من معاهدة 1926 إلى بروتوكول 2025: كيف يتنازل العراق لتركيا في قضية دجلة والفرات؟
18 تشرين الثاني 2025
هذا المقال يستعرض كيف تحوّل ملف المياه بين العراق وتركيا إلى معادلة نفوذ معقّدة، تكشف تداخل القانون والسياسة والمناخ، ويفكك جذور الأزمة حتى بروتوكول 2025، حيث يتصاعد نفوذ أنقرة وتتراجع قدرة بغداد.. لكن خلف كل ذلك يلوح سؤال أكبر: إلى أين يتجه مستقبل دجلة والفرات؟
في الثاني من تشرين الثاني، وبينما كان العراقيون منغمسين في أخبار انتخاباتهم البرلمانية، وفضاؤهم العام يختنق بلوحات الدعاية والخطابات الانتخابية، أعلنت حكومتا بغداد وأنقرة توقيع بروتوكول بعنوان “وثيقة آلية تمويل مشاريع التعاون المائي بين جمهورية العراق وجمهورية تركيا”، الذي يشمل تطوير مشاريع مائية مشتركة داخل العراق تهدف إلى تحسين جودة المياه، وتقليص التلوث، وتطوير تقنيات الري، وتأهيل الأراضي الزراعية، وتعزيز الحوكمة، وإدارة الموارد المائية بشكل عقلاني. ولم يحظَ البروتوكول حين وُقّع بالاهتمام، لكنّه، ولأنّ ملف المياه بالغ الأهمية والتعقيد، مهم بما يكفي لفحصه وتأمّل هذه العلاقة الغارقة بالتعقيد.
أصبحت أزمة المياه بين العراق وتركيا واحدة من أهم ميادين الصراع والنفوذ بين البلدين، فتركيا التي ينبع من أراضيها نهرا دجلة والفرات لم تعد تتعامل مع المياه كقضية بيئية أو تنموية فقط، بل تحولت هذه القضية إلى ورقة ضغط أمني وسياسي واقتصادي مؤثرة. في المقابل، لم يتمكن العراق من بناء سياسة مائية متكاملة تحمي مصالحه، ما جعله في موقع المتأثر أكثر من الفاعل؛ إذ لم يوظف العراق أدواته السياسية والاقتصادية للرد على هذا الضغط، وكان يدخل المفاوضات دائماً من موقع الضعف بسبب تشتت القرار بين المؤسسات، وضعف الإدارة المائية، وعدم وجود استراتيجية واضحة للترشيد والحصاد والتحلية. كما أن غياب التحرك الدبلوماسي الفعّال للمنظمات الدولية ساهم في استمرار السياسة التركية دون رادع أو ضغط دولي حقيقي. عموماً تستند تركيا في سياستها المائية إلى مقاربة براغماتية قائمة على استثمار موقعها الجغرافي لتحقيق مكاسب استراتيجية، مستخدمة المياه أداة تفاوض وتأثير تتجاوز البعد الفني إلى مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة.

مدخل لصفحات مشكلة المياه بين العراق وتركيا
تحولت المياه بين العراق وتركيا إلى واحدة من أعقد الملفات العالقة تاريخياً بين البلدين، حيث لم يتوصل البلدان إلى صيغة اتفاق مستقرة قادرة على تنظيم شكل العلاقة بين البلدين في هذا الملف، لتثبيت سياسة مائية مستقرة تحل هذه المشكلة، ويعود ذلك إلى مجموعة نقاط أساسية:
- عدم وجود إطار قانوني واضح يلزم تركيا بتحديد حصص الإطلاقات المائية اتجاه العراق، حيث لم يستطع العراق طوال السنوات السابقة فرض اتفاق مائي واضح يضع حداً لأزمته المائية.
- عدم اعتراف تركيا بأن نهرَي دجلة والفرات هما نهران دوليان، بل تعتبرهما نهرَين داخليين عابرَين للحدود، فتركيا هنا تخرج نفسها من أي التزام قانوني دولي.
- وجود أزمة تصحر مائية عالمية، وتحولات مناخية كبيرة ناتجة عن الهدر الكبير في المياه العذبة، وارتفاع درجات الحرارة، وتحولات مناخية كبرى.
- فشل العراق في تطوير سياسة مائية داخلية تشمل ترشيد المياه وحصادها، وإقامة مشاريع تحلية وتنقية وإرواء علمية طوال السنوات السابقة.
- استخدام تركيا ورقة المياه ضد العراق كورقة سياسية-اقتصادية-أمنية، رغم أن العراق يمتلك أوراق ضغط كثيرة لم يستطع استخدامها ضد تركيا طوال السنوات السابقة.
- غياب آلية دائمة للتنسيق والإدارة المشتركة للمياه بين العراق وتركيا، فالمفاوضات عادةً مؤقتة أو رد فعل لأزمات آنية، ولا تستند إلى مؤسسات ثنائية مستقرة تتابع التشغيل اليومي للسدود وتراقب التصريف المائي بشكل دوري.
- العجز الفني والتقني في إدارة الموارد المائية داخل العراق، فالمؤسسات المعنية ما تزال تعتمد على بيانات متقطعة ومحدودة، دون وجود نظام وطني موحد للرصد الهيدرولوجي أو الإنذار المبكر، ما يجعل العراق غير قادر على التفاوض استناداً إلى أرقام دقيقة أو محاكاة علمية لتأثيرات السدود التركية.
الإطار القانوني – التاريخي المنظم للعلاقة المائية
تعود العلاقات الحديثة بين المملكة العراقية ودولة تركيا إلى عام 1926، حين وقّع الطرفان معاهدة أنقرة في ذلك العام، التي تناولت تحديد الحدود بين تركيا والعراق في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تتطرق إلى تنظيم تفصيلي لمسائل المياه العابرة للحدود، وهي قد ساهمت في استقرار العلاقات الجيوسياسية، لكنها لم تنشئ آليات إشعار أو تبادل بيانات أو تحديد حصص مائية، ما يجعلها إطاراً سياسياً منقوصاً من أي ملامح لاتفاقية مائية تنفيذية.

ثم جاء في 29 آذار 1946 توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا، التي تضمّن أحد ملحقاتها البروتوكول رقم 1، الذي يمثل أول إطار قانوني لبداية العلاقات المائية المشتركة بين البلدين، حيث نظّم البروتوكول شكل العلاقة حول مياه دجلة والفرات وروافدهما. هذا البروتوكول هو أول نص ثنائي يضع التزاماً قانونياً بالاستشارة والإشعار قبل تنفيذ أي مشروع تخزين أو تغيير كبير في منبع المياه داخل تركيا. لكنه لم يُحدد حصصاً مائية أو جداول تنفيذية ملزمة، ولم يُنشئ آليات تحكيم أو رقابة مستقلة، لذلك بالرغم من أهميته التشريعية ظل تأثيره العملي محدوداً أمام التوسع التركي في بناء السدود، وهذا واحد من أهم العيوب في هذا الاتفاق.
عام 1971 بدأت الصراعات المائية تظهر مع بدء تركيا بملء سد كيبان على نهر الفرات، حيث دخلت الأزمة المائية مرحلة حساسة دفعت العراق وسورية إلى المطالبة بمفاوضات ثلاثية مع تركيا. ونتيجة لذلك التأمت عام 1978 اللجنة الفنية الثلاثية المشتركة بين العراق وسورية وتركيا، لتبادل البيانات وتنظيم تدفقات الفرات وتنسيق المشاريع. ورغم كونها مؤسسة تفاوضية مهمة، إلا أن أعمالها بقيت فنية واستشارية دون قوة إلزام قانوني، إذ لم يصدر عنها أيّ بروتوكول محدّد للحصص أو نسب التصريف.
وما بين عامي 1980 و1982 شهد البلدان محاولات لتفعيل أعمال هذه اللجنة الفنية، خصوصاً بعد افتتاح سد أتاتورك التركي الذي غيّر معادلات التدفق المائي، وصدرت حينها مذكرات تفاهم إجرائية تتعلق بإخطار العراق قبل ملء السدود، لكن تركيا التزمت بها من منطلق “حسن النيّة” وليس استناداً إلى اتفاق قانوني دائم. ورغم أن هذه اللجنة تمثل ترسيخاً إدارياً للتعاون إلّا أنها ليست اتفاقية دولية ملزمة، وعملت بتقطّع طويل وتحولت إلى إجراء فني أكثر من كونها التزاماً قانونياً. كما أن غياب النصوص الكمية أو التنفيذية الواضحة قلل من قدرتها على ضبط التدفق أو منع الضرر.
