البرلمان السادس في العراق: ناخبين أكثر لطبقة قديمة
25 تشرين الثاني 2025
يتشكّل البرلمان السادس في العراق بوصفه نسخة مُحدَّثة لطبقة سياسية قديمة.. هذا المقال يقرأ ما جرى، ويحاول تحليل المشهد العراقي المقبل..
بعد أشهر من تكرار الإشاعات بشأن تأجيلها، وتوقّعات التيار الصدري بإفشالها من خلال المقاطعة، أُجريت الانتخابات النيابية في موعدها المقرّر في 11 تشرين الثاني، بسلاسة شابها بعض الهجمات غير المؤثّرة على المراكز الانتخابية في البصرة ومدينة الصدر ببغداد، فضلاً عن إطلاق النار على مراكز أخرى في عددٍ من أقضية السليمانية وأربيل وديالى.
وبينما لم تتجاوز نسبة المشاركة 44.52 بالمئة في انتخابات أيار 2018، التي أعقبت هزيمة تنظيم داعش في 2017، وتراجعت النسبة إلى 41.05 بالمئة في انتخابات تشرين الأول 2021، وهي الأدنى منذ الغزو الأمريكي في نيسان 2003، ارتفعت نسبة المشاركة في هذه الدورة الانتخابية من جديد، حيث أفادت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن نسبة التصويت هذا العام بلغت 56.11 بالمئة من الذين حدّثوا بطاقاتهم الانتخابية. كما ارتفعت نسبة التصويت الخاص لأفراد القوات المسلحة والقوى الأمنية إلى 82.52 بالمئة، وبلغت نسبة تصويت النازحين 77.35 بالمئة. مع ذلك، يرى مراقبون أن النسب ستتراجع فيما لو اعتمدت نسبة المشاركة من أصل نحو 30 مليون مواطن ضمن السن القانونية للانتخاب، بمن فيهم الذين لم يحدّثوا سجلاتهم ولم يشاركوا في الانتخابات، لتكون نسبة المشاركة في حدود 40.95 بالمئة.
مقاطعة صدرية وإقبال كردي-سُنّي
راهن كثيرون على تبديل مقتدى الصدر موقفه، فقد لوّح التيار الصدري بمقاطعة انتخابات 2021، لكنه حصد 73 مقعداً من أصل 329، قبل أن ينسحب من العملية السياسية في حزيران 2022 ويستقيل جميع نوابه. لكن الصدر أصرّ على موقفه حتّى النهاية وانعكس ذلك على تراجع نسب التصويت في بعض المحافظات، ولاسيما في ميسان (40.11 بالمئة)، والرصافة في بغداد، حيث معقل أنصاره في مدينة الصدر (41.55 بالمئة)، والنجف (42.7 بالمئة)، وكانت هذه المحافظات الأقل مشاركة في انتخابات هذا العام.
في المقابل، شهدت انتخابات هذا العام مشاركة منقطعة النظير في إقليم كردستان والمحافظات ذات الأغلبية السُنية، وكانت جميع المحافظات الأعلى مشاركة، ما يتجاوز 60 بالمئة، في شمال وشمال غرب العراق: دهوك (76 بالمئة)، وأربيل (69 بالمئة)، وصلاح الدين (66.44 بالمئة)، والأنبار (65.93 بالمئة)، وكركوك (64.12 بالمئة)، ونينوى (64.07 بالمئة).
وبينما تفاخر التيار الصدري بوحدته الداخلية وطاعة أنصاره، ساهم الاحتقان الطائفي، الذي أجّجه المدوّنون والسجالات التلفازية حول الأغلبية الديموغرافية في بغداد، في دفع عدد من أنصار التيار الصدري للمشاركة في الانتخابات ومنح صوتهم لقائمة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لتضييع الفرصة على خصمهم السياسي المالكي والحفاظ على التفوّق الديموغرافي الشيعي في العاصمة. مع ذلك، بدت شوارع مدينة الصدر شرق بغداد شبه خالية من الناخبين باستثناء عددٍ محدود من المحطات، فيما كان الإقبال متوسطاً على محطات الاقتراع في معاقله الأخرى في منطقتي الحريّة والشعلة غرب بغداد.
قد يكون لهذه الغيبة الطويلة عن المشهد السياسي وما يصاحبها من تراجع في مصادر التمويل أثر بالغ على وحدة التيّار الصدري، وقد يتسبّب ذلك في تراجع شعبيته لفقدان بعض أنصاره المغريات الوظيفية والمالية، فضلاً عن انشقاق البعض وانضمامهم إلى تياراتٍ شيعية أخرى أكثر فاعلية وحضوراً.
