"إذا وصلتنا مياه صالحة للشرب، سأقيم حفلة، وأسجد لله شكراً"
09 أيلول 2025
كان الصيادون يجوبون الماء ويعودون بالأسماك، يرسون زوارقهم على مسافة نداء من البيوت، في موضع يُعرف بـ "العنكور"، وهو رأس اليابسة الممتد عميقاً في الماء كأنه رأس الرجاء الصالح... لكن ذلك تغيّر مع انخفاض منسوب بحيرة الحبانية..
تمدّ حميدة ريحان يدها لتكشف عن جسد حفيدتها الصغيرة “طيف”، تظهر بقعٌ حمراء متفرّقة على ذراعيها وساقيها، تقول بصوت يختلط فيه الألم بالغضب، “منذ بدأنا نغسل ملابسنا بهذا الماء، بدأت تظهر هذه الحبوب على جسدها”.
حميدة، تقطن إحدى القرى القريبة من بحيرة الحبانية في منطقة العنكور، 45 كيلومتراً جنوب مدينة الرمادي، حيث باتت المياه الصالحة للشرب حلماً بعيد المنال، والحياة تُسحق تحت وطأة العطش واليأس.
“نشتري الماء من الرمادي “بدبّات” يبيعها بائع جوّال، والماء الذي نحصل عليه عبر السيارات لا يصلح للشرب، فقط نغسل به أو نستخدمه للمبردات، نقضي أحياناً خمسة أيام متواصلة بلا نقطة ماء واحدة”.

المعاناة لم تقتصر على العطش، بل امتدت إلى الزراعة، “كنت أول من يحصد البامية في المنطقة، لكن الآن لا أستطيع زراعة شيء، حتى مواشينا، لا تجد ما تشربه هنا، أسير بها مسافات طويلة لأجد لها قليلاً من الماء”.
تقلّب حميدة بصرها بين حفيدتها وأشجار الرمان اليابسة خلف منزلها وتقول: “الأشجار ماتت، والسمك مات، ولا ماء للوضوء من أجل الصلاة، الماء يحيي كل شيء، لكننا الآن نعيش الموت البطيء”.
لم يكن أمام أكثر من خمسين عائلة في منطقة العنكور سوى الرحيل، بعدما جفّت صنابير الماء، وجفّت معها سبل البقاء. الهجرة بدأت قبل عامين مع تصاعد حدة الأزمة، وتسارعت مع دخول الصيف، في ظل غياب أي إحصاءات رسمية توثق أعداد النازحين سواء من قبل الجهات الحكومية أو منظمات المجتمع المدني.
بحيرة الحبانية كانت مورد حياة السكان المحليين في العنگور، وقد انخفض منسوبها إلى أقل من 30 بالمئة، فعجزت عن تلبية الحد الأدنى من حاجات السكان اليوم.
يوضح جمال عودة سمير، مدير الموارد المائية في محافظة الأنبار، في تصريح أدلى به بتاريخ 14 آب 2023، أن سعة البحيرة تبلغ 500 مليون متر مكعب من المياه فقط، مقابل قدرة استيعابية قصوى تبلغ 3.3 مليار متر مكعب، مضيفاً أنه في عام 2020 كانت البحيرة ممتلئة إلى حدها الأقصى. أما عدد سكان العنكور، فبحسب محمود سالم، مدير ماء الأنبار، فيبلغ نحو 12 ألف نسمة.

حاول السكان بجهودهم الذاتية حفر الآبار، رغم أن الحفر العشوائي له تداعياته أيضاً، ولكن الحاجة إلى الماء شديدة. محاولات السكان توقفت عند عمق 90 متراً، ولم يكن هذا العمق كافياً للوصول إلى المياه الجوفية.
ورغم تشغيل محطة إسالة ثانية، إلا أن المشكلة لم تُحل، لأنها تتطلب وجود الكهرباء، وهذه مشكلة أخرى، انقطاع الكهرباء يُبقي المحطة خارج الخدمة في معظم الأوقات.

