دهوك، ولم يعد إليها نهائياً على الرغم من مرور 37 عاماً.
يقول لجمّار: “عائلتي لم تعد تحتمل حياة الريف”.
تخرج أبناء الحاج حامد وحصلوا على وظائف، ولم يعد بمقدورهم العيش في القرية، كما أنه يمتلك بستاناً صغيراً لا يكفي لإعالة نفسه.
حين تركوا القرية كانوا ثمانية أفراد، والآن أصبحوا 15 عائلة! وحتى لو أرادوا العودة، فإن القرية لن تتسع، ولا توجد فيها خدمات.
“القرية ما توكل خبز”.. عبارة باتت شائعة على ألسنة شباب الريف الكردستاني، يرددها كاوة رشيد، ابن قرية “شكراف” الواقعة غرب دهوك.
ترك كاوة قريته قبل خمس سنوات، ليبدأ من الصفر في مدينة دهوك.
بدأ عاملاً في مطعم، ثم حلاقاً، ثم سبّاكاً، واليوم يمتلك ورشة لصيانة أجهزة التبريد. اشترى سيارة، ويستعد للزواج. علمته المدينة كيف يقاتل من أجل مستقبله كما يعبر، يقول لجمّار: “صحيح أن المدينة قاسية، لكنها تكافئ من يصبر”.
في المدينة، تعلم كاوة أن يخلق فرصته بيده، أما في القرية، فكانت الحياة تعيد نفسها كل يوم، مثل السكن في غرفة مغلقة لا باب لها.
يضيف: “أحياناً أتخيل قريتي، لا أراها سوى في الصور القديمة، كأنها لم تكن سوى حلم عابر. أشتاق لها كذكرى لا كمستقبل”.
طموحات وتحديات
بحسب د. ريدار نبيل، المتخصص في الجغرافيا، فإن نسبة سكان المدن في محافظة دهوك تبلغ 73 بالمئة مقابل 27 بالمئة فقط في الريف. بل أكثر من ذلك، تظهر بيانات تعداد 2024 أن 84 بالمئة من سكان إقليم كردستان يعيشون في الحضر، بينما لا تزيد نسبة سكان القرى عن 16 بالمئة.
وتكشف هذه الأرقام عن ظاهرة نزوح اجتماعي مركّبة لا تتعلق فقط بالخدمات أو الأمن، بل بتغير نظرة الجيل الجديد إلى الريف، حيث لم يعد المكان يمثل الحاضنة التي تحميهم، بل يبدو كحِمل ثقيل يريدون التخلص منه.
ويعزى هذا التحول الديمغرافي العميق إلى أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية.
يشير نبيل إلى أن القرى الكردية كان لها دور جوهري في حفظ الهوية القومية والثقافية للكرد، كونها كانت مأوى آمناً في الجبال ومعقلاً للغذاء والبقاء.
لكن الحكومات العراقية السابقة تعمدت حصر الكرد في الأرياف، ومنعت عنهم مظاهر الحياة الحضرية عمداً لإبقائهم خارج دائرة التطور، بحسب نبيل.
وبعد 1991، بدأ النزوح الكبير بسبب سوء الأوضاع الأمنية والاقتصادية. صحيح أن الانتقال إلى المدن أحدث صدمة ثقافية واجتماعية، لكنه مكّن الجيل الجديد من الوصول إلى التعليم والوظائف والاندماج في نمط جديد من الحياة.
ويضيف نبيل أن حكومة كردستان تحاول الآن إحياء الريف من خلال تشجيع “الهجرة العكسية”، وتنفيذ مشاريع زراعية وسياحية وخدمية، لكن التحديات الأمنية، وخصوصاً تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني، تعيق بعض هذه المشاريع.
وليس التغيير الجغرافي وحده ما يُفقد القرى حياتها، بل التصادم الثقافي أيضاً.
يرى نزار محمد أمين، أستاذ علم النفس في جامعة السليمانية، أن هذا التحول أدى إلى اضطراب اجتماعي عميق.
يقول أمين لجمّار إن سكان الريف الذين هُجّروا إلى المدن جلبوا معهم عاداتهم العشائرية، ووجدوا أنفسهم في بيئة لا تشبههم.
هذا التصادم سبب مشكلات نفسية واجتماعية واقتصادية.
وحتى حين أراد البعض العودة إلى الريف، اصطدموا بواقع قاس، لا بنى تحتية، ولا دعم حكومي، ولا فرص حقيقية.
وبقي هؤلاء المهاجرون معلّقين بين عالمين، فلا هم أبناء المدينة تماماً، ولا عادوا قرويين كما كانوا، وفقاً لأمين.
هنا أتنفس
رغم كل شيء، لم تغادر شمسة قريتها، فما زالت تعتني ببستانها، وتحاول أن تقنع الحياة بأن تعود، أو على الأقل أن تبقى قريبة.
تقول شمسة: “إذا تركت قريتي، سأفقد الحياة. أنا هنا أتنفس”.
شاهدنا شمسة تمسك بأغصان شجرة تين أمام بيتها، كأنها تمسك بذكرى عزيزة.
في عينيها بريق مقاومة، وفي صوتها غصة لم يعد الزمان يسمعها.
وفي الطرف الآخر من الحكاية، شابان يمضيان في طريق لا عودة فيه، يشبهه آلاف الطرق التي سلكها أهل القرى ولم يعودوا.
إنهما ريبند وكاوة، اللذان يريان أن القرى باتت أطيافاً للماضي، لا تسمن ولا تغني عن أحلامهم الكبيرة.