صمود كتل وتراجع أخرى
من مفاجآت نتائج الدورة الانتخابية السادسة خسارة عددٍ من الشخصيات البارزة من مختلف الكتل والأحزاب السياسية، منهم: رئيس مجلس النواب محمود المشهداني وناصر الغنّام وعبد الله أثيل النجيفي من تحالف سيادة الوطني، ويحيى رسول وعلي عذاب من ائتلاف دولة القانون، وضرغام المالكي من تحالف تصميم، وسجّاد سالم من حزب البديل، وقصي محبوبة وباسم خشان وحكيم شاكر من ائتلاف الإعمار والتنمية، وظافر العاني من حزب تقدّم، وفيان دخيل من الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومشعان الجبوري وابنه يزن من تحالف صقورنا، وسنان أسامة النجيفي من تحالف العزم.

على صعيدٍ آخر، شملت قائمة أعلى الفائزين من حيث عدد الأصوات الكلّي مرشّح الاتحاد الوطني الكردستاني ريبوار طه (96 ألف صوت)، الذي فضّل البقاء في منصبه كمحافظٍ لكركوك، ومرشح ائتلاف الإعمار والتنمية ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني (92 ألف)، ورئيس حزب تقّدم محمد الحلبوسي (71.9 ألف)، وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي (68.7 ألف)، ومرشح الاتحاد الإسلامي الكردستاني جمال كوجر (58 ألف).
مقامرة التماسك: قوائم تتجاوز حدود الطائفة
وكما هي العادة، لم يكن حصول قائمة رئيس الوزراء على 46 مقعداً برلمانياً بالأمر الغريب، بل يتوافق مع تصّدر قوائم رئيس الوزراء في معظم الدورات السابقة. وتلا السوداني ائتلاف دولة القانون (29 مقعداً)، وكتلة صادقون بزعامة قيس الخزعلي (27)، وتحالف تقدّم بزعامة محمد الحلبوسي (27)، والديمقراطي الكردستاني (26)، وبدر بزعامة هادي العامري (21)، وقوى الدولة بزعامة عمّار الحكيم (18).
في المجمل، حصدت القوائم الشيعية 187 مقعداً من المقاعد العامة، من ضمنها بعض المقاعد السنية، فيما حصدت القوائم السُنية 77 مقعداً، والكردية 56 مقعداً، والمرشحون الإيزيديون حصدوا مقعداً واحداً بمعزل عن الديمقراطي الكردستاني، فيما خلا الكوتا.
وبينما تبدو القوائم العابرة للطوائف، التي حصدت مقاعد في محافظاتٍ شتّى، من البوادر الإيجابية، إلا أن الواقع يثبت أنها ترسيخ لأهمية الانتماء الطائفي في التصويت، وضمان بعض الكتل عدم ضياع أصواتٍ مهمة في محافظات لا يشكّل ناخبوها الأغلبية فيها، لاسيما في نينوى. كما أن انضمام مرشّحين سُنة لكتلٍ شيعية في الغالب يعني تهديد وحدة صف تلك الكتل بعد الوصول إلى البرلمان، واحتمال تشتّتها وعدم وفائها التام لزعيم الكتلة وعدم تمسكها به كمرشّح لرئاسة الحكومة مثلاً. وقد يجعل هذا التهديد لتماسك الكتل من تشكيل الحكومة أمراً معقداً يستغرق شهوراً.
مع ذلك أعلن السوداني خلال منتدى الشرق الأوسط للسلام والأمن في الجامعة الأمريكية في دهوك عن بقاء ائتلافه في الإطار التنسيقي، الذي يشكّل الكتلة النيابية الأكبر مع 175 مقعداً، أي أكثر من نصف مقاعد البرلمان. ومجدداً، ليس هذا بالأمر الغريب المستبعد، ولطالما حصل بصورة تلقائية أو بتدخلاتٍ خارجية لضمان الأغلبية الشيعية، وكانت باكورة ذلك إعادة تفسير الكتلة الأكبر في انتخابات عام 2010، التي فاز فيها إياد علاوي بأغلبية طفيفة ولم يُعطَ فرصة تشكيل الحكومة، ويعني هذا التفسير ثبات العملية السياسة وغياب أي فرصة للتغيير.
وبينما حصد الكرد 58 مقعداً موزعة كما يلي: الحزب الديمقراطي الكردستاني 27 مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني 18 مقعداً، والموقف خمسة مقاعد، والاتحاد الإسلامي الكردستاني أربعة مقاعد، والجيل الجديد ثلاثة مقاعد، وجماعة العدل حصدت مقعداً واحداً، إلا أن لهذه الكتل بعض الاختلافات في قضايا تفصيلية، وبعضها مقرّب من الكتل الشيعية، كما أن للحزب الديمقراطي الكردستاني هيمنة على بعض مقاعد الكوتا التابعة للإيزيديين والمسيحيين والكرد الفيليين، وللاتحاد الوطني مقعدٌ في بغداد ضمن ائتلاف الإعمار والتنمية. ولا تعكس هذه المقاعد تجانساً عرقياً، حيث إن نائبَين عربيَّين يمثلان الحزب الديمقراطي الكردستاني في نينوى. بالمثل، هناك نوّاب سُنة ضمن قوائم السوداني في عددٍ من المحافظات، كما فازت النائبة زينب خزعل التميمي عن قائمة تصميم لأسعد العيداني في البصرة، وهي مدعومة من تحالف تقدّم.