في عام 2009 تم توقيع مذكرة تفاهم أولى في مجال المياه بين العراق وتركيا، ركزت على تبادل بيانات القياسات والمناخ، وتعزيز التعاون الفني. لكن طبيعتها كانت إدارية ومنفتحة على التطبيق التطوعي، ولم تُضف حصصاً مضمنة أو آليات تنفيذيّة صارمة، نتيجة لذلك حققت بعض التعاون التقني بالإضافة إلى تجديد محطات قياس، لكنّها لم تغيّر بصورة جذرية واقعاً تدفقياً أو حصصياً. خلال العقد الثاني من الألفية وُقّعت مذكرات تفاهم إضافية، ركزت أكثر على مشاريع تطبيقية مثل معالجة المياه أو تحسين بنية المحطات، لكنّها بقيت دون أن ترسم التزاماً قانونياً واضحاً بكمية المياه أو الحد الأدنى للسريان، مما يجعلها أداة تعاون فني وليست اتفاقاً يمكن للعراق الاتكاء عليه في مطالبته بحصة مائية ثابتة.
في 22 نيسان 2024 أُطلِق إطارُ التعاون المائي بين العراق وتركيا، الذي تلاه في عام 2025 نشر وثائق “الميكانيزم” التنفيذي والتمويل لمشاريع مشتركة. هذا الإطار يمثل تحولاً نحو تنفيذ الالتزامات بدلاً من النصوص الإطارية فقط، إذ تضمن تعاوناً في حصاد المياه، والمعالجة، وتبادل البيانات، وإنشاء لجان إشرافية مشتركة، وربط المشاريع بمصادر تمويل. بهذا يختلف جذرياً عن المذكرات السابقة في كونه يمثل خطوة نحو قانون تنفيذ فعلي وليس مجرد اتفاق تعاون. ومع ذلك، يبقى التحدي في ضمان شفافية البيانات وتحديد جداول تدفق ملزمة وإدراج آليات تحكيم أو رقابة مستقلة.
أخيراً، وفي الثاني من تشرين الثاني 2025، وقّعت الحكومة العراقية والحكومة التركية بروتوكولاً بعنوان “وثيقة آلية تمويل مشاريع التعاون المائي بين جمهورية العراق وجمهورية تركيا”، متضمّناً تطوير مشاريع مائية مشتركة داخل العراق، تهدف إلى تحسين جودة المياه، وتقليص التلوث، وتطوير تقنيات الري، وتأهيل الأراضي الزراعية، وتعزيز الحوكمة، وإدارة الموارد المائية بشكل عقلاني.
هذا الاتفاق شمل عملية ربط النفط بتمويل المشروع للحصول على مشاريع في قطاع المياه. بمعنى آخر، تمويل هذه مشاريع سيتم ربطه بإيرادات تصدير النفط العراقي إلى تركيا. تركيا ستوفر شركات تركية للتنفيذ، والعراق سيوفر دعماً من خلال عائدات النفط. يشمل هذا الاتفاق بناء ثلاثة سدود صغيرة لجمع مياه الأمطار أو الحصاد المائي، وثلاثة مشاريع لاستصلاح الأراضي الزراعية، فضلاً عن الحق في الحصول على المعلومات والتخطيط المشترك لتصميم سياسة مائية تخدم البلدين. الاتفاق سيكون ساري المفعول طوال مدة الاتفاق الإطاري بين البلدين، مما يعطيه أفقاً متعدد السنوات، فهو ليس مجرد مبادرة مؤقتة. هذا الاتفاق يعدّ أول وثيقة تنفيذية صريحة في العلاقات المائية العراقية-التركية تُعلن كمشروع مشترك بمكون مالي وتنفيذي وليس مجرد مذكرة تعاون. ما لم يحدَّد حتى الآن بوضوح هو عدم وجود معلومات رسمية تفصيلية حتى الآن عن حصص كمية مضمنة، أو عن ضمانات للتدفقات السنوية من الموارد المائية العابرة بين البلدين، وهذا ما يزال ثغرة من زوايا قانونية.
بشكل عام، يمكن القول إن العلاقة القانونية المائية بين العراق وتركيا بدأت بإطار عام 1926، ثم انتقلت إلى اتفاق ثنائي محدود عام 1946 وضع مبدأ الاستشارة والإشعار، ثم تحولت إلى آليات فنية غير ملزمة (اللجنة الفنية، ومذكرات التفاهم)، وأخيراً وصلت إلى إطار تنفيذ عملي ومشاريع مشتركة في 2024-2025. إلا أن الثغرات – خصوصاً بغياب حصص مائية واضحة وآليات تنفيذية ملزمة – لا تزال قائمة، مما يشير إلى أن التقدم القانوني يجب أن يُترجم فعلياً إلى قدرات تشغيلية وإدارية قوية، لكسر الركود التاريخي في ملف المياه.
إنكار الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات
منذ سبعينيات القرن الماضي تتبنى تركيا موقفاً قانونياً ثابتاً يقوم على إنكار الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات، حيث تصر تركيا على اعتبار النهرين من “الأنهار العابرة للحدود” وليسا من الأنهار الدولية، هذا التوصيف ليس لفظياً فحسب تستخدمه تركيا لغرض الضغط، بقدر ما هو توصيف يحمل في طياته تبريراً لسلوك ميداني على الأرض، يتضح من خلال السياسات المائية المباشرة، ويحمل دلالات قانونية عميقة تسمح لتركيا بتجاهل معظم الالتزامات الدولية المعروفة في قانون المياه الدولي.

الفرق الجوهري بين المفهومين أن “النهر الدولي” يخضع لقواعد ومبادئ القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، التي تفرض التزامات على دول المنبع والمصب، مثل مبدأ “الاستعمال المنصف والمعقول”، ومبدأ “عدم التسبب بضرر جسيم”، وواجب الإخطار المسبق قبل تنفيذ أي مشروع يؤثر في تدفقات المياه أو نوعيتها. أما “النهر العابر للحدود” كما تصفه تركيا، فهو نهر ينشأ داخل أراضيها ويمتد إلى حدود دولة أخرى دون أن يكون ملكية مشتركة، وبالتالي تعتبر تركيا أن لها الحق السيادي الكامل في إدارة وتوزيع مياهه داخل أراضيها بما يتوافق مع مصالحها التنموية والاقتصادية، دون إلزام قانوني بإشراك الدول المجاورة في القرار. بهذا الموقف، تُخرج تركيا نفسها عملياً من مظلة القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة، وتؤسس لعقيدة قانونية تُعرف في أدبياتها بـ “مبدأ السيادة الإقليمية المطلقة على الموارد المائية”، وهو مبدأ رفضته معظم الدول في القانون الدولي الحديث، إذ يتعارض مع مبادئ التوازن والعدالة المائية.
ولتبرير هذا الموقف تاريخياً، استندت تركيا إلى ثلاثة مرتكزات:
- إن نحو 90 بالمئة من مياه الفرات و50 بالمئة من مياه دجلة تنبع من أراضيها، وبالتالي فإن الجزء الأعظم من النهرين هو “تركي الأصل”.
- إن العراق وسورية لم يوقّعا معها اتفاقاً قانونياً ملزماً لتقاسم المياه بعد 1946، ما يجعل الوضع القانوني مفتوحاً أمام التفسير التركي.
- إن القواعد الدولية، مثل اتفاقية 1997، لا تنطبق بأثر رجعي على الدول غير المنضمة إليها، وتركيا ليست طرفاً موقعاً عليها.
نتيجة لهذا الموقف، تتحكم تركيا بشكل أحادي في بناء وتشغيل السدود الكبرى، مثل سد أتاتورك على الفرات، وسدّ إليسو على دجلة، وكل مشروع الكاب، دون التنسيق الملزم مع بغداد، مكتفية بإشعارات سياسية أو تفاهمات فنية غير ملزمة، وهذا مكّنها من استخدام المياه كأداة تفاوض وضغط سياسي في ملفات التجارة، والطاقة، والأمن الحدودي. بالتالي، فإن عدم الاعتراف التركي بدولية دجلة والفرات لا يمثل خلافاً قانونياً اصطلاحياً فقط، بقدر ما هو أساس استراتيجي يتيح لتركيا ممارسة سياسات مائية أحادية خارج الرقابة القانونية الدولية، ويضع العراق في وضع تفاوضي هش لا يستند إلى التزامات متبادلة أو ضمانات قانونية يمكن الاحتكام إليها أمام المحاكم أو المنظمات الدولية.