الأمل الآن معقود على مشروع ماء العنكور، الذي يربط نهر الفرات بالمنطقة، وبدأ العمل به قبل أقل من عام، غير أن إنجازه يحتاج إلى عامين على الأقل.
تتولى مديرية ماء الأنبار تنفيذ المشروع، الذي انطلقت أعماله في 11 آب 2024، بكلفة إجمالية بلغت 38 مليار دينار، بحسب جمال عودة، مدير الموارد المائية في الأنبار.
الهجرة أو العطش
باتت الهجرة خياراً جديّاً للأهالي. محمد أحمد خليفة، أحد سكان قرية العنكور، يختصر المشهد بجملة واحدة: “50 بالمئة من الناس ستهجر المنطقة إذا استمرت الأزمة.. أولهم أنا”.
يقول خليفة -بينما ينظر الجيران إلى خزاناتهم الفارغة بأعين متعبة، وأملٍ يتآكل كل يوم-: “القرية، التي كانت يوماً ما تنبض بالحياة، تعيش منذ ثلاث سنوات أزمة مياه، تفاقمت مع الوقت، ولم يعد لدى سكان العنكور ما يكفي حتى لـ “ليلة واحدة” من الماء”.
هذه الأزمة سببها الرئيس تعطل المجمع المائي المخصص للقرية في السنوات الثلاثة الأخيرة، دون أن تجري له الحكومة المحلية ودوائرها المسؤولة إصلاحات وصيانة، ومنذ ذلك الحين، يعتمد الأهالي على مجمع مشترك مع منطقة أخرى، لكن الحصة المائية لا تكفي.

يوضح خليفة: “نحصل على الماء بعد الساعة 12 ليلاً، وإذا وصلت الكهرباء، فإن ضغط الماء لا يسمح بوصوله إلى الخزانات، وأحياناً لا يصل إطلاقاً”، مضيفاً أن ما يصل، في أفضل الحالات، لا يتجاوز 500 لتر لكل منزل، وهي كمية لا تكفي لتلبية أدنى الحاجات اليومية، خاصة مع الحاجة لتشغيل المبردات الكهربائية التي تستهلك كميات إضافية من المياه نتيجة غياب التكييف.
في تموز 2010، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق الإنسان في الحصول على الماء والصرف الصحي بوصفهما حقاً من حقوق الإنسان الأساسية، وأقرت أن لكل فرد الحق في الوصول إلى كمية كافية من المياه للاستخدامات الشخصية والمنزلية، تتراوح بين 50 إلى 100 لتر يومياً، شرط أن تكون المياه صالحة، وميسورة الكلفة، بحيث لا تتجاوز تكلفتها 3 بالمئة من دخل الأسرة. كما شددت المعايير الدولية على ضرورة ألا يبعد مصدر المياه أكثر من ألف متر عن المنزل، وألا يستغرق جمع المياه أكثر من 30 دقيقة، لضمان عدالة التوزيع وسهولة الوصول للجميع.
المأساة لا تتوقف عند شح المياه، بل تتعداه إلى تلوث ما يتوفر منها. يقول خليفة: “وصلتنا تحذيرات بأن المياه غير صالحة للاستهلاك البشري”، لكننا مضطرون لاستخدامها في الغسيل والتنظيف فقط، ومع ذلك، أحياناً لا تصل حتى هذه الكمية”.
وفقاً لخليفة، الشكوى من الوضع جلبت مزيداً من العقوبات، “حين احتججنا على التلوث، قُطعت الإمدادات قطعاً شبه كامل، وكأننا نُعاقَب لأننا طالبنا بحقنا في الحياة”.