قد يعكس هذا التغيير تطوراً إيجابياً تتلاشى فيه القدرة على وسم بعض التحالفات بسمة طائفية خالصة، لكنّها تظهر تعاوناً بين الكتل يمكّنهم من كسب أصوات أقليات عددية سيغيب تمثيلها في بعض المحافظات فيما لو ترشّحت في قوائم منفصلة، لكن مثل هذه التحالفات هشّة وتؤثر بقوة على تماسك الكتل وديمومتها، وقد يصعّب هذا من المفاوضات اللازمة لانتخاب رئيس الوزراء.
آلية الانتخابات والمال السياسي
في هذه الدورة، شهد الشارع جدلاً متصاعداً حول دقّة قانون سانت ليغو في احتساب الأصوات، ودوره في هيمنة الأحزاب الكبرى واستبعاد الكتل الأصغر والأحزاب الناشئة والمرشحين المستقلين. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي نقاشات حول العدد الكلي لأصوات الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي تجاوز المليون صوت، وحصوله على 26 مقعداً، أي ما يقل عن عدد مقاعد صادقون، التابعة لحركة العصائب، رغم أن العدد الكلّي لأصواتهم يقل عن المليون بكثير، ويعود ذلك إلى إغفال حقيقة انتخابية مهمة وهي أن المقاعد تُحتَسَب بناءً على عدد سكان المحافظة لا على عدد ونسبة من شارك في الانتخابات.
ولا يزال المال السياسي اللاعب الأبرز في الفوز، فضلاً عن التحالفات العشائرية والمناطقية ووعود التوظيف وتقديم الخدمات. وأفاد عددٌ من موظفي وأساتذة الجامعات الخاصة في العراق عن توزيع تعهدات على الموظفين بضمان منح المستثمر أو ابنه عدداً من الأصوات وإلا سيتعرّضون للعقوبات وربما الفصل. ورغم صعوبة تطبيق مثل تلك التهديدات إلا أن العديد من الموظفين أكّدوا وقوعها، ناهيك عن بيع الأصوات والبطاقات الانتخابية لقاء الأموال أو توزيع أرصدة الهاتف قرب المراكز الانتخابية. في بعض المناطق الحدودية في ديالى، تعرّض بعض الأهالي لتهديدات أحزاب لها أذرع ميليشياوية لضمان تصويت الأهالي لهم، وإلا سيُحرمون من عملهم في النقل التجاري مع إيران، كما ترشّح آخرون في العوجة (إحدى مناطق تكريت مركز محافظة صلاح الدين) مع كتلٍ شيعية على أمل السماح لهم بالعودة إلى أراضيهم.
وفي المناطق المتنازع عليها، رُصدت تحالفات عربية ضمن قوائم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بسبب ضغوطٍ مورسَت على الفلاّحين والسكّان. ولهذا السبب حصدَ الحزب الكردي خمسة مقاعد في نينوى، وحلّ أولاً في تلك المحافظة ذات الغالبية العربية، وكان من بين الفائزين الخمسة اثنان من العرب. تثير مثل هذه النتائج تساؤلات، على الرغم من أن الحزب الكردي يعدّ خاسراً في نينوى في هذه الدورة، بعد أن حصد تسعة مقاعد في انتخابات 2021.

ولم تكُن مقاعد الكوتا بعيدة عن هيمنة الأحزاب الكبرى، حيث يرى العديد من المسيحيين أن الحزب الديمقراطي الكردستاني سيطر على ثلاثة من مقاعدهم، فيما سيطرت الأحزاب الشيعية على المقعدين المتبقيّين، وذلك من خلال تصويت الأكراد والشيعة لمرّشحين مسيحيين مقرّبين من أحزابهم، وكذلك الحال مع سيطرة الأحزاب الكردية على مقاعد الإيزيديين فيما عدا قائمة “القضية الإيزيدية” المستقلة التي حصدت مقعداً، وكادت أن تحصد مقعدين خارج الكوتا.
وتندّر الكثير من المسيحيين على كون مجموع الأصوات التي أحرزها مرشّحون مسيحيون يفوق عددهم في العراق، حيث لم يتبقَ في العراق أكثر من 100 ألف مسيحي. وساهم حرمان المغتربين من التصويت في تقليل فرص المسيحيين في انتخاب ممثليهم الحقيقيين.