الإطار المناخي والتحولات البيئية لشرعنة السياسة المائية الضاغطة
منذ عقدين، تعمل تركيا على تسويق خطاب بيئي ممنهج يربط سياساتها المائية بمفاهيم مكافحة التصحر والتغير المناخي العالمي، في محاولة لتأطير مشاريعها على نهري دجلة والفرات ضمن إطار “التنمية المستدامة”. حيث تقدم تركيا نفسها على المستوى الخارجي كدولة رائدة في إدارة الموارد المائية في ظل التصحر العالمي، وتطرح مشاريعها الضخمة، مثل مشروع الكاب، بوصفها استجابة علمية للتقلبات المناخية، ووسيلة لتقليل الهدر المائي وتحسين الإنتاج الزراعي. غير أن هذا الخطاب البيئي، وعلى الرغم من مظهره الإيجابي العام، إلّا أنّه يحمل ضرراً كبيراً في تفاصيله تجاه العراق، وأغلب المشاريع التي تقوم بها تركيا تُستخدم لأغراض التوظيف والضغط السياسي والأمني والاقتصادي على العراق، إذ تستغل تركيا مفهوم التصحر العالمي لتبرير تقليص الإطلاقات المائية نحو العراق وسورية، متذرعة بالحاجة الداخلية إلى مواجهة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وبهذا استطاعت تركيا تحويل سياساتها المائية وضغطها على العراق وسورية إلى سياسات دولية، من خلال تغليفها بفكرة المشاريع المناخية ومكافحة التصحر، حيث استطاعت تركيا تحويل قضية المناخ إلى غطاء استراتيجي تستخدمه لإدامة سيطرتها على منابع المياه، وتغيير طبيعة الأنهار المشتركة من “أنهار دولية” إلى “أنهار عابرة للحدود”، وهو توصيف يتيح لها الإفلات من أي التزام قانوني دولي في توزيع الحصص المائية. وفي المقابل، يؤدي هذا النهج إلى إعادة إنتاج أزمة مائية مزمنة في العراق، إذ يتم تحويل التصحر من ظاهرة بيئية إلى أداة سياسية تمكّن تركيا من فرض معادلات نفوذ إقليمي جديدة، من خلال التحكم بمورد مائي حيوي يمثل عصب الأمن الاقتصادي والاجتماعي العراقي.
الفشل الداخلي

على الرغم من كل هذه السياسات التركية التطويقية الضاغطة على العراق، إلّا أن بلاد الرافدين تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في فشل تطوير سياسة مائية عملية تتفق مع حجم التحديات العالمية والزيادة السكانية المتصاعدة، حيث لا يمكن إلقاء اللوم على تركيا وحدها، على الرغم من أنها صاحبة الدور الأكبر، بقدر ما يجب تشخيص الخلل الكبير الموجود في العراق. حيث تُعَدُّ الأزمة المائية في العراق انعكاساً مباشراً لاختلالات هيكلية في إدارة الموارد، ناتجة من اختلالات هيكلية في مشروع بناء الدولة نفسه! فضلاً عن ضعف الحوكمة المائية في العراق وغياب الرؤية الوطنية طويلة المدى. فعلى مدى العقود الماضية، تعاملت الحكومات العراقية مع ملف المياه بوصفه ملفاً خدمياً فقط، دون إيلاء أهمية استراتيجية كبرى لهذا الملف الذي يدخل في صلب الأمن القومي العراقي، مما أفقده البعد الأمني والاقتصادي والبيئي الذي تمثّله الموارد المائية. ومع تصاعد الضغوط التركية والإيرانية وتغيّر المناخ، أصبح هذا الفشل الداخلي عاملاً مضاعفاً للأزمة الخارجية، حيث تراجع مستوى الكفاءة المائية، وتزايد الهدر، وتقلّصت القدرة على التفاوض الخارجي، ولعلّنا نستطيع أن نقف بشكل مباشر على الخلل العراقي من خلال النقاط الاتية:
- غياب استراتيجية وطنية شاملة للمياه: لا يمتلك العراق حتى الآن إطاراً استراتيجياً متكاملاً يربط بين الموارد السطحية والجوفية، ويحدد بدقة أولويات الاستخدام وتوزيع الحصص القطاعية. فالإدارة المائية ما زالت تعتمد على خطط جزئية قصيرة الأمد، لا تستند إلى قواعد بيانات علمية أو نظم مراقبة حديثة، مما يجعل القرارات ارتجالية وغير مبنية على تحليل علمي للموارد المتاحة أو المتغيّرة.
- ضعف البنية التحتية المائية: أغلب مشاريع السدود والخزانات وشبكات الرّي في العراق أُنشئت قبل عقود، وتعاني اليوم من التهالك والتسرّبات وفقدان كميات كبيرة من المياه أثناء النقل والتوزيع. كما أن غياب الصيانة الدورية، وضعف الإنفاق الاستثماري على تحديث المنشآت المائية، جعلا العراق غير قادر على تخزين أو استثمار كميات المياه التي يحصل عليها فعلياً.
- فشل برامج حصاد المياه: رغم أن العراق يمتلك تضاريس متنوعة في الشمال والغرب تتيح فرصاً واسعة لحصاد مياه الأمطار والسيول، إلّا أن غياب التخطيط العلمي حال دون إنشاء مشاريع فعالة لتجميع المياه الموسمية. كما أن عدم ربط هذه المشاريع ببرامج إدارة الجفاف جعلها محدودة الأثر في مواجهة شح المياه السنوي.
- غياب مشاريع تحلية المياه في الجنوب: تعاني المحافظات الجنوبية، خصوصاً البصرة، من ملوحة شديدة في مصادر المياه، بسبب تراجع الإطلاقات من دجلة والفرات وزحف اللسان الملحي من الخليج. ورغم توفر التقنيات الحديثة لتحلية المياه وتوفير بعض مشاريع التحلية في البصرة مؤخراً، إلّا أنّ شحة كبيرة في المياه العذبة يعاني منها المواطن البصري حتى الآن، حيث لم يتم تبني مشروع وطني متكامل لمعالجة هذه المشكلة، مما أدى إلى اعتماد السكان على مصادر مائية ملوثة وغير صالحة للشرب أو الزراعة.
- ضعف برامج ترشيد الاستهلاك المائي: يستهلك القطاع الزراعي أكثر من 70 بالمئة من المياه في العراق بأساليب بدائية تعتمد على الري بالغمر أو الري السيحي، دون وجود سياسات إلزامية لتقليل الهدر. كما أن غياب ثقافة الترشيد لدى المواطنين، وضعف دور الإعلام والمؤسسات التعليمية، أسهما في استمرار أنماط الاستهلاك غير المستدامة.
- سوء التنسيق المؤسسي: تتوزع صلاحيات إدارة المياه بين وزارات الزراعة والموارد المائية والبيئة والبلديات، دون وجود آلية تنسيق فعالة أو جهة مركزية مسؤولة عن وضع السياسات الموحدة. هذا التشتت المؤسسي أدى إلى تضارب القرارات وإهدار الموارد المالية، فضلاً عن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة لرصد الموارد المائية وتغيراتها.
- استمرار الاعتماد على أساليب الري التقليدية: تفتقر الزراعة العراقية إلى التحديث التكنولوجي، إذ لا تزال تعتمد على طرق ريٍّ تستهلك كميات ضخمة من المياه مقارنة بالعائد الزراعي. إنّ عدم إدخال أنظمة الري الحديثة، كالري بالتنقيط أو الرش، جعل العراق من أكثر الدول هدراً للمياه مقارنة بمواردها المحدودة.
- غياب التشريعات المحدثة والرقابة القانونية: القوانين المائية في العراق قديمة ولا تواكب حجم التحديات الحالية، فلا توجد تشريعات فعّالة لتنظيم استخدام المياه الجوفية أو فرض معايير استدامة على القطاعات المستهلكة، كما أن ضعف الرقابة القانونية أدى إلى الاستخدام العشوائي للمياه في الزراعة والصناعة.
- تحول السياسة المائية إلى ردّ فعل للأزمات الخارجية: بدلاً من تبني سياسة مائية استباقية قائمة على القوة الداخلية والتخطيط العلمي. لقد ظلّت الحكومة العراقية تتعامل مع الأزمات الإقليمية كرد فعل، دون أدوات تفاوضية مبنية على بيانات دقيقة أو نفوذ فني واقتصادي، وبذلك فقد العراق القدرة على صياغة موقف تفاوضي متماسك أمام تركيا وإيران، لتتحول أزمته من قضية سيادة مائية إلى أزمة إدارة داخلية.