إلى جانب صيد الأسماك، كانت الزراعة عماد الحياة في العنكور، لكن البحيرة جفّت تقريباً، ما أدى إلى تدهور قطاع الصيد بشكل كامل، يقول خليفة: “البحيرة ماتت، وبدأت الأزمة من هناك، إنّ أبناء القرية الذين كانوا يعيشون من مهنة الصيد باتوا يتوجهون إلى مدينة الرمادي للعمل بأجر يومي”.
في المهن الشاقة كالعمل في المعامل وورش البناء وغيرهما يستعرض الصيادون القدامى عضلاتهم في “المسطر”، أملاً بالحصول على “يومية” تكفي لشراء “مسواگ” الليلة المقبلة، هكذا يفعل العطش، إذا لم يقتل؛ يغيّر.
بيت العنكور الصحي
عبد الله عادل، المعاون الطبي في البيت الصحي بمنطقة العنكور، حذّر من تزايد الحالات المرضيّة المرتبطة باستخدام مياه غير صالحة للاستخدام البشري، مؤكداً انتشار أمراض جلدية ومعوية بين السكان، خاصة بين الأطفال والنساء، يقول: “ظهرت حالات حبوب في الجسم مع احمرار وحكة شديدة، إضافة إلى حالات إسهال وقيء، وسُجلت بعض حالات الجرب وإن كانت قليلة”.
عبد الله عادل، المعاون الطبي في البيت الصحي بمنطقة العنگور، قال لجمّار: “إن المركز يسجل شهرياً إصابات جلدية تتراوح ما بين 15 إلى 20 حالة، بالإضافة إلى حالات تسمم تُعد نادرة، وتبلغ ما بين اثنتين إلى خمس حالات فقط”.

وأكد عادل أن المركز يحتاج إلى كميات كبيرة من الحبوب المعقمة، مبيناً أن الكمية التي يزودهم بها القطاع لا تكفي، “صرفنا خلال شهر واحد نحو 500 شريط، في حين نحتاج 800 إلى 1000 شريط لسد الاحتياج”.
وأضاف أن “المركز يعمل بدوام صباحي فقط ولا يوجد خفر ليلي”، مشيراً إلى “حاجة ماسة إلى مختبر طبي لتشخيص بعض الحالات الضرورية، مثل جرثومة المعدة التي تسببها المياه غير الصالحة، والتهابات المجاري البولية الناتجة عن السبب ذاته”، لافتاً إلى أن “المركز يخلو حالياً من وحدة مختبرية”.
وأكد عادل أن الضغط على المركز الصحّي ازداد بشكل كبير، “المركز يفتقر إلى الإمكانات اللازمة للاستجابة لهذه الأزمة الصحية”.
يقدّم البيت الصحي في العنگور خدمات تشمل الصيدلة، والصحة المدرسية، ومتابعة التغيرات المناخية، واللقاحات، ويفتح أبوابه ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، لأن كوادر البيت الصحي تسكن في أماكن بعيدة.
وعن استجابة الجهات المختصة، أوضح المعاون الطبي أن “فرقاً من وزارة الصحة ومنظمات دولية زارت المنطقة لتقييم الوضع”، كما أشار إلى وجود برامج توعية تهدف إلى الحد من مخاطر الأمراض الناتجة عن تلوث المياه، لكنّه يشدد على الحاجة الأساسية والضرورية التي يجب توفرها للسكان، إنّها المياه الصالحة للشرب والاستخدام.
توفر “صهاريج” الماء المتنقلة ماءً غير معالج مما تبقى من مياه بحيرة الحبانية الضحلة، كل ألفي لتر من هذا الماء يباع للأهالي بعشرة آلاف دينار، وهذا عبء اقتصادي لا يستطيع السكان تحمله.
27 منطقة فيها أزمة مياه
صميم سلام الفهد، الخبير في شؤون المياه ورئيس فريق الفرات للمياه والبيئة المستدامة (فريق مستقل)، يعتقد أن محافظة الأنبار تواجه أزمة مياه تهدد الصحة العامة، وتدفع بالسكان نحو النزوح من القرى والأرياف إلى المدن.
الفهد أوضح أن انخفاض مناسيب نهر الفرات، وزيادة نسبة التلوث فيه، أسهمت في تفاقم الأزمة، لا سيما أن العديد من محطات الإسالة التي تُدار من قبل الأهالي لا تخضع لمعايير علمية دقيقة في المعالجة، مما أدى إلى ضخ مياه ملوثة إلى المنازل.
في منطقة العنگور محطتا إسالة حكوميتان تعملان على ضخ المياه من المتبقي من مياه بحيرة الحبانية، إلا أن إحداهما متوقفة عن الخدمة منذ خمس سنوات، في حين تقع الأخرى في الجهة الشرقية من قرية العنكور الثانية، في نقطة تعد الأعمق من البحيرة بسبب قربها من ناظم جدول المياه المؤدي والمغذي لبحيرة الرزازة، أما محطة الإسالة الواقعة في الجهة الغربية، فهي أيضاً خارج الخدمة.
وفي الآونة الأخيرة، ومنذ أربعة أشهر، وبعد توصيات ومناشدات كثيرة، رُبطت محطة تقوية مياه العنگور الثانية بشبكة مياه العنگور الأولى، وبدأ العمل بنظام “المراشنة” بين الأهالي، مع تقسيم شبكة المياه بهدف ضمان وصول المياه إلى الجميع.
كما توجد محطة أهلية (خاصة) في منطقة العنگور الثانية، تعمل على فلترة مياه الشرب وتعقيمها بنظام RO، ويعتمد السكان على شراء المياه المعقمة والمعبأة منها.
وأشار الفهد إلى أن التغيرات المناخية، وانخفاض الإيرادات المائية الواردة من تركيا -التي خفّضت منسوب المياه إلى العراق من 500 متر مكعب/ثانية إلى أقل من 200 متر مكعب/ثانية- أديا إلى تفاقم الأزمة.