خسارة القوى المدنية
ومن أبرز الخاسرين في هذه الدورة هي الأحزاب المدنية، حيث لم تحصد قائمتا “البديل” و”التحالف المدني الديمقراطي”، التي رشّح تحت مظلتهما معظم القوى المدنية والحزب الشيوعي العراقي، أي مقعدٍ نيابي.
يعود ذلك جزئياً إلى العودة لقانون سانت ليغو الذي يضاعف فرص الأحزاب الكبيرة ويقطع الطريق على القوى الناشئة والصغيرة، فضلاً عن عزوف القوى العلمانية عن التصويت لهذه الأحزاب، بسبب خيبة أملهم في العديد من النوّاب الذين انبثقوا عن تظاهرات تشرين 2019، بعد انضمام العديد منهم إلى القوى الكبرى التي زعموا محاربتها، وتركيز عددٍ آخر منهم على تحقيق المكاسب الشخصية.
اعتبر البعض هذه الخسارة دليلاً على حرية الناخبين العلمانيين ومعاقبتهم لمن خذلهم، بخلاف جمهور الأحزاب الهوياتية الأكبر. فضلاً عن فقدان ثقة المواطنين في كتلٍ صغيرة منعدمة التأثير، فقد مُرّر قانون الأحوال الشخصية الجعفري في الدورة السابقة التي ضمّت الكثير من نوّاب تظاهرات تشرين ولم يفلحوا في وقف ذلك.
التغيرات الإقليمية ترجّح كفّة البراغماتية
قد يمثّل الصعود المتواصل لكتل مقربة من إيران، بما فيها كتلة صادقون، الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، خطراً يهدّد علاقة العراق بالولايات المتحدة، ولا سيما في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلّا أن هذه الجهات تحاول اتباع خطابٍ أكثر براغماتية، بسبب التغيرات الإقليمية في المنطقة -مع سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع نفوذ إيران في لبنان- بل حتى إطلاق الحريات العامة في إيران نفسها، في محاولة لامتصاص النقمة الداخلية مع تضييق الخناق الاقتصادي والتهديدات المستمرة بجولة ثانية من الحرب مع إسرائيل.
تشهد المنطقة اليوم تدجيناً للقوى الإسلامية وتغيّراً في خطاباتها، وقد تحوّلت تيارات جهادية إلى حلفاء للولايات المتحدة، وقد يجبر هذا جميع الإسلاميين على التنازل من أجل البقاء، رغم أن التنازلات التامة والانصهار في المعسكر الآخر يعني ضمنياً الهزيمة الواضحة لما مثّلته تلك الجماعات من أهداف ورؤى بنت عليها شعبيتها في أوساط محافظة.
مميّزات الانتخابات العراقية
في العموم، لا تعكس الانتخابات العراقية حقيقة الشارع ولا النسب الديموغرافية بسبب العزوف الكبير عن التصويت، رغم تراجعه هذه المرّة في بعض المحافظات، فضلاً عن حرمان المغتربين من التصويت.
وضمن المحافظات، قد يصعد مرشّح بعددٍ أقل من الناخبين بفضل كتلته، فيما يُستثنى مرشّحٌ آخر صوّت له عددٌ أكبر بسبب وجود مرشحين آخرين أعلى أصواتاً ضمن قائمته القوية، وكذلك الحال مع الكوتا النسائية التي يمكن أن تزيح رجلاً حاز عدداً أكبر من الأصوات لصالح زميلته التي تقلّ عنه في عدد الأصوات ضمن الكتلة ذاتها. وبالطبع، بعد فرز القوائم الفائزة، تضيع الآلاف من الأصوات المبعثرة بسبب كثرة المرشّحين، والعشرات منهم لم يحصدوا سوى صوتين أو صوتٍ وحيد.

وبسبب تصويت الآلاف من الشيعة والأكراد لمرشحين يتنافسون على كوتا المكونات الدينية والعرقية يُسرق التمثيل الحقيقي للأقليات ويفرز أصواتاً أخرى. ومع وجود السلاح والامتيازات الحزبية والارتباطات العشائرية تبدو الانتخابات العراقية خليطاً غريباً من المكونات الرجعية (الطائفية والعشائرية والقومية) والنفعية الخدمية في إطارٍ “ديمقراطي”، لكنّ الكلمة الفصل تبقى رهينة التحالفات والتسويات والضغوطات الخارجية.
ويساهم غياب مفهوم المعارضة، بفعل الحكومات التشاركية، في تقليل الرقابة – الدور الأهم إلى جانب التشريع لأي برلمان – وتقاسم أدوار الفساد وسط صمت الجميع.
