الانتخابات المبكّرة: الراغبون والرافضون والمنقسمون 

و

11 تموز 2024

يخشى الجميع تكرار ولادة "مالكيّ" جديد مستغلّاً مقدّرات الدولة..

في 13 حزيران، عندما قال نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون وأحد أكبر أقطاب الإطار التنسيقي وأكثرهم امتلاكاً للمقاعد النيابية، إن هناك حاجة لإجراء انتخابات مبكرة، لم يكن أول الداعين لها من أجل إنهاء الدورة البرلمانية الراهنة، والتي جاءت بانتخابات مبكرة هي الأخرى، في تشرين الاول 2021، على أن تنتهي أواخر 2025، إلا أنها المرة الأولى التي تأتي على لسان المالكي وبتأييده، بعد أن رفضها، بشدّة، مرتين، ونفى الحاجة لها. 

المالكي قال إنه يدعم إجراء انتخابات مبكرة خلال مدة أقصاها نهاية العام 2024، باعتبار أنها فقرة في البرنامج الحكومي وأن الحكومة ملزمة بتنفيذها، وفي جانب ملفت آخر، دعا أن تُجرَى الانتخابات باعتماد نظام الدوائر المتعددة. 

على الرغم من أن جميع المعطيات تستبعد إجراءها، حتى وُصفت بأنها “ولدت ميتة”، إلّا أن فكرة الانتخابات المبكرة التي شغلت مختلف الأوساط بعد تصريح المالكي، أزاحت شيئاً من ستار ما يحدث داخل الإطار التنسيقي، وما قد يحدث بعد الانتخابات القادمة، مبكرةً كانت أم في موعدها. 

الانتخابات المبكّرة في المنهاج 

في المحور التشريعي لبرنامج السوداني الحكومي، كان تعديل قانون الانتخابات “النيابية” خلال 3 أشهر، وإجراء انتخابات مبكرة خلال عام، واضحاً وصريحاً. 

لم تلتزم حكومة السوداني بشيء من توقيتات برنامجها الزمنية، كما التزمت، بدفع القوى السياسية ونوابها، بتنفيذ فقرة تعديل قانون الانتخابات خلال 3 أشهر، فبعد أن صوّت البرلمان على البرنامج الحكومي للسوداني في كانون الأول 2022، لم يستغرق الأمر سوى 3 أشهر ليرفع أعضاء مجلس النواب في آذار 2023 أيديَهم بالتصويت لصالح تعديل قانون الانتخابات، فأعادوا العمل بقانون الدائرة الواحدة والعودة إلى نظام سانت ليغو. 

لا شكّ في أن الإشارة إلى انتخابات مبكرة، في سياق تعديل قانون الانتخابات “النيابية” في البرنامج الحكومي، هي إشارة إلى الانتخابات البرلمانية، خصوصاً مع مجيئها منفصلةً ومستقلّة ضمن المحور التشريعي، عن الفقرة الأخرى التي يعد فيها السوداني بإجراء انتخابات مجالس المحافظات. 

برنامج حكومة محمد شياع السوداني الذي أعده بعد تكليفه بمنصب رئيس مجلس الوزراء. 

أصبحت فقرة الانتخابات المبكرة الواردة في البرنامج الحكومي “منسية” بفعل العجز عن إجرائها في الموعد المحدد خلال عام، والذي يصادف تقديرياً في كانون الأول من العام 2023، ومزاحمة انتخابات مجالس المحافظات. وعلى الرغم من تكرار الحديث عنها لأكثر من مرة، إلّا أن الهدف دائما ما كان ذاته الذي دفع السوداني لإقحام التعهد بها في برنامجه الحكومي، والمتمثل بـ”إرضاء زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر” أو كسب ودّه أو سكوته على الأقل بشكل استباقي، لكي لا يجد السوداني -الذي يستعد لمسك المنصب- نفسه، في مواجهة مع معارضة قد لا تصمد أمامها حكومة، وبالفعل، لم يصدر عن الصدر أي موقف مضاد لدرجة تهديد حكومة السوداني. 