الفهد قال إن فريقه وثّق أكثر من 27 موقعاً يعاني من مشاكل مزمنة في المياه، منها قضاء الرطبة، وناحية كبيسة، وقريتي المجر والعنگور، وقضاء النخيب، وقضاء الرحالية، وناحية البغدادي، وقضاء حديثة، وقضاء القائم، مشيراً إلى أن بعض هذه المناطق تعتمد كلياً على الآبار التي بدأت تجف نتيجة الاستخدام الجائر والحفر غير المنظم.
ووفقاً لبيانات فريقه، نزحت 120 عائلة من منطقتي المجر والعنگور نحو مدينة الرمادي، بسبب شح المياه.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
تمدّ حميدة ريحان يدها لتكشف عن جسد حفيدتها الصغيرة “طيف”، تظهر بقعٌ حمراء متفرّقة على ذراعيها وساقيها، تقول بصوت يختلط فيه الألم بالغضب، “منذ بدأنا نغسل ملابسنا بهذا الماء، بدأت تظهر هذه الحبوب على جسدها”.
حميدة، تقطن إحدى القرى القريبة من بحيرة الحبانية في منطقة العنكور، 45 كيلومتراً جنوب مدينة الرمادي، حيث باتت المياه الصالحة للشرب حلماً بعيد المنال، والحياة تُسحق تحت وطأة العطش واليأس.
“نشتري الماء من الرمادي “بدبّات” يبيعها بائع جوّال، والماء الذي نحصل عليه عبر السيارات لا يصلح للشرب، فقط نغسل به أو نستخدمه للمبردات، نقضي أحياناً خمسة أيام متواصلة بلا نقطة ماء واحدة”.