تساهم هذه العوامل مجتمعة في تقليل شعور الناخب بفاعليته وقدرته على التغيير، ففي النهاية ما تقوله النتائج شيء وما تمثّله هوية الزعامات شيء آخر، وقد يكون هذا من عوامل تزعزع الثقة بأهمية الانتخابات، على الرغم من ارتفاع نسب المشاركين فيها.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم
09 ديسمبر 2025
السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار
07 ديسمبر 2025
قصب إيران لبناء المضايف في أهوار العراق: كيف يهدد الجفاف "هندسة سومر"؟
04 ديسمبر 2025
"الخبز صار حسرة على الفلاح".. قصة الخسارة الموجعة في نينوى
02 ديسمبر 2025
بعد أشهر من تكرار الإشاعات بشأن تأجيلها، وتوقّعات التيار الصدري بإفشالها من خلال المقاطعة، أُجريت الانتخابات النيابية في موعدها المقرّر في 11 تشرين الثاني، بسلاسة شابها بعض الهجمات غير المؤثّرة على المراكز الانتخابية في البصرة ومدينة الصدر ببغداد، فضلاً عن إطلاق النار على مراكز أخرى في عددٍ من أقضية السليمانية وأربيل وديالى.
وبينما لم تتجاوز نسبة المشاركة 44.52 بالمئة في انتخابات أيار 2018، التي أعقبت هزيمة تنظيم داعش في 2017، وتراجعت النسبة إلى 41.05 بالمئة في انتخابات تشرين الأول 2021، وهي الأدنى منذ الغزو الأمريكي في نيسان 2003، ارتفعت نسبة المشاركة في هذه الدورة الانتخابية من جديد، حيث أفادت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن نسبة التصويت هذا العام بلغت 56.11 بالمئة من الذين حدّثوا بطاقاتهم الانتخابية. كما ارتفعت نسبة التصويت الخاص لأفراد القوات المسلحة والقوى الأمنية إلى 82.52 بالمئة، وبلغت نسبة تصويت النازحين 77.35 بالمئة. مع ذلك، يرى مراقبون أن النسب ستتراجع فيما لو اعتمدت نسبة المشاركة من أصل نحو 30 مليون مواطن ضمن السن القانونية للانتخاب، بمن فيهم الذين لم يحدّثوا سجلاتهم ولم يشاركوا في الانتخابات، لتكون نسبة المشاركة في حدود 40.95 بالمئة.
مقاطعة صدرية وإقبال كردي-سُنّي
راهن كثيرون على تبديل مقتدى الصدر موقفه، فقد لوّح التيار الصدري بمقاطعة انتخابات 2021، لكنه حصد 73 مقعداً من أصل 329، قبل أن ينسحب من العملية السياسية في حزيران 2022 ويستقيل جميع نوابه. لكن الصدر أصرّ على موقفه حتّى النهاية وانعكس ذلك على تراجع نسب التصويت في بعض المحافظات، ولاسيما في ميسان (40.11 بالمئة)، والرصافة في بغداد، حيث معقل أنصاره في مدينة الصدر (41.55 بالمئة)، والنجف (42.7 بالمئة)، وكانت هذه المحافظات الأقل مشاركة في انتخابات هذا العام.
في المقابل، شهدت انتخابات هذا العام مشاركة منقطعة النظير في إقليم كردستان والمحافظات ذات الأغلبية السُنية، وكانت جميع المحافظات الأعلى مشاركة، ما يتجاوز 60 بالمئة، في شمال وشمال غرب العراق: دهوك (76 بالمئة)، وأربيل (69 بالمئة)، وصلاح الدين (66.44 بالمئة)، والأنبار (65.93 بالمئة)، وكركوك (64.12 بالمئة)، ونينوى (64.07 بالمئة).
وبينما تفاخر التيار الصدري بوحدته الداخلية وطاعة أنصاره، ساهم الاحتقان الطائفي، الذي أجّجه المدوّنون والسجالات التلفازية حول الأغلبية الديموغرافية في بغداد، في دفع عدد من أنصار التيار الصدري للمشاركة في الانتخابات ومنح صوتهم لقائمة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لتضييع الفرصة على خصمهم السياسي المالكي والحفاظ على التفوّق الديموغرافي الشيعي في العاصمة. مع ذلك، بدت شوارع مدينة الصدر شرق بغداد شبه خالية من الناخبين باستثناء عددٍ محدود من المحطات، فيما كان الإقبال متوسطاً على محطات الاقتراع في معاقله الأخرى في منطقتي الحريّة والشعلة غرب بغداد.
قد يكون لهذه الغيبة الطويلة عن المشهد السياسي وما يصاحبها من تراجع في مصادر التمويل أثر بالغ على وحدة التيّار الصدري، وقد يتسبّب ذلك في تراجع شعبيته لفقدان بعض أنصاره المغريات الوظيفية والمالية، فضلاً عن انشقاق البعض وانضمامهم إلى تياراتٍ شيعية أخرى أكثر فاعلية وحضوراً.