المالكي يتخلّى  

كانت الدعوة الأولى إلى انتخابات مبكرة خلال هذه الدورة، في آب 2022، من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بعد شهرين من سحب نواب كتلته من البرلمان واستقالتهم، وقبل شهرين من تكليف حكومة السوداني، والتي تزامنت مع إعلان الإطار ترشيح السوداني للمنصب.  

حينها، أبدت معظم القوى السياسية، وعلى رأسهم زعيم “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، استعداداً لإجراء انتخابات مبكرة “ارضاءً للصدر”، فأدرج السوداني هذا التعهد في برنامجه الحكومي، إلّا أن المالكي كان المصدّ المعارض الوحيد لدعوة الصدر، رافضاً الحديث عن حلِّ البرلمان أو إجراء انتخابات مبكرة قبل انعقاد البرلمان بشكل كامل، أي بعد خلوّه من كتلة الصدر، وهي خطوة قتل من خلالها المالكي دعوة الصدر لانتخابات مبكرة، حتى بعد أن التأم البرلمان الجديد المليء بأعضاء الإطار البدلاء عن الصدريين. 

وفي شباط 2023، كرّر نوري المالكي موقفه الرافض لإجراء انتخابات مبكرة مادامت العملية السياسية جارية ولم يحدث انسداد سياسي، ولم تفشل الحكومة الحالية في إدارة الدولة، وعبّر حينها عن اعتقاده “بأن النتائج الانتخابية وما ترتب عليها من تشكيل الحكومة الحالية وما تقدمه، ممكن أن تستمر إلى نهاية الدورة البرلمانية”، وفي نيسان 2023، عاد المالكي من جديد للقول إن الوضع في العراق بات مستقراً ولا توجد حاجة لإجراء انتخابات مبكرة. 

جميع هذه التأكيدات والمواقف، تخلى عنها المالكي فجأة بحديثه الأخير عن وجود “حاجة” لإجراء انتخابات مبكرة. 

لم يتخلّ المالكي عن رأيه بعدم الحاجة لانتخابات مبكرة فحسب، بل شدد على ضرورة أن تُجرى وفق قانون الدوائر المتعددة، وهو تحوّل غريب وكبير آخر، بعد أن كان أشدَّ معارضي قانون الدوائر المتعددة، حتى قال عنه في السابق بأنه “قانون مضرّ بالعملية السياسية”. 

لكنْ هنالك سياقٌ يمكن وضع دعوة الزعيم الشيعي لإجراء انتخابات مبكرة وميله نحو الدوائر المتعددة فيه، فتبدو مفهومةً إلى حدّ ما، وليس هذا السياق سوى انقسام الإطار على الإطار. 

صحيح أن المعلومة شحيحة في العراق، وليس ما يسرّب على لسان ما يُعرف بالـ”مصدر” موثوقاً، لكنّ تكرار ما سُرب عن الخلاف العميق بين دولة القانون وعلى رأسها المالكي من جهة، وقيس الخزعلي ومن خلفه فصيله المدجّج بالسلاح ومتمدّد النفوذ والمتوغّل حديثاً في مفاصل الحكومة حتى مكتب رئيسها، ليس مجرد تريب للإثارة، فالطرفان اللذان تشاركا جبهة مواجهة التيار الصدري وأزاحاه من مشهد الدورة البرلمانية/ الحكومية الحالية، لا يتفقان بالضرورة على طريقة إدارة ما تبقى لهما وشركائهما، كما أن خشيتهما من “تضخّم السوداني”، وقرب عصائب أهل الحق منه ومن قراره، يخفف غرابة مواقف نوري المالكي الجديدة، فهنالك زاوية لا يمكن تجنّب الوقوف فيها لرؤية المشهد، تلك الزاوية التي يخشى فيها الجميع تكرار ولادة “مالكي” جديد مستغلّاً مقدّرات الدولة عبر منصب رئاسة مجلس الوزراء، ومن الزاوية ذاتها، ستبدو الدعوة لدوائر متعددة، محاولةً لقطع الطريق على السوداني في الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات، خصوصاً وأنه يراهن على شعبيته التي ينميها ويوزعها في جميع أنحاء العراق، وليس بمنطقة دون أخرى كما يمتلك آخرون، لذا، فالدوائر المتعددة “ستحاصر” السوداني، وربما العصائب. ويعزّز ذلك أن حديث المالكي تضمن أيضاً، ضرورة “استقالة التنفيذيين” في حال رغبوا بالمشاركة في الانتخابات، وهي تصويبة إضافية نحو السوداني ووزراء أو مدراء سيكون من بينهم عصائبيون. 