المعاناة لم تقتصر على العطش، بل امتدت إلى الزراعة، “كنت أول من يحصد البامية في المنطقة، لكن الآن لا أستطيع زراعة شيء، حتى مواشينا، لا تجد ما تشربه هنا، أسير بها مسافات طويلة لأجد لها قليلاً من الماء”.
تقلّب حميدة بصرها بين حفيدتها وأشجار الرمان اليابسة خلف منزلها وتقول: “الأشجار ماتت، والسمك مات، ولا ماء للوضوء من أجل الصلاة، الماء يحيي كل شيء، لكننا الآن نعيش الموت البطيء”.
لم يكن أمام أكثر من خمسين عائلة في منطقة العنكور سوى الرحيل، بعدما جفّت صنابير الماء، وجفّت معها سبل البقاء. الهجرة بدأت قبل عامين مع تصاعد حدة الأزمة، وتسارعت مع دخول الصيف، في ظل غياب أي إحصاءات رسمية توثق أعداد النازحين سواء من قبل الجهات الحكومية أو منظمات المجتمع المدني.
بحيرة الحبانية كانت مورد حياة السكان المحليين في العنگور، وقد انخفض منسوبها إلى أقل من 30 بالمئة، فعجزت عن تلبية الحد الأدنى من حاجات السكان اليوم.
يوضح جمال عودة سمير، مدير الموارد المائية في محافظة الأنبار، في تصريح أدلى به بتاريخ 14 آب 2023، أن سعة البحيرة تبلغ 500 مليون متر مكعب من المياه فقط، مقابل قدرة استيعابية قصوى تبلغ 3.3 مليار متر مكعب، مضيفاً أنه في عام 2020 كانت البحيرة ممتلئة إلى حدها الأقصى. أما عدد سكان العنكور، فبحسب محمود سالم، مدير ماء الأنبار، فيبلغ نحو 12 ألف نسمة.

حاول السكان بجهودهم الذاتية حفر الآبار، رغم أن الحفر العشوائي له تداعياته أيضاً، ولكن الحاجة إلى الماء شديدة. محاولات السكان توقفت عند عمق 90 متراً، ولم يكن هذا العمق كافياً للوصول إلى المياه الجوفية.
ورغم تشغيل محطة إسالة ثانية، إلا أن المشكلة لم تُحل، لأنها تتطلب وجود الكهرباء، وهذه مشكلة أخرى، انقطاع الكهرباء يُبقي المحطة خارج الخدمة في معظم الأوقات.

الأمل الآن معقود على مشروع ماء العنكور، الذي يربط نهر الفرات بالمنطقة، وبدأ العمل به قبل أقل من عام، غير أن إنجازه يحتاج إلى عامين على الأقل.
تتولى مديرية ماء الأنبار تنفيذ المشروع، الذي انطلقت أعماله في 11 آب 2024، بكلفة إجمالية بلغت 38 مليار دينار، بحسب جمال عودة، مدير الموارد المائية في الأنبار.
الهجرة أو العطش
باتت الهجرة خياراً جديّاً للأهالي. محمد أحمد خليفة، أحد سكان قرية العنكور، يختصر المشهد بجملة واحدة: “50 بالمئة من الناس ستهجر المنطقة إذا استمرت الأزمة.. أولهم أنا”.
يقول خليفة -بينما ينظر الجيران إلى خزاناتهم الفارغة بأعين متعبة، وأملٍ يتآكل كل يوم-: “القرية، التي كانت يوماً ما تنبض بالحياة، تعيش منذ ثلاث سنوات أزمة مياه، تفاقمت مع الوقت، ولم يعد لدى سكان العنكور ما يكفي حتى لـ “ليلة واحدة” من الماء”.
هذه الأزمة سببها الرئيس تعطل المجمع المائي المخصص للقرية في السنوات الثلاثة الأخيرة، دون أن تجري له الحكومة المحلية ودوائرها المسؤولة إصلاحات وصيانة، ومنذ ذلك الحين، يعتمد الأهالي على مجمع مشترك مع منطقة أخرى، لكن الحصة المائية لا تكفي.