صمود كتل وتراجع أخرى
من مفاجآت نتائج الدورة الانتخابية السادسة خسارة عددٍ من الشخصيات البارزة من مختلف الكتل والأحزاب السياسية، منهم: رئيس مجلس النواب محمود المشهداني وناصر الغنّام وعبد الله أثيل النجيفي من تحالف سيادة الوطني، ويحيى رسول وعلي عذاب من ائتلاف دولة القانون، وضرغام المالكي من تحالف تصميم، وسجّاد سالم من حزب البديل، وقصي محبوبة وباسم خشان وحكيم شاكر من ائتلاف الإعمار والتنمية، وظافر العاني من حزب تقدّم، وفيان دخيل من الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومشعان الجبوري وابنه يزن من تحالف صقورنا، وسنان أسامة النجيفي من تحالف العزم.

على صعيدٍ آخر، شملت قائمة أعلى الفائزين من حيث عدد الأصوات الكلّي مرشّح الاتحاد الوطني الكردستاني ريبوار طه (96 ألف صوت)، الذي فضّل البقاء في منصبه كمحافظٍ لكركوك، ومرشح ائتلاف الإعمار والتنمية ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني (92 ألف)، ورئيس حزب تقّدم محمد الحلبوسي (71.9 ألف)، وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي (68.7 ألف)، ومرشح الاتحاد الإسلامي الكردستاني جمال كوجر (58 ألف).
مقامرة التماسك: قوائم تتجاوز حدود الطائفة
وكما هي العادة، لم يكن حصول قائمة رئيس الوزراء على 46 مقعداً برلمانياً بالأمر الغريب، بل يتوافق مع تصّدر قوائم رئيس الوزراء في معظم الدورات السابقة. وتلا السوداني ائتلاف دولة القانون (29 مقعداً)، وكتلة صادقون بزعامة قيس الخزعلي (27)، وتحالف تقدّم بزعامة محمد الحلبوسي (27)، والديمقراطي الكردستاني (26)، وبدر بزعامة هادي العامري (21)، وقوى الدولة بزعامة عمّار الحكيم (18).
في المجمل، حصدت القوائم الشيعية 187 مقعداً من المقاعد العامة، من ضمنها بعض المقاعد السنية، فيما حصدت القوائم السُنية 77 مقعداً، والكردية 56 مقعداً، والمرشحون الإيزيديون حصدوا مقعداً واحداً بمعزل عن الديمقراطي الكردستاني، فيما خلا الكوتا.
وبينما تبدو القوائم العابرة للطوائف، التي حصدت مقاعد في محافظاتٍ شتّى، من البوادر الإيجابية، إلا أن الواقع يثبت أنها ترسيخ لأهمية الانتماء الطائفي في التصويت، وضمان بعض الكتل عدم ضياع أصواتٍ مهمة في محافظات لا يشكّل ناخبوها الأغلبية فيها، لاسيما في نينوى. كما أن انضمام مرشّحين سُنة لكتلٍ شيعية في الغالب يعني تهديد وحدة صف تلك الكتل بعد الوصول إلى البرلمان، واحتمال تشتّتها وعدم وفائها التام لزعيم الكتلة وعدم تمسكها به كمرشّح لرئاسة الحكومة مثلاً. وقد يجعل هذا التهديد لتماسك الكتل من تشكيل الحكومة أمراً معقداً يستغرق شهوراً.
مع ذلك أعلن السوداني خلال منتدى الشرق الأوسط للسلام والأمن في الجامعة الأمريكية في دهوك عن بقاء ائتلافه في الإطار التنسيقي، الذي يشكّل الكتلة النيابية الأكبر مع 175 مقعداً، أي أكثر من نصف مقاعد البرلمان. ومجدداً، ليس هذا بالأمر الغريب المستبعد، ولطالما حصل بصورة تلقائية أو بتدخلاتٍ خارجية لضمان الأغلبية الشيعية، وكانت باكورة ذلك إعادة تفسير الكتلة الأكبر في انتخابات عام 2010، التي فاز فيها إياد علاوي بأغلبية طفيفة ولم يُعطَ فرصة تشكيل الحكومة، ويعني هذا التفسير ثبات العملية السياسة وغياب أي فرصة للتغيير.
وبينما حصد الكرد 58 مقعداً موزعة كما يلي: الحزب الديمقراطي الكردستاني 27 مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني 18 مقعداً، والموقف خمسة مقاعد، والاتحاد الإسلامي الكردستاني أربعة مقاعد، والجيل الجديد ثلاثة مقاعد، وجماعة العدل حصدت مقعداً واحداً، إلا أن لهذه الكتل بعض الاختلافات في قضايا تفصيلية، وبعضها مقرّب من الكتل الشيعية، كما أن للحزب الديمقراطي الكردستاني هيمنة على بعض مقاعد الكوتا التابعة للإيزيديين والمسيحيين والكرد الفيليين، وللاتحاد الوطني مقعدٌ في بغداد ضمن ائتلاف الإعمار والتنمية. ولا تعكس هذه المقاعد تجانساً عرقياً، حيث إن نائبَين عربيَّين يمثلان الحزب الديمقراطي الكردستاني في نينوى. بالمثل، هناك نوّاب سُنة ضمن قوائم السوداني في عددٍ من المحافظات، كما فازت النائبة زينب خزعل التميمي عن قائمة تصميم لأسعد العيداني في البصرة، وهي مدعومة من تحالف تقدّم.