التوظيف الأمني والاقتصادي والسياسي لملف المياه
من الواضح أن قضية المياه بين العراق وتركيا بدأت تتحوّل من كونها قضية فنية بين لجان متخصصة إلى قضية استراتيجية أكبر، تتعلق بالأمن والاقتصاد وبالسياسة الخارجية بشكل عام، حيث تحوّلت قضية المياه بين العراق وتركيا من نزاع فنّي حول الحصص المائية إلى ملف استراتيجي متعدد الأبعاد، تستخدمه تركيا كأداة نفوذ إقليمي تمزج بين الاعتبارات البيئية والسياسية والأمنية والاقتصادية لتحقق أهدافها، وهذا أمر مشروع وطبيعي في العلاقات الدولية، فبينما تقدم تركيا مشاريعها المائية الكبرى، مثل مشروع الكاب، وسد إليسو، كجزء من خططها التنموية لمكافحة التصحر والتغير المناخي، فإنها في الواقع تمارس من خلالها سياسة منهجية للسيطرة على منابع نهري دجلة والفرات، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، ويظهر هذا التوظيف في ثلاثة محاور أساسية: الأمني، والسياسي، والاقتصادي، والتي تُبِرز جميعُها كيف تحوّلت المياه إلى أداة ضغط مركبة تجاه العراق على النحو الآتي:
أولاً البعد الأمني والسياسي: تتعامل تركيا مع إدارة المياه بوصفها امتداداً لأمنها القومي، إذ تمنحُها مشاريع السدود والخزن العملاقة قدرة عملية على التحكم في التدفقات المائية وفي حركة الحدود الجنوبية، ومن خلال هذا التحكم تملك تركيا وسيلة ضغط أمني غير تقليدية على العراق، تتيح لها فرض شروط تتعلق بمكافحة حزب العمال الكردستاني وتبادل المعلومات الأمنية، كما نجحت تركيا في تحويل ملف المياه إلى ورقة تفاوض سياسي، من خلال التذرع بمفاهيم التصحر العالمي وتغير المناخ لتبرير سياساتها المائية، مقدمة نفسها كدولة مسؤولة تسعى لتحقيق “التنمية المستدامة”.
ثانياً البعد الاقتصادي: باستخدام المياه كورقة نفوذ، تحوّلت السياسة المائية التركية إلى عنصر مؤثر في بنية العلاقات الاقتصادية مع العراق، فأنقرة توظّف المياه كجزء من حزمة نفوذ اقتصادي، تربط من خلالها ملفات الري والزراعة بمشاريع التجارة والطاقة والنقل والاستثمار داخل العراق. ويُعدُّ التحكُّم بالإطلاقات المائية وسيلة ضمن استراتيجية أوسع لتعظيم الاعتماد التجاري العراقي على المنتجات والخدمات التركية، إذ يصل حجم التبادل إلى نحو عشرين مليار دولار سنوياً، ما يجعل أي تصعيد عراقي في الملف المائي محفوفاً بتبعات اقتصادية خطيرة. كذلك تستخدم تركيا عروضها لتنفيذ مشاريع مائية داخل العراق كوسيلة لتكريس حضور شركاتها وإدامة التبعية الفنية والإدارية، بحيث يبقى العراق بحاجة مستمرة إلى الدعم التركي، حتى في مشاريع تخفيف أزمته المائية التي يقع على تركيا الذنب الأكبر في تفاقمها، وهكذا يصبح ملف المياه محوراً في معادلة القوة الاقتصادية التي تميل لصالح تركيا بسبب فشل السياسة المائية العراقية.
ثالثاً الفشل العراقي في توظيف أوراق الضغط: رغم امتلاك العراق أوراقاً متعددة يمكن أن تُستخدم لمعادلة النفوذ التركي، من بينها ورقة حزب العمال الكردستاني، وحجم التبادل التجاري، والموقع الجغرافي الحيوي، وملف الطاقة، إلّا أنه فشل في تحويلها إلى أدوات ضغط فعالة، ويعود ذلك إلى ضعف الاستراتيجية الوطنية للمياه، وتشتت المؤسسات المعنية، والافتقار إلى قاعدة بيانات دقيقة تدعم الموقف التفاوضي. كما أن الارتباط الاقتصادي الكبير بتركيا، إلى جانب الانقسامات السياسية الداخلية، جعل الموقف العراقي هشاً وغير قادر على اتخاذ مواقف حاسمة. كذلك لم يفعّل العراق المسارات القانونية الدولية، كآليات التحكيم أو اللجوء إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية لعام 1997، مكتفياً بالمذكرات الثنائية والتفاهمات السياسية التي لطالما افتقرت إلى الإلزام القانوني. هذه العوامل مجتمعة جعلت العراق متلقياً للسياسات التركية أكثر منه فاعلاً قادراً على موازنتها.

على هذا الأساس، استخدمت تركيا ملف المياه بمهارة سياسية مركّبة، تمزج بين خطاب بيئي شرعي ظاهرياً وسياسات نفوذ استراتيجية في العمق. وقد أسهمت سياساتها في تكريس واقع مائي غير متوازن جعل العراق في موقع التبعية الهيكلية في ملف يعد أساسياً لأمنه الوطني. وفي المقابل، فشل العراق في بناء منظومة مؤسسية وقانونية تمكّنه من الدفاع عن مصالحه المائية أو توظيف أدواته السياسية والاقتصادية بفاعلية. إن معالجة هذا الخلل تتطلب رؤية وطنية متكاملة تعيد تعريف المياه كأولوية أمن قومي، وتبني سياسة تفاوضية قائمة على القوة الداخلية، والاعتماد على الأطر القانونية الدولية لتثبيت حقوق العراق المائية ضمن النظام الإقليمي الجديد.
السبيل
يتضح أن أزمة المياه بين العراق وتركيا ليست فنية أو طبيعية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية، حوّلتها تركيا إلى أداة نفوذ إقليمي لتعزيز مصالحها الأمنية والاقتصادية، بينما بقي العراق في موضع رد الفعل بسبب غياب سياسة وطنية مائية واضحة. إن استمرار هذا الوضع سيعمّق اعتماد العراق على تركيا، ويزيد من هشاشته المائية والاقتصادية مستقبلاً ما لم يُعِد النظر في إدارة الملف كقضية أمن قومي شاملة، تنطلق من الرؤية المقترحة الآتية:
أولاً: المسار السياسي والدبلوماسي
- ضرورة تحويل الحوار الثنائي إلى منصة إقليمية دائمة تضم العراق وتركيا وسورية وربما إيران، لضمان توزيع منصف وتنسيق تشغيلي مشترك للأنهار.
- تدويل الملف مهنياً من خلال إشراك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، لضمان مراقبة شفافة وتخفيف الضغط السياسي الأحادي.
- تبني بروتوكول إخطار وتشغيل ملزم لأيّ عملية ملء أو تشغيل للسدود التركية، بمشاركة مراقبين دوليين فنيين.
ثانياً: المسار القانوني والمؤسسي
- اعتماد مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة 1997 كأساس تفاوضي حول الاستخدام المنصف وعدم الإضرار الجسيم.
- إعداد ملف وطني قانوني فني موثق يثبت الأضرار الاقتصادية والبيئية الناتجة عن المشاريع التركية.
- المطالبة بإدراج آلية تحكيم فني سريع ضمن أيّ اتفاق مستقبلي، لحل النزاعات التشغيلية المؤقتة.
ثالثاً: السياسات المائية الداخلية
- إصلاح هيكلي في إدارة المياه بإنشاء مجلس وطني للمياه ينسّق بين الوزارات ويحدّد أولويات التوزيع.
- تبني استراتيجية وطنية لترشيد الاستهلاك في الزراعة والصناعة، من خلال تحديث أنظمة الري والتحوّل نحو الريّ الحديث.
- مشاريع حصاد وتحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.
- تحسين كفاءة شبكات النقل والتوزيع لتقليل الهدر الذي يتجاوز 40 بالمئة في بعض المحافظات.
- إنشاء نظام وطني للرصد الهيدرولوجي يتيح بيانات آنية وشفافة عن الموارد والتدفقات لتعزيز موقف التفاوض.
رابعاً: المسار الاقتصادي والتجاري
- ربط التعاون الاقتصادي مع تركيا بضمانات مائية واضحة ضمن اتفاقات رسمية متوازنة.
- تنويع مصادر التمويل الدولية (البنك الدولي، GCF، FAO) لمشاريع المياه والطاقة المتكاملة.
- إدخال القطاع الخاص المحلي في برامج التحلية وإعادة الاستخدام لتخفيف العبء المالي على الدولة.
خامساً: المسار الأمني والاستراتيجي
- فصل ملف المياه عن الملفات الأمنية في المفاوضات الثنائية لتجنب تسييس الجانب الفني.
- بناء قنوات تعاون فني وأمني مستقلة لتقليل استخدام المياه كأداة ضغط سياسي أو عسكري.
سادساً: المسار الدولي والضغط الإقليمي
- توظيف المنابر الدولية لإبراز الآثار الإنسانية والأمنية لنقص المياه في العراق.
- إطلاق حملة علمية-إعلامية مدعومة ببيانات فنية لإقناع المجتمع الدولي بعدالة الموقف العراقي.
الاستنتاجات النهائية

- الصراع المائي بين العراق وتركيا هو صراع سياسات وإدارة لا موارد فقط.
- معالجة الأزمة تتطلب دمج المسارات الداخلية والخارجية في إطار وطني واحد للأمن المائي.
- الإصلاح الداخلي هو الشرط المسبق لأي مكسب تفاوضي خارجي.