يوضح خليفة: “نحصل على الماء بعد الساعة 12 ليلاً، وإذا وصلت الكهرباء، فإن ضغط الماء لا يسمح بوصوله إلى الخزانات، وأحياناً لا يصل إطلاقاً”، مضيفاً أن ما يصل، في أفضل الحالات، لا يتجاوز 500 لتر لكل منزل، وهي كمية لا تكفي لتلبية أدنى الحاجات اليومية، خاصة مع الحاجة لتشغيل المبردات الكهربائية التي تستهلك كميات إضافية من المياه نتيجة غياب التكييف.
في تموز 2010، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق الإنسان في الحصول على الماء والصرف الصحي بوصفهما حقاً من حقوق الإنسان الأساسية، وأقرت أن لكل فرد الحق في الوصول إلى كمية كافية من المياه للاستخدامات الشخصية والمنزلية، تتراوح بين 50 إلى 100 لتر يومياً، شرط أن تكون المياه صالحة، وميسورة الكلفة، بحيث لا تتجاوز تكلفتها 3 بالمئة من دخل الأسرة. كما شددت المعايير الدولية على ضرورة ألا يبعد مصدر المياه أكثر من ألف متر عن المنزل، وألا يستغرق جمع المياه أكثر من 30 دقيقة، لضمان عدالة التوزيع وسهولة الوصول للجميع.
المأساة لا تتوقف عند شح المياه، بل تتعداه إلى تلوث ما يتوفر منها. يقول خليفة: “وصلتنا تحذيرات بأن المياه غير صالحة للاستهلاك البشري”، لكننا مضطرون لاستخدامها في الغسيل والتنظيف فقط، ومع ذلك، أحياناً لا تصل حتى هذه الكمية”.
وفقاً لخليفة، الشكوى من الوضع جلبت مزيداً من العقوبات، “حين احتججنا على التلوث، قُطعت الإمدادات قطعاً شبه كامل، وكأننا نُعاقَب لأننا طالبنا بحقنا في الحياة”.

إلى جانب صيد الأسماك، كانت الزراعة عماد الحياة في العنكور، لكن البحيرة جفّت تقريباً، ما أدى إلى تدهور قطاع الصيد بشكل كامل، يقول خليفة: “البحيرة ماتت، وبدأت الأزمة من هناك، إنّ أبناء القرية الذين كانوا يعيشون من مهنة الصيد باتوا يتوجهون إلى مدينة الرمادي للعمل بأجر يومي”.
في المهن الشاقة كالعمل في المعامل وورش البناء وغيرهما يستعرض الصيادون القدامى عضلاتهم في “المسطر”، أملاً بالحصول على “يومية” تكفي لشراء “مسواگ” الليلة المقبلة، هكذا يفعل العطش، إذا لم يقتل؛ يغيّر.
بيت العنكور الصحي
عبد الله عادل، المعاون الطبي في البيت الصحي بمنطقة العنكور، حذّر من تزايد الحالات المرضيّة المرتبطة باستخدام مياه غير صالحة للاستخدام البشري، مؤكداً انتشار أمراض جلدية ومعوية بين السكان، خاصة بين الأطفال والنساء، يقول: “ظهرت حالات حبوب في الجسم مع احمرار وحكة شديدة، إضافة إلى حالات إسهال وقيء، وسُجلت بعض حالات الجرب وإن كانت قليلة”.
عبد الله عادل، المعاون الطبي في البيت الصحي بمنطقة العنگور، قال لجمّار: “إن المركز يسجل شهرياً إصابات جلدية تتراوح ما بين 15 إلى 20 حالة، بالإضافة إلى حالات تسمم تُعد نادرة، وتبلغ ما بين اثنتين إلى خمس حالات فقط”.