قد يعكس هذا التغيير تطوراً إيجابياً تتلاشى فيه القدرة على وسم بعض التحالفات بسمة طائفية خالصة، لكنّها تظهر تعاوناً بين الكتل يمكّنهم من كسب أصوات أقليات عددية سيغيب تمثيلها في بعض المحافظات فيما لو ترشّحت في قوائم منفصلة، لكن مثل هذه التحالفات هشّة وتؤثر بقوة على تماسك الكتل وديمومتها، وقد يصعّب هذا من المفاوضات اللازمة لانتخاب رئيس الوزراء.
آلية الانتخابات والمال السياسي
في هذه الدورة، شهد الشارع جدلاً متصاعداً حول دقّة قانون سانت ليغو في احتساب الأصوات، ودوره في هيمنة الأحزاب الكبرى واستبعاد الكتل الأصغر والأحزاب الناشئة والمرشحين المستقلين. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي نقاشات حول العدد الكلي لأصوات الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي تجاوز المليون صوت، وحصوله على 26 مقعداً، أي ما يقل عن عدد مقاعد صادقون، التابعة لحركة العصائب، رغم أن العدد الكلّي لأصواتهم يقل عن المليون بكثير، ويعود ذلك إلى إغفال حقيقة انتخابية مهمة وهي أن المقاعد تُحتَسَب بناءً على عدد سكان المحافظة لا على عدد ونسبة من شارك في الانتخابات.
ولا يزال المال السياسي اللاعب الأبرز في الفوز، فضلاً عن التحالفات العشائرية والمناطقية ووعود التوظيف وتقديم الخدمات. وأفاد عددٌ من موظفي وأساتذة الجامعات الخاصة في العراق عن توزيع تعهدات على الموظفين بضمان منح المستثمر أو ابنه عدداً من الأصوات وإلا سيتعرّضون للعقوبات وربما الفصل. ورغم صعوبة تطبيق مثل تلك التهديدات إلا أن العديد من الموظفين أكّدوا وقوعها، ناهيك عن بيع الأصوات والبطاقات الانتخابية لقاء الأموال أو توزيع أرصدة الهاتف قرب المراكز الانتخابية. في بعض المناطق الحدودية في ديالى، تعرّض بعض الأهالي لتهديدات أحزاب لها أذرع ميليشياوية لضمان تصويت الأهالي لهم، وإلا سيُحرمون من عملهم في النقل التجاري مع إيران، كما ترشّح آخرون في العوجة (إحدى مناطق تكريت مركز محافظة صلاح الدين) مع كتلٍ شيعية على أمل السماح لهم بالعودة إلى أراضيهم.
وفي المناطق المتنازع عليها، رُصدت تحالفات عربية ضمن قوائم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بسبب ضغوطٍ مورسَت على الفلاّحين والسكّان. ولهذا السبب حصدَ الحزب الكردي خمسة مقاعد في نينوى، وحلّ أولاً في تلك المحافظة ذات الغالبية العربية، وكان من بين الفائزين الخمسة اثنان من العرب. تثير مثل هذه النتائج تساؤلات، على الرغم من أن الحزب الكردي يعدّ خاسراً في نينوى في هذه الدورة، بعد أن حصد تسعة مقاعد في انتخابات 2021.

ولم تكُن مقاعد الكوتا بعيدة عن هيمنة الأحزاب الكبرى، حيث يرى العديد من المسيحيين أن الحزب الديمقراطي الكردستاني سيطر على ثلاثة من مقاعدهم، فيما سيطرت الأحزاب الشيعية على المقعدين المتبقيّين، وذلك من خلال تصويت الأكراد والشيعة لمرّشحين مسيحيين مقرّبين من أحزابهم، وكذلك الحال مع سيطرة الأحزاب الكردية على مقاعد الإيزيديين فيما عدا قائمة “القضية الإيزيدية” المستقلة التي حصدت مقعداً، وكادت أن تحصد مقعدين خارج الكوتا.
وتندّر الكثير من المسيحيين على كون مجموع الأصوات التي أحرزها مرشّحون مسيحيون يفوق عددهم في العراق، حيث لم يتبقَ في العراق أكثر من 100 ألف مسيحي. وساهم حرمان المغتربين من التصويت في تقليل فرص المسيحيين في انتخاب ممثليهم الحقيقيين.