من يستثمر السوداني أولًا؟ 

نجح محمد شياع السوداني بصناعة حالة رضا نسبية في الأوساط الشعبية والسياسية، مستفيداً من الوفرة المالية التي تركها الكاظمي، والبالغة 85 مليار دولار كخزين من احتياطي للبنك المركزي وأكثر من 130 طناً من الذهب، فضلاً عن 22 تريليون دينار كرصيد مدوّر من قانون الأمن الغذائي، وهو أعلى فائض مالي تتسلّمه حكومة جديدة من أخرى سبقتها منذ 2003. 

تظهر موازنة 2021، وهي آخر موازنة أُقِرَتْ قبل تسلّم السوداني الحكومة في تشرين الأول 2022، وجود 3.2 ملايين موظف في وزارات ودوائر الدولة، لكنْ في موازنة 2023، كان هناك 4 ملايين و74 ألفاً، و697 موظفاً، أي أنّ السوداني أضاف أكثر من 800 ألف موظف. ثم ظهر في جداول موازنة 2024، أن الرقم أصبح، 4 ملايين و79 ألفاً، و906 موظفين، أي أنه أضاف أكثر من 5 آلاف موظف آخرين على الملاكات الدائمة، وهذا باستثناء العقود. 

خلال عام واحد، وظّف السوداني ما يعادل رُبعَ عدد الموظفين الإجمالي الذين توظفوا طوال السنوات الماضية، فبينما كان يوجد فقط 3.2 ملايين موظف، قام السوداني بتعيين قرابة المليون موظف خلال فترته، وهو رقم كبير لشراء الولاءات والأصوات الانتخابية. 

ساعد السوداني في ذلك، الارتفاعُ الملحوظُ في أسعار النفط العالمية، فكان أدنى سعر مسجل للبرميل، خلال الفترة بين تولّيه المنصب في تشرين الاول 2022 وحتى حزيران 2024، هو 72 دولاراً في أيار 2023، وتجاوز أعلى سعر الـ95 دولاراً في أيلول 2023، واستقر خلال أغلب الأشهر الأخرى على 80 دولاراً. وبالعموم، بلغ معدل سعر النفط عالمياً، طوال فترة حكم السوداني، 85 دولاراً للبرميل، وفقاً للبيانات التاريخية لأسعار النفط في منصة انفيستنغ

استخدم السوداني هذه الأموال، في تحريك مشاريع راكدة، كانت موجودة وقائمة هي وعقودها، بالإضافة لإطلاق بعض المشاريع الأخرى التي حشّد لها فريقه جهداً إعلامياً وإعلانياً جباراً، فضلاً عن تحقيق مكاسب لبغداد في الأزمة الخلافية مع إقليم كردستان، عبر قرار من المحكمة الاتحادية لتوطين الرواتب، وقرار آخر لمحكمة التحكيم الدولية في باريس بتغريم تركيا وإيقاف تصدير الإقليم للنفط بمعزل عن الحكومة الاتحادية، ما اضطرّ الإقليم للتنازل نسبياً للحصول على رواتب موظفيه وبقية حصته من الميزانية، ما يعني أن مصادفة زمنية أخرى بين قرارات المحكمة ووجود السوداني في المنصب وخلافات الكرد الداخلية، صبّت بالفائدة في رصيد محمد شياع الشعبيّ مرّة والسياسيّ مرتين.   

وسط كل هذا، سيكون الاستثمار بالسوداني “مربحاً”، ستتنازع عليه القوى السياسية، لكنْ يبدو أن المالكي اختار الاستغناء عن هذه الفرصة الاستثمارية، خصوصاً مع مزاحمة حركة عصائب أهل الحق، التي تعيش حالات خلاف وانقسام سياسي مع قوى أخرى، توسّع لانقسام “فصائلي” مع “أخوة السلاح”. 