- العراق بحاجة إلى انتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي من خلال التخطيط المؤسسي، وتفعيل الدبلوماسية المائية كأداة أمن قومي.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم
09 ديسمبر 2025
السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار
07 ديسمبر 2025
قصب إيران لبناء المضايف في أهوار العراق: كيف يهدد الجفاف "هندسة سومر"؟
04 ديسمبر 2025
"الخبز صار حسرة على الفلاح".. قصة الخسارة الموجعة في نينوى
02 ديسمبر 2025
في الثاني من تشرين الثاني، وبينما كان العراقيون منغمسين في أخبار انتخاباتهم البرلمانية، وفضاؤهم العام يختنق بلوحات الدعاية والخطابات الانتخابية، أعلنت حكومتا بغداد وأنقرة توقيع بروتوكول بعنوان “وثيقة آلية تمويل مشاريع التعاون المائي بين جمهورية العراق وجمهورية تركيا”، الذي يشمل تطوير مشاريع مائية مشتركة داخل العراق تهدف إلى تحسين جودة المياه، وتقليص التلوث، وتطوير تقنيات الري، وتأهيل الأراضي الزراعية، وتعزيز الحوكمة، وإدارة الموارد المائية بشكل عقلاني. ولم يحظَ البروتوكول حين وُقّع بالاهتمام، لكنّه، ولأنّ ملف المياه بالغ الأهمية والتعقيد، مهم بما يكفي لفحصه وتأمّل هذه العلاقة الغارقة بالتعقيد.
أصبحت أزمة المياه بين العراق وتركيا واحدة من أهم ميادين الصراع والنفوذ بين البلدين، فتركيا التي ينبع من أراضيها نهرا دجلة والفرات لم تعد تتعامل مع المياه كقضية بيئية أو تنموية فقط، بل تحولت هذه القضية إلى ورقة ضغط أمني وسياسي واقتصادي مؤثرة. في المقابل، لم يتمكن العراق من بناء سياسة مائية متكاملة تحمي مصالحه، ما جعله في موقع المتأثر أكثر من الفاعل؛ إذ لم يوظف العراق أدواته السياسية والاقتصادية للرد على هذا الضغط، وكان يدخل المفاوضات دائماً من موقع الضعف بسبب تشتت القرار بين المؤسسات، وضعف الإدارة المائية، وعدم وجود استراتيجية واضحة للترشيد والحصاد والتحلية. كما أن غياب التحرك الدبلوماسي الفعّال للمنظمات الدولية ساهم في استمرار السياسة التركية دون رادع أو ضغط دولي حقيقي. عموماً تستند تركيا في سياستها المائية إلى مقاربة براغماتية قائمة على استثمار موقعها الجغرافي لتحقيق مكاسب استراتيجية، مستخدمة المياه أداة تفاوض وتأثير تتجاوز البعد الفني إلى مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة.

مدخل لصفحات مشكلة المياه بين العراق وتركيا
تحولت المياه بين العراق وتركيا إلى واحدة من أعقد الملفات العالقة تاريخياً بين البلدين، حيث لم يتوصل البلدان إلى صيغة اتفاق مستقرة قادرة على تنظيم شكل العلاقة بين البلدين في هذا الملف، لتثبيت سياسة مائية مستقرة تحل هذه المشكلة، ويعود ذلك إلى مجموعة نقاط أساسية:
- عدم وجود إطار قانوني واضح يلزم تركيا بتحديد حصص الإطلاقات المائية اتجاه العراق، حيث لم يستطع العراق طوال السنوات السابقة فرض اتفاق مائي واضح يضع حداً لأزمته المائية.
- عدم اعتراف تركيا بأن نهرَي دجلة والفرات هما نهران دوليان، بل تعتبرهما نهرَين داخليين عابرَين للحدود، فتركيا هنا تخرج نفسها من أي التزام قانوني دولي.
- وجود أزمة تصحر مائية عالمية، وتحولات مناخية كبيرة ناتجة عن الهدر الكبير في المياه العذبة، وارتفاع درجات الحرارة، وتحولات مناخية كبرى.
- فشل العراق في تطوير سياسة مائية داخلية تشمل ترشيد المياه وحصادها، وإقامة مشاريع تحلية وتنقية وإرواء علمية طوال السنوات السابقة.
- استخدام تركيا ورقة المياه ضد العراق كورقة سياسية-اقتصادية-أمنية، رغم أن العراق يمتلك أوراق ضغط كثيرة لم يستطع استخدامها ضد تركيا طوال السنوات السابقة.
- غياب آلية دائمة للتنسيق والإدارة المشتركة للمياه بين العراق وتركيا، فالمفاوضات عادةً مؤقتة أو رد فعل لأزمات آنية، ولا تستند إلى مؤسسات ثنائية مستقرة تتابع التشغيل اليومي للسدود وتراقب التصريف المائي بشكل دوري.
- العجز الفني والتقني في إدارة الموارد المائية داخل العراق، فالمؤسسات المعنية ما تزال تعتمد على بيانات متقطعة ومحدودة، دون وجود نظام وطني موحد للرصد الهيدرولوجي أو الإنذار المبكر، ما يجعل العراق غير قادر على التفاوض استناداً إلى أرقام دقيقة أو محاكاة علمية لتأثيرات السدود التركية.
الإطار القانوني – التاريخي المنظم للعلاقة المائية
تعود العلاقات الحديثة بين المملكة العراقية ودولة تركيا إلى عام 1926، حين وقّع الطرفان معاهدة أنقرة في ذلك العام، التي تناولت تحديد الحدود بين تركيا والعراق في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تتطرق إلى تنظيم تفصيلي لمسائل المياه العابرة للحدود، وهي قد ساهمت في استقرار العلاقات الجيوسياسية، لكنها لم تنشئ آليات إشعار أو تبادل بيانات أو تحديد حصص مائية، ما يجعلها إطاراً سياسياً منقوصاً من أي ملامح لاتفاقية مائية تنفيذية.

ثم جاء في 29 آذار 1946 توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا، التي تضمّن أحد ملحقاتها البروتوكول رقم 1، الذي يمثل أول إطار قانوني لبداية العلاقات المائية المشتركة بين البلدين، حيث نظّم البروتوكول شكل العلاقة حول مياه دجلة والفرات وروافدهما. هذا البروتوكول هو أول نص ثنائي يضع التزاماً قانونياً بالاستشارة والإشعار قبل تنفيذ أي مشروع تخزين أو تغيير كبير في منبع المياه داخل تركيا. لكنه لم يُحدد حصصاً مائية أو جداول تنفيذية ملزمة، ولم يُنشئ آليات تحكيم أو رقابة مستقلة، لذلك بالرغم من أهميته التشريعية ظل تأثيره العملي محدوداً أمام التوسع التركي في بناء السدود، وهذا واحد من أهم العيوب في هذا الاتفاق.
عام 1971 بدأت الصراعات المائية تظهر مع بدء تركيا بملء سد كيبان على نهر الفرات، حيث دخلت الأزمة المائية مرحلة حساسة دفعت العراق وسورية إلى المطالبة بمفاوضات ثلاثية مع تركيا. ونتيجة لذلك التأمت عام 1978 اللجنة الفنية الثلاثية المشتركة بين العراق وسورية وتركيا، لتبادل البيانات وتنظيم تدفقات الفرات وتنسيق المشاريع. ورغم كونها مؤسسة تفاوضية مهمة، إلا أن أعمالها بقيت فنية واستشارية دون قوة إلزام قانوني، إذ لم يصدر عنها أيّ بروتوكول محدّد للحصص أو نسب التصريف.
وما بين عامي 1980 و1982 شهد البلدان محاولات لتفعيل أعمال هذه اللجنة الفنية، خصوصاً بعد افتتاح سد أتاتورك التركي الذي غيّر معادلات التدفق المائي، وصدرت حينها مذكرات تفاهم إجرائية تتعلق بإخطار العراق قبل ملء السدود، لكن تركيا التزمت بها من منطلق “حسن النيّة” وليس استناداً إلى اتفاق قانوني دائم. ورغم أن هذه اللجنة تمثل ترسيخاً إدارياً للتعاون إلّا أنها ليست اتفاقية دولية ملزمة، وعملت بتقطّع طويل وتحولت إلى إجراء فني أكثر من كونها التزاماً قانونياً. كما أن غياب النصوص الكمية أو التنفيذية الواضحة قلل من قدرتها على ضبط التدفق أو منع الضرر.