خسارة القوى المدنية
ومن أبرز الخاسرين في هذه الدورة هي الأحزاب المدنية، حيث لم تحصد قائمتا “البديل” و”التحالف المدني الديمقراطي”، التي رشّح تحت مظلتهما معظم القوى المدنية والحزب الشيوعي العراقي، أي مقعدٍ نيابي.
يعود ذلك جزئياً إلى العودة لقانون سانت ليغو الذي يضاعف فرص الأحزاب الكبيرة ويقطع الطريق على القوى الناشئة والصغيرة، فضلاً عن عزوف القوى العلمانية عن التصويت لهذه الأحزاب، بسبب خيبة أملهم في العديد من النوّاب الذين انبثقوا عن تظاهرات تشرين 2019، بعد انضمام العديد منهم إلى القوى الكبرى التي زعموا محاربتها، وتركيز عددٍ آخر منهم على تحقيق المكاسب الشخصية.
اعتبر البعض هذه الخسارة دليلاً على حرية الناخبين العلمانيين ومعاقبتهم لمن خذلهم، بخلاف جمهور الأحزاب الهوياتية الأكبر. فضلاً عن فقدان ثقة المواطنين في كتلٍ صغيرة منعدمة التأثير، فقد مُرّر قانون الأحوال الشخصية الجعفري في الدورة السابقة التي ضمّت الكثير من نوّاب تظاهرات تشرين ولم يفلحوا في وقف ذلك.
التغيرات الإقليمية ترجّح كفّة البراغماتية
قد يمثّل الصعود المتواصل لكتل مقربة من إيران، بما فيها كتلة صادقون، الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، خطراً يهدّد علاقة العراق بالولايات المتحدة، ولا سيما في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلّا أن هذه الجهات تحاول اتباع خطابٍ أكثر براغماتية، بسبب التغيرات الإقليمية في المنطقة -مع سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع نفوذ إيران في لبنان- بل حتى إطلاق الحريات العامة في إيران نفسها، في محاولة لامتصاص النقمة الداخلية مع تضييق الخناق الاقتصادي والتهديدات المستمرة بجولة ثانية من الحرب مع إسرائيل.
تشهد المنطقة اليوم تدجيناً للقوى الإسلامية وتغيّراً في خطاباتها، وقد تحوّلت تيارات جهادية إلى حلفاء للولايات المتحدة، وقد يجبر هذا جميع الإسلاميين على التنازل من أجل البقاء، رغم أن التنازلات التامة والانصهار في المعسكر الآخر يعني ضمنياً الهزيمة الواضحة لما مثّلته تلك الجماعات من أهداف ورؤى بنت عليها شعبيتها في أوساط محافظة.
مميّزات الانتخابات العراقية
في العموم، لا تعكس الانتخابات العراقية حقيقة الشارع ولا النسب الديموغرافية بسبب العزوف الكبير عن التصويت، رغم تراجعه هذه المرّة في بعض المحافظات، فضلاً عن حرمان المغتربين من التصويت.
وضمن المحافظات، قد يصعد مرشّح بعددٍ أقل من الناخبين بفضل كتلته، فيما يُستثنى مرشّحٌ آخر صوّت له عددٌ أكبر بسبب وجود مرشحين آخرين أعلى أصواتاً ضمن قائمته القوية، وكذلك الحال مع الكوتا النسائية التي يمكن أن تزيح رجلاً حاز عدداً أكبر من الأصوات لصالح زميلته التي تقلّ عنه في عدد الأصوات ضمن الكتلة ذاتها. وبالطبع، بعد فرز القوائم الفائزة، تضيع الآلاف من الأصوات المبعثرة بسبب كثرة المرشّحين، والعشرات منهم لم يحصدوا سوى صوتين أو صوتٍ وحيد.

وبسبب تصويت الآلاف من الشيعة والأكراد لمرشحين يتنافسون على كوتا المكونات الدينية والعرقية يُسرق التمثيل الحقيقي للأقليات ويفرز أصواتاً أخرى. ومع وجود السلاح والامتيازات الحزبية والارتباطات العشائرية تبدو الانتخابات العراقية خليطاً غريباً من المكونات الرجعية (الطائفية والعشائرية والقومية) والنفعية الخدمية في إطارٍ “ديمقراطي”، لكنّ الكلمة الفصل تبقى رهينة التحالفات والتسويات والضغوطات الخارجية.
ويساهم غياب مفهوم المعارضة، بفعل الحكومات التشاركية، في تقليل الرقابة – الدور الأهم إلى جانب التشريع لأي برلمان – وتقاسم أدوار الفساد وسط صمت الجميع.
تساهم هذه العوامل مجتمعة في تقليل شعور الناخب بفاعليته وقدرته على التغيير، ففي النهاية ما تقوله النتائج شيء وما تمثّله هوية الزعامات شيء آخر، وقد يكون هذا من عوامل تزعزع الثقة بأهمية الانتخابات، على الرغم من ارتفاع نسب المشاركين فيها.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.