وأكد عادل أن المركز يحتاج إلى كميات كبيرة من الحبوب المعقمة، مبيناً أن الكمية التي يزودهم بها القطاع لا تكفي، “صرفنا خلال شهر واحد نحو 500 شريط، في حين نحتاج 800 إلى 1000 شريط لسد الاحتياج”.
وأضاف أن “المركز يعمل بدوام صباحي فقط ولا يوجد خفر ليلي”، مشيراً إلى “حاجة ماسة إلى مختبر طبي لتشخيص بعض الحالات الضرورية، مثل جرثومة المعدة التي تسببها المياه غير الصالحة، والتهابات المجاري البولية الناتجة عن السبب ذاته”، لافتاً إلى أن “المركز يخلو حالياً من وحدة مختبرية”.
وأكد عادل أن الضغط على المركز الصحّي ازداد بشكل كبير، “المركز يفتقر إلى الإمكانات اللازمة للاستجابة لهذه الأزمة الصحية”.
يقدّم البيت الصحي في العنگور خدمات تشمل الصيدلة، والصحة المدرسية، ومتابعة التغيرات المناخية، واللقاحات، ويفتح أبوابه ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، لأن كوادر البيت الصحي تسكن في أماكن بعيدة.
وعن استجابة الجهات المختصة، أوضح المعاون الطبي أن “فرقاً من وزارة الصحة ومنظمات دولية زارت المنطقة لتقييم الوضع”، كما أشار إلى وجود برامج توعية تهدف إلى الحد من مخاطر الأمراض الناتجة عن تلوث المياه، لكنّه يشدد على الحاجة الأساسية والضرورية التي يجب توفرها للسكان، إنّها المياه الصالحة للشرب والاستخدام.
توفر “صهاريج” الماء المتنقلة ماءً غير معالج مما تبقى من مياه بحيرة الحبانية الضحلة، كل ألفي لتر من هذا الماء يباع للأهالي بعشرة آلاف دينار، وهذا عبء اقتصادي لا يستطيع السكان تحمله.
27 منطقة فيها أزمة مياه
صميم سلام الفهد، الخبير في شؤون المياه ورئيس فريق الفرات للمياه والبيئة المستدامة (فريق مستقل)، يعتقد أن محافظة الأنبار تواجه أزمة مياه تهدد الصحة العامة، وتدفع بالسكان نحو النزوح من القرى والأرياف إلى المدن.
الفهد أوضح أن انخفاض مناسيب نهر الفرات، وزيادة نسبة التلوث فيه، أسهمت في تفاقم الأزمة، لا سيما أن العديد من محطات الإسالة التي تُدار من قبل الأهالي لا تخضع لمعايير علمية دقيقة في المعالجة، مما أدى إلى ضخ مياه ملوثة إلى المنازل.
في منطقة العنگور محطتا إسالة حكوميتان تعملان على ضخ المياه من المتبقي من مياه بحيرة الحبانية، إلا أن إحداهما متوقفة عن الخدمة منذ خمس سنوات، في حين تقع الأخرى في الجهة الشرقية من قرية العنكور الثانية، في نقطة تعد الأعمق من البحيرة بسبب قربها من ناظم جدول المياه المؤدي والمغذي لبحيرة الرزازة، أما محطة الإسالة الواقعة في الجهة الغربية، فهي أيضاً خارج الخدمة.
وفي الآونة الأخيرة، ومنذ أربعة أشهر، وبعد توصيات ومناشدات كثيرة، رُبطت محطة تقوية مياه العنگور الثانية بشبكة مياه العنگور الأولى، وبدأ العمل بنظام “المراشنة” بين الأهالي، مع تقسيم شبكة المياه بهدف ضمان وصول المياه إلى الجميع.
كما توجد محطة أهلية (خاصة) في منطقة العنگور الثانية، تعمل على فلترة مياه الشرب وتعقيمها بنظام RO، ويعتمد السكان على شراء المياه المعقمة والمعبأة منها.
وأشار الفهد إلى أن التغيرات المناخية، وانخفاض الإيرادات المائية الواردة من تركيا -التي خفّضت منسوب المياه إلى العراق من 500 متر مكعب/ثانية إلى أقل من 200 متر مكعب/ثانية- أديا إلى تفاقم الأزمة.

الفهد قال إن فريقه وثّق أكثر من 27 موقعاً يعاني من مشاكل مزمنة في المياه، منها قضاء الرطبة، وناحية كبيسة، وقريتي المجر والعنگور، وقضاء النخيب، وقضاء الرحالية، وناحية البغدادي، وقضاء حديثة، وقضاء القائم، مشيراً إلى أن بعض هذه المناطق تعتمد كلياً على الآبار التي بدأت تجف نتيجة الاستخدام الجائر والحفر غير المنظم.
ووفقاً لبيانات فريقه، نزحت 120 عائلة من منطقتي المجر والعنگور نحو مدينة الرمادي، بسبب شح المياه.