الانقسام الخشن 

في تشرين الثاني 2023، وبعد أسابيع من انطلاق العمليات العسكرية المساندة لـ”طوفان الأقصى”، قدم الأمين العام لكتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي شكره لعدد من الفصائل المشاركة في “العمليات الجهادية العسكرية”: قائلًا: “تحية إجلال وإكبار للإخوة المجاهدين الذين شاركوا في العمليات الجهادية العسكرية (أنصار الله الأوفياء، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، كتائب حزب الله) تحت راية المقاومة الإسلامية في العراق للنيل من العدو”. 

كشف غياب عصائب أهل الحق عن قائمة الحميداوي، عدم مساهمة العصائب في عمليات الفصائل المقرّبة من إيران ضد المصالح والقواعد الأمريكية، وسبّب إحراجاً كبيراً للعصائب، استدعى ردّاً من المتحدث العسكري لفصيل أهل الحق جواد الطليباوي، فنشر تغريدة “غاضبة” ادّعى فيها أن اعتراضه ناجم عن “ضرورة عدم كشف الحركات والفصائل التي تنفذ العمليات الجهادية”، إلّا أنه “استغرب من ذكر أسماء فصائل وتغييب أخرى”، وهو السبب الحقيقي للغضب العصائبي. 

مؤخراً، في 25 من حزيران، كرر المتحدث باسم حركة النجباء حسين الموسوي عزل عصائب أهل الحق عن الفصائل التي تعمل “في الميدان” عسكرياً، مضيفاً حرجاً آخر للعصائب، وعلى الرغم من أن الموسوي حاول تلطيف الموقف لاحقاً حين أوضح أن استبعاده العصائب لأنهم فصيل كان يعمل بعيداً عن الإعلام، إلى حين آخر اجتماعات “تنسيقية المقاومة”، الذي قال الموسوي إن المانع عن ذكرهم رُفع خلاله، لكنّه لم يكن يعلم، غير أن مدير قناة العهد التابعة لعصائب أهل الحق، المعروف باسم سَنَد الحمداني، وفي منشور على منصةx، وصف التبرير بأنه “عذر أقبح من فعل”، مستخدماً الآية القرآنية: “لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين”. 

ليس غياب العصائب عن “المقاومة الإسلامية” وخطابات فصائلها بالغريب، فالحركة غارقة حتى جبينها في العمل السياسي لإنجاح حكومة السوداني، ولأنها كذلك، كان عليها مراعاة الاعتبارات الدبلوماسية. 

أوجه الاختلاف الأخرى 

ليس بعيداً عن مشهد الفصائل، وفي 26 حزيران، أقالَ رئيسُ هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، مديرَ الأمن والانضباط في الهيئة، المدرج على لوائح الإرهاب الأمريكية والمعروف باسم أبو زينب اللامي، حسب ما تسرب لوسائل الإعلام المحلية وغزاها، وبالطريقة ذاتها وخلال أقلّ من يومين، انتشر خبر تراجع الفياض عن الخطوة. 

حتى اللحظة، وكغيرها من الحالات، تحتجب المعلومة خلف جدران الصمت الحكومي والحزبي والفصائلي، لكن إقالة شخصية مثل “حسين فالح” وهو الاسم الحقيقي للامي، صاحب النفوذ المتشعّب، والذي حُسب سابقاً على أحد أكثر الفصائل العراقية القريبة من إيران قوةً، “كتائب حزب الله”، لا يمكن اتخاذها من الفياض لوحده، ولن يصدّق أحد أنها خطوة خالية من البُعد الخِلافي الذي يضرب الإطار، فصائل وأحزاباً، أو ذلك البعد الذي يتمثل بالتنافس على مناصب تؤمّن نفوذاً أكبر. 