في عام 2009 تم توقيع مذكرة تفاهم أولى في مجال المياه بين العراق وتركيا، ركزت على تبادل بيانات القياسات والمناخ، وتعزيز التعاون الفني. لكن طبيعتها كانت إدارية ومنفتحة على التطبيق التطوعي، ولم تُضف حصصاً مضمنة أو آليات تنفيذيّة صارمة، نتيجة لذلك حققت بعض التعاون التقني بالإضافة إلى تجديد محطات قياس، لكنّها لم تغيّر بصورة جذرية واقعاً تدفقياً أو حصصياً. خلال العقد الثاني من الألفية وُقّعت مذكرات تفاهم إضافية، ركزت أكثر على مشاريع تطبيقية مثل معالجة المياه أو تحسين بنية المحطات، لكنّها بقيت دون أن ترسم التزاماً قانونياً واضحاً بكمية المياه أو الحد الأدنى للسريان، مما يجعلها أداة تعاون فني وليست اتفاقاً يمكن للعراق الاتكاء عليه في مطالبته بحصة مائية ثابتة.
في 22 نيسان 2024 أُطلِق إطارُ التعاون المائي بين العراق وتركيا، الذي تلاه في عام 2025 نشر وثائق “الميكانيزم” التنفيذي والتمويل لمشاريع مشتركة. هذا الإطار يمثل تحولاً نحو تنفيذ الالتزامات بدلاً من النصوص الإطارية فقط، إذ تضمن تعاوناً في حصاد المياه، والمعالجة، وتبادل البيانات، وإنشاء لجان إشرافية مشتركة، وربط المشاريع بمصادر تمويل. بهذا يختلف جذرياً عن المذكرات السابقة في كونه يمثل خطوة نحو قانون تنفيذ فعلي وليس مجرد اتفاق تعاون. ومع ذلك، يبقى التحدي في ضمان شفافية البيانات وتحديد جداول تدفق ملزمة وإدراج آليات تحكيم أو رقابة مستقلة.
أخيراً، وفي الثاني من تشرين الثاني 2025، وقّعت الحكومة العراقية والحكومة التركية بروتوكولاً بعنوان “وثيقة آلية تمويل مشاريع التعاون المائي بين جمهورية العراق وجمهورية تركيا”، متضمّناً تطوير مشاريع مائية مشتركة داخل العراق، تهدف إلى تحسين جودة المياه، وتقليص التلوث، وتطوير تقنيات الري، وتأهيل الأراضي الزراعية، وتعزيز الحوكمة، وإدارة الموارد المائية بشكل عقلاني.
هذا الاتفاق شمل عملية ربط النفط بتمويل المشروع للحصول على مشاريع في قطاع المياه. بمعنى آخر، تمويل هذه مشاريع سيتم ربطه بإيرادات تصدير النفط العراقي إلى تركيا. تركيا ستوفر شركات تركية للتنفيذ، والعراق سيوفر دعماً من خلال عائدات النفط. يشمل هذا الاتفاق بناء ثلاثة سدود صغيرة لجمع مياه الأمطار أو الحصاد المائي، وثلاثة مشاريع لاستصلاح الأراضي الزراعية، فضلاً عن الحق في الحصول على المعلومات والتخطيط المشترك لتصميم سياسة مائية تخدم البلدين. الاتفاق سيكون ساري المفعول طوال مدة الاتفاق الإطاري بين البلدين، مما يعطيه أفقاً متعدد السنوات، فهو ليس مجرد مبادرة مؤقتة. هذا الاتفاق يعدّ أول وثيقة تنفيذية صريحة في العلاقات المائية العراقية-التركية تُعلن كمشروع مشترك بمكون مالي وتنفيذي وليس مجرد مذكرة تعاون. ما لم يحدَّد حتى الآن بوضوح هو عدم وجود معلومات رسمية تفصيلية حتى الآن عن حصص كمية مضمنة، أو عن ضمانات للتدفقات السنوية من الموارد المائية العابرة بين البلدين، وهذا ما يزال ثغرة من زوايا قانونية.
بشكل عام، يمكن القول إن العلاقة القانونية المائية بين العراق وتركيا بدأت بإطار عام 1926، ثم انتقلت إلى اتفاق ثنائي محدود عام 1946 وضع مبدأ الاستشارة والإشعار، ثم تحولت إلى آليات فنية غير ملزمة (اللجنة الفنية، ومذكرات التفاهم)، وأخيراً وصلت إلى إطار تنفيذ عملي ومشاريع مشتركة في 2024-2025. إلا أن الثغرات – خصوصاً بغياب حصص مائية واضحة وآليات تنفيذية ملزمة – لا تزال قائمة، مما يشير إلى أن التقدم القانوني يجب أن يُترجم فعلياً إلى قدرات تشغيلية وإدارية قوية، لكسر الركود التاريخي في ملف المياه.
إنكار الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات
منذ سبعينيات القرن الماضي تتبنى تركيا موقفاً قانونياً ثابتاً يقوم على إنكار الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات، حيث تصر تركيا على اعتبار النهرين من “الأنهار العابرة للحدود” وليسا من الأنهار الدولية، هذا التوصيف ليس لفظياً فحسب تستخدمه تركيا لغرض الضغط، بقدر ما هو توصيف يحمل في طياته تبريراً لسلوك ميداني على الأرض، يتضح من خلال السياسات المائية المباشرة، ويحمل دلالات قانونية عميقة تسمح لتركيا بتجاهل معظم الالتزامات الدولية المعروفة في قانون المياه الدولي.

الفرق الجوهري بين المفهومين أن “النهر الدولي” يخضع لقواعد ومبادئ القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، التي تفرض التزامات على دول المنبع والمصب، مثل مبدأ “الاستعمال المنصف والمعقول”، ومبدأ “عدم التسبب بضرر جسيم”، وواجب الإخطار المسبق قبل تنفيذ أي مشروع يؤثر في تدفقات المياه أو نوعيتها. أما “النهر العابر للحدود” كما تصفه تركيا، فهو نهر ينشأ داخل أراضيها ويمتد إلى حدود دولة أخرى دون أن يكون ملكية مشتركة، وبالتالي تعتبر تركيا أن لها الحق السيادي الكامل في إدارة وتوزيع مياهه داخل أراضيها بما يتوافق مع مصالحها التنموية والاقتصادية، دون إلزام قانوني بإشراك الدول المجاورة في القرار. بهذا الموقف، تُخرج تركيا نفسها عملياً من مظلة القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة، وتؤسس لعقيدة قانونية تُعرف في أدبياتها بـ “مبدأ السيادة الإقليمية المطلقة على الموارد المائية”، وهو مبدأ رفضته معظم الدول في القانون الدولي الحديث، إذ يتعارض مع مبادئ التوازن والعدالة المائية.
ولتبرير هذا الموقف تاريخياً، استندت تركيا إلى ثلاثة مرتكزات:
- إن نحو 90 بالمئة من مياه الفرات و50 بالمئة من مياه دجلة تنبع من أراضيها، وبالتالي فإن الجزء الأعظم من النهرين هو “تركي الأصل”.
- إن العراق وسورية لم يوقّعا معها اتفاقاً قانونياً ملزماً لتقاسم المياه بعد 1946، ما يجعل الوضع القانوني مفتوحاً أمام التفسير التركي.
- إن القواعد الدولية، مثل اتفاقية 1997، لا تنطبق بأثر رجعي على الدول غير المنضمة إليها، وتركيا ليست طرفاً موقعاً عليها.
نتيجة لهذا الموقف، تتحكم تركيا بشكل أحادي في بناء وتشغيل السدود الكبرى، مثل سد أتاتورك على الفرات، وسدّ إليسو على دجلة، وكل مشروع الكاب، دون التنسيق الملزم مع بغداد، مكتفية بإشعارات سياسية أو تفاهمات فنية غير ملزمة، وهذا مكّنها من استخدام المياه كأداة تفاوض وضغط سياسي في ملفات التجارة، والطاقة، والأمن الحدودي. بالتالي، فإن عدم الاعتراف التركي بدولية دجلة والفرات لا يمثل خلافاً قانونياً اصطلاحياً فقط، بقدر ما هو أساس استراتيجي يتيح لتركيا ممارسة سياسات مائية أحادية خارج الرقابة القانونية الدولية، ويضع العراق في وضع تفاوضي هش لا يستند إلى التزامات متبادلة أو ضمانات قانونية يمكن الاحتكام إليها أمام المحاكم أو المنظمات الدولية.
الإطار المناخي والتحولات البيئية لشرعنة السياسة المائية الضاغطة
منذ عقدين، تعمل تركيا على تسويق خطاب بيئي ممنهج يربط سياساتها المائية بمفاهيم مكافحة التصحر والتغير المناخي العالمي، في محاولة لتأطير مشاريعها على نهري دجلة والفرات ضمن إطار “التنمية المستدامة”. حيث تقدم تركيا نفسها على المستوى الخارجي كدولة رائدة في إدارة الموارد المائية في ظل التصحر العالمي، وتطرح مشاريعها الضخمة، مثل مشروع الكاب، بوصفها استجابة علمية للتقلبات المناخية، ووسيلة لتقليل الهدر المائي وتحسين الإنتاج الزراعي. غير أن هذا الخطاب البيئي، وعلى الرغم من مظهره الإيجابي العام، إلّا أنّه يحمل ضرراً كبيراً في تفاصيله تجاه العراق، وأغلب المشاريع التي تقوم بها تركيا تُستخدم لأغراض التوظيف والضغط السياسي والأمني والاقتصادي على العراق، إذ تستغل تركيا مفهوم التصحر العالمي لتبرير تقليص الإطلاقات المائية نحو العراق وسورية، متذرعة بالحاجة الداخلية إلى مواجهة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وبهذا استطاعت تركيا تحويل سياساتها المائية وضغطها على العراق وسورية إلى سياسات دولية، من خلال تغليفها بفكرة المشاريع المناخية ومكافحة التصحر، حيث استطاعت تركيا تحويل قضية المناخ إلى غطاء استراتيجي تستخدمه لإدامة سيطرتها على منابع المياه، وتغيير طبيعة الأنهار المشتركة من “أنهار دولية” إلى “أنهار عابرة للحدود”، وهو توصيف يتيح لها الإفلات من أي التزام قانوني دولي في توزيع الحصص المائية. وفي المقابل، يؤدي هذا النهج إلى إعادة إنتاج أزمة مائية مزمنة في العراق، إذ يتم تحويل التصحر من ظاهرة بيئية إلى أداة سياسية تمكّن تركيا من فرض معادلات نفوذ إقليمي جديدة، من خلال التحكم بمورد مائي حيوي يمثل عصب الأمن الاقتصادي والاجتماعي العراقي.
الفشل الداخلي

على الرغم من كل هذه السياسات التركية التطويقية الضاغطة على العراق، إلّا أن بلاد الرافدين تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في فشل تطوير سياسة مائية عملية تتفق مع حجم التحديات العالمية والزيادة السكانية المتصاعدة، حيث لا يمكن إلقاء اللوم على تركيا وحدها، على الرغم من أنها صاحبة الدور الأكبر، بقدر ما يجب تشخيص الخلل الكبير الموجود في العراق. حيث تُعَدُّ الأزمة المائية في العراق انعكاساً مباشراً لاختلالات هيكلية في إدارة الموارد، ناتجة من اختلالات هيكلية في مشروع بناء الدولة نفسه! فضلاً عن ضعف الحوكمة المائية في العراق وغياب الرؤية الوطنية طويلة المدى. فعلى مدى العقود الماضية، تعاملت الحكومات العراقية مع ملف المياه بوصفه ملفاً خدمياً فقط، دون إيلاء أهمية استراتيجية كبرى لهذا الملف الذي يدخل في صلب الأمن القومي العراقي، مما أفقده البعد الأمني والاقتصادي والبيئي الذي تمثّله الموارد المائية. ومع تصاعد الضغوط التركية والإيرانية وتغيّر المناخ، أصبح هذا الفشل الداخلي عاملاً مضاعفاً للأزمة الخارجية، حيث تراجع مستوى الكفاءة المائية، وتزايد الهدر، وتقلّصت القدرة على التفاوض الخارجي، ولعلّنا نستطيع أن نقف بشكل مباشر على الخلل العراقي من خلال النقاط الاتية:
- غياب استراتيجية وطنية شاملة للمياه: لا يمتلك العراق حتى الآن إطاراً استراتيجياً متكاملاً يربط بين الموارد السطحية والجوفية، ويحدد بدقة أولويات الاستخدام وتوزيع الحصص القطاعية. فالإدارة المائية ما زالت تعتمد على خطط جزئية قصيرة الأمد، لا تستند إلى قواعد بيانات علمية أو نظم مراقبة حديثة، مما يجعل القرارات ارتجالية وغير مبنية على تحليل علمي للموارد المتاحة أو المتغيّرة.
- ضعف البنية التحتية المائية: أغلب مشاريع السدود والخزانات وشبكات الرّي في العراق أُنشئت قبل عقود، وتعاني اليوم من التهالك والتسرّبات وفقدان كميات كبيرة من المياه أثناء النقل والتوزيع. كما أن غياب الصيانة الدورية، وضعف الإنفاق الاستثماري على تحديث المنشآت المائية، جعلا العراق غير قادر على تخزين أو استثمار كميات المياه التي يحصل عليها فعلياً.
- فشل برامج حصاد المياه: رغم أن العراق يمتلك تضاريس متنوعة في الشمال والغرب تتيح فرصاً واسعة لحصاد مياه الأمطار والسيول، إلّا أن غياب التخطيط العلمي حال دون إنشاء مشاريع فعالة لتجميع المياه الموسمية. كما أن عدم ربط هذه المشاريع ببرامج إدارة الجفاف جعلها محدودة الأثر في مواجهة شح المياه السنوي.
- غياب مشاريع تحلية المياه في الجنوب: تعاني المحافظات الجنوبية، خصوصاً البصرة، من ملوحة شديدة في مصادر المياه، بسبب تراجع الإطلاقات من دجلة والفرات وزحف اللسان الملحي من الخليج. ورغم توفر التقنيات الحديثة لتحلية المياه وتوفير بعض مشاريع التحلية في البصرة مؤخراً، إلّا أنّ شحة كبيرة في المياه العذبة يعاني منها المواطن البصري حتى الآن، حيث لم يتم تبني مشروع وطني متكامل لمعالجة هذه المشكلة، مما أدى إلى اعتماد السكان على مصادر مائية ملوثة وغير صالحة للشرب أو الزراعة.
- ضعف برامج ترشيد الاستهلاك المائي: يستهلك القطاع الزراعي أكثر من 70 بالمئة من المياه في العراق بأساليب بدائية تعتمد على الري بالغمر أو الري السيحي، دون وجود سياسات إلزامية لتقليل الهدر. كما أن غياب ثقافة الترشيد لدى المواطنين، وضعف دور الإعلام والمؤسسات التعليمية، أسهما في استمرار أنماط الاستهلاك غير المستدامة.
- سوء التنسيق المؤسسي: تتوزع صلاحيات إدارة المياه بين وزارات الزراعة والموارد المائية والبيئة والبلديات، دون وجود آلية تنسيق فعالة أو جهة مركزية مسؤولة عن وضع السياسات الموحدة. هذا التشتت المؤسسي أدى إلى تضارب القرارات وإهدار الموارد المالية، فضلاً عن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة لرصد الموارد المائية وتغيراتها.
- استمرار الاعتماد على أساليب الري التقليدية: تفتقر الزراعة العراقية إلى التحديث التكنولوجي، إذ لا تزال تعتمد على طرق ريٍّ تستهلك كميات ضخمة من المياه مقارنة بالعائد الزراعي. إنّ عدم إدخال أنظمة الري الحديثة، كالري بالتنقيط أو الرش، جعل العراق من أكثر الدول هدراً للمياه مقارنة بمواردها المحدودة.
- غياب التشريعات المحدثة والرقابة القانونية: القوانين المائية في العراق قديمة ولا تواكب حجم التحديات الحالية، فلا توجد تشريعات فعّالة لتنظيم استخدام المياه الجوفية أو فرض معايير استدامة على القطاعات المستهلكة، كما أن ضعف الرقابة القانونية أدى إلى الاستخدام العشوائي للمياه في الزراعة والصناعة.
- تحول السياسة المائية إلى ردّ فعل للأزمات الخارجية: بدلاً من تبني سياسة مائية استباقية قائمة على القوة الداخلية والتخطيط العلمي. لقد ظلّت الحكومة العراقية تتعامل مع الأزمات الإقليمية كرد فعل، دون أدوات تفاوضية مبنية على بيانات دقيقة أو نفوذ فني واقتصادي، وبذلك فقد العراق القدرة على صياغة موقف تفاوضي متماسك أمام تركيا وإيران، لتتحول أزمته من قضية سيادة مائية إلى أزمة إدارة داخلية.
التوظيف الأمني والاقتصادي والسياسي لملف المياه
من الواضح أن قضية المياه بين العراق وتركيا بدأت تتحوّل من كونها قضية فنية بين لجان متخصصة إلى قضية استراتيجية أكبر، تتعلق بالأمن والاقتصاد وبالسياسة الخارجية بشكل عام، حيث تحوّلت قضية المياه بين العراق وتركيا من نزاع فنّي حول الحصص المائية إلى ملف استراتيجي متعدد الأبعاد، تستخدمه تركيا كأداة نفوذ إقليمي تمزج بين الاعتبارات البيئية والسياسية والأمنية والاقتصادية لتحقق أهدافها، وهذا أمر مشروع وطبيعي في العلاقات الدولية، فبينما تقدم تركيا مشاريعها المائية الكبرى، مثل مشروع الكاب، وسد إليسو، كجزء من خططها التنموية لمكافحة التصحر والتغير المناخي، فإنها في الواقع تمارس من خلالها سياسة منهجية للسيطرة على منابع نهري دجلة والفرات، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، ويظهر هذا التوظيف في ثلاثة محاور أساسية: الأمني، والسياسي، والاقتصادي، والتي تُبِرز جميعُها كيف تحوّلت المياه إلى أداة ضغط مركبة تجاه العراق على النحو الآتي:
أولاً البعد الأمني والسياسي: تتعامل تركيا مع إدارة المياه بوصفها امتداداً لأمنها القومي، إذ تمنحُها مشاريع السدود والخزن العملاقة قدرة عملية على التحكم في التدفقات المائية وفي حركة الحدود الجنوبية، ومن خلال هذا التحكم تملك تركيا وسيلة ضغط أمني غير تقليدية على العراق، تتيح لها فرض شروط تتعلق بمكافحة حزب العمال الكردستاني وتبادل المعلومات الأمنية، كما نجحت تركيا في تحويل ملف المياه إلى ورقة تفاوض سياسي، من خلال التذرع بمفاهيم التصحر العالمي وتغير المناخ لتبرير سياساتها المائية، مقدمة نفسها كدولة مسؤولة تسعى لتحقيق “التنمية المستدامة”.
ثانياً البعد الاقتصادي: باستخدام المياه كورقة نفوذ، تحوّلت السياسة المائية التركية إلى عنصر مؤثر في بنية العلاقات الاقتصادية مع العراق، فأنقرة توظّف المياه كجزء من حزمة نفوذ اقتصادي، تربط من خلالها ملفات الري والزراعة بمشاريع التجارة والطاقة والنقل والاستثمار داخل العراق. ويُعدُّ التحكُّم بالإطلاقات المائية وسيلة ضمن استراتيجية أوسع لتعظيم الاعتماد التجاري العراقي على المنتجات والخدمات التركية، إذ يصل حجم التبادل إلى نحو عشرين مليار دولار سنوياً، ما يجعل أي تصعيد عراقي في الملف المائي محفوفاً بتبعات اقتصادية خطيرة. كذلك تستخدم تركيا عروضها لتنفيذ مشاريع مائية داخل العراق كوسيلة لتكريس حضور شركاتها وإدامة التبعية الفنية والإدارية، بحيث يبقى العراق بحاجة مستمرة إلى الدعم التركي، حتى في مشاريع تخفيف أزمته المائية التي يقع على تركيا الذنب الأكبر في تفاقمها، وهكذا يصبح ملف المياه محوراً في معادلة القوة الاقتصادية التي تميل لصالح تركيا بسبب فشل السياسة المائية العراقية.
ثالثاً الفشل العراقي في توظيف أوراق الضغط: رغم امتلاك العراق أوراقاً متعددة يمكن أن تُستخدم لمعادلة النفوذ التركي، من بينها ورقة حزب العمال الكردستاني، وحجم التبادل التجاري، والموقع الجغرافي الحيوي، وملف الطاقة، إلّا أنه فشل في تحويلها إلى أدوات ضغط فعالة، ويعود ذلك إلى ضعف الاستراتيجية الوطنية للمياه، وتشتت المؤسسات المعنية، والافتقار إلى قاعدة بيانات دقيقة تدعم الموقف التفاوضي. كما أن الارتباط الاقتصادي الكبير بتركيا، إلى جانب الانقسامات السياسية الداخلية، جعل الموقف العراقي هشاً وغير قادر على اتخاذ مواقف حاسمة. كذلك لم يفعّل العراق المسارات القانونية الدولية، كآليات التحكيم أو اللجوء إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية لعام 1997، مكتفياً بالمذكرات الثنائية والتفاهمات السياسية التي لطالما افتقرت إلى الإلزام القانوني. هذه العوامل مجتمعة جعلت العراق متلقياً للسياسات التركية أكثر منه فاعلاً قادراً على موازنتها.

على هذا الأساس، استخدمت تركيا ملف المياه بمهارة سياسية مركّبة، تمزج بين خطاب بيئي شرعي ظاهرياً وسياسات نفوذ استراتيجية في العمق. وقد أسهمت سياساتها في تكريس واقع مائي غير متوازن جعل العراق في موقع التبعية الهيكلية في ملف يعد أساسياً لأمنه الوطني. وفي المقابل، فشل العراق في بناء منظومة مؤسسية وقانونية تمكّنه من الدفاع عن مصالحه المائية أو توظيف أدواته السياسية والاقتصادية بفاعلية. إن معالجة هذا الخلل تتطلب رؤية وطنية متكاملة تعيد تعريف المياه كأولوية أمن قومي، وتبني سياسة تفاوضية قائمة على القوة الداخلية، والاعتماد على الأطر القانونية الدولية لتثبيت حقوق العراق المائية ضمن النظام الإقليمي الجديد.
السبيل
يتضح أن أزمة المياه بين العراق وتركيا ليست فنية أو طبيعية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية، حوّلتها تركيا إلى أداة نفوذ إقليمي لتعزيز مصالحها الأمنية والاقتصادية، بينما بقي العراق في موضع رد الفعل بسبب غياب سياسة وطنية مائية واضحة. إن استمرار هذا الوضع سيعمّق اعتماد العراق على تركيا، ويزيد من هشاشته المائية والاقتصادية مستقبلاً ما لم يُعِد النظر في إدارة الملف كقضية أمن قومي شاملة، تنطلق من الرؤية المقترحة الآتية:
أولاً: المسار السياسي والدبلوماسي
- ضرورة تحويل الحوار الثنائي إلى منصة إقليمية دائمة تضم العراق وتركيا وسورية وربما إيران، لضمان توزيع منصف وتنسيق تشغيلي مشترك للأنهار.
- تدويل الملف مهنياً من خلال إشراك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، لضمان مراقبة شفافة وتخفيف الضغط السياسي الأحادي.
- تبني بروتوكول إخطار وتشغيل ملزم لأيّ عملية ملء أو تشغيل للسدود التركية، بمشاركة مراقبين دوليين فنيين.
ثانياً: المسار القانوني والمؤسسي
- اعتماد مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة 1997 كأساس تفاوضي حول الاستخدام المنصف وعدم الإضرار الجسيم.
- إعداد ملف وطني قانوني فني موثق يثبت الأضرار الاقتصادية والبيئية الناتجة عن المشاريع التركية.
- المطالبة بإدراج آلية تحكيم فني سريع ضمن أيّ اتفاق مستقبلي، لحل النزاعات التشغيلية المؤقتة.
ثالثاً: السياسات المائية الداخلية
- إصلاح هيكلي في إدارة المياه بإنشاء مجلس وطني للمياه ينسّق بين الوزارات ويحدّد أولويات التوزيع.
- تبني استراتيجية وطنية لترشيد الاستهلاك في الزراعة والصناعة، من خلال تحديث أنظمة الري والتحوّل نحو الريّ الحديث.
- مشاريع حصاد وتحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.
- تحسين كفاءة شبكات النقل والتوزيع لتقليل الهدر الذي يتجاوز 40 بالمئة في بعض المحافظات.
- إنشاء نظام وطني للرصد الهيدرولوجي يتيح بيانات آنية وشفافة عن الموارد والتدفقات لتعزيز موقف التفاوض.
رابعاً: المسار الاقتصادي والتجاري
- ربط التعاون الاقتصادي مع تركيا بضمانات مائية واضحة ضمن اتفاقات رسمية متوازنة.
- تنويع مصادر التمويل الدولية (البنك الدولي، GCF، FAO) لمشاريع المياه والطاقة المتكاملة.
- إدخال القطاع الخاص المحلي في برامج التحلية وإعادة الاستخدام لتخفيف العبء المالي على الدولة.
خامساً: المسار الأمني والاستراتيجي
- فصل ملف المياه عن الملفات الأمنية في المفاوضات الثنائية لتجنب تسييس الجانب الفني.
- بناء قنوات تعاون فني وأمني مستقلة لتقليل استخدام المياه كأداة ضغط سياسي أو عسكري.
سادساً: المسار الدولي والضغط الإقليمي
- توظيف المنابر الدولية لإبراز الآثار الإنسانية والأمنية لنقص المياه في العراق.
- إطلاق حملة علمية-إعلامية مدعومة ببيانات فنية لإقناع المجتمع الدولي بعدالة الموقف العراقي.
الاستنتاجات النهائية

- الصراع المائي بين العراق وتركيا هو صراع سياسات وإدارة لا موارد فقط.
- معالجة الأزمة تتطلب دمج المسارات الداخلية والخارجية في إطار وطني واحد للأمن المائي.
- الإصلاح الداخلي هو الشرط المسبق لأي مكسب تفاوضي خارجي.
- العراق بحاجة إلى انتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي من خلال التخطيط المؤسسي، وتفعيل الدبلوماسية المائية كأداة أمن قومي.
- تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج“.