لا يقتصر التفكك الداخلي في الإطار التنسيقي على اختلاف فصيلٍ مسلحٍ وآخر، حزبٍ وحليف، أو كتلة وأخرى، بل تسرّب إلى الكتل ذاتها وصارت تنقسم على نفسها، وبرهان ذلك هو إعلان عالية نصيف، التي تُعَد من أبرز أعضاء ائتلاف دولة القانون طوال السنوات الماضية، انسحابها من الائتلاف وحديثها عن وجود “تمايز وطبقية” داخل الائتلاف، بين المنتمين للأحزاب وبين من وصفتهم بـ”المستقلين” المنضوين بالائتلاف، ثم اتهامها لعضوٍ، لم تُسمِّه، داخل الائتلاف بالقتل والفساد والقرب من نوري المالكي. 

من المتوقع أن نصيّف تخوض صراعها هذا، مع زميل منافس في الحزب والمنطقة السكّانية، وهي صورة أصغر من تلك التي تجسدها الخلافات حول مجالس المحافظات، وتحديدا ديالى، التي لم يُحسم انتخاب محافظها الجديد، بل كادت أكثر من مرّة أن تتفجّر المناوشات بين تحالف الفتح بقيادة زعيم منظمة بدر هادي العامري وائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، على منصب المحافظ، ويبدو أن العامري تراجع عن اتفاقٍ ما، وترك المنصب، للمحافظ السابق القريب منه مثنى التميمي، بعد محاولة فاشلة يتيمة بتقديم مرشح توافقي تبيّن فيما بعد أن عمره لا يسمح بتولّي المنصب. بينما يرى ائتلاف دولة القانون أنه الأحق بالمنصب على الرغم من عدم امتلاكه أيّ مقعد في مجلس محافظة ديالى، لكنّ تسويةً بمقابل المناصب التي لم يحصل عليها في المحافظات الأخرى، كفيلة، حسب وجهة نظر دولة القانون، بانسحاب العامري من مشهد ديالى المعقّد بذاته وترك مثنى التميمي، الذي يمتلك أكبر عدد مقاعد في المجلس، بلا داعم وفريسة لترتيبات المالكي السياسية. 

الصدر.. الصمت 

ملامح الانقسام هذه، والدعوة لانتخابات مبكرة بالطريقة التي طرحها المالكي، تأتي في ظل التزام التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر، الصمت، وعدم إشهار الصدر سيف الاحتجاج ضد السوداني، رئيس الحكومة التي عارض في بادئ الأمر آلية تشكيلها عبر التوافق وليس الأغلبية. فتتدفق التساؤلات عمّا إذا كان الصدر سيدخل هو الآخر كمنافس للاستثمار بالسوداني وضرب غريمَيْه الرئيسيين: يحبط نوري المالكي أولاً، ويسلب الخزعلي نشوة القرب من رئيس وزراء ثانياً. 

لكنْ، وعلى الرغم من تغيير الصدر اسم تياره الى “التيار الوطني الشيعي”، والذي قُرئ سياسياً وشعبياً على أنه استعداد لجولة سياسية جديدة، تستهدف استقطاب الأصوات الصدرية المتشككة والشيعية المشتتة، إلّا أن لا قرارَ واضحاً، حتى الآن، يحسم مستقبل الصدر السياسي في الانتخابات المقبلة، لكنّ الواضح أن الصدر ربما يُضطر، إذا ما عاد، للانصهار في الركن الشيعي الكبير ذي السلاح الغزير، ورجال الدين القادرين على تعرية من يَزيح عن الدرب بسَطْرَين على ورقة. 

عقب انسحابه واستقالة نواب كتلته في حزيران 2022، التقى الصدر بهم لوداعهم، وتعهد قائلًا: هذا عهد بيني وبين الله وبيني وبينكم ومع شعبي، لن أشارك في الانتخابات المقبلة بوجود الفاسدين، إلا إذا فرج الله وازيح الفاسدون وكل من نهب العراق وسرقه وأباح الدماء”، ويبدو العهد الذي قطعه الصدر ثقيلاً، خصوصاً وأن شروطه شبه مستحيلة وغير واضحة المعايير، ومع العهد الذي قطعه الصدر “مع الله”، يصبح فرز وتشخيص وتحقّق الشروط أكثر تعقيداً، إلّا إذا وجد الصدر مخرجاً شرعياً يخلّصه من عهده!، وقبل ذلك، غطاءً شرعياً بعد أن جرّده الحائري الذي يقلده هو وتيارُه من فسحة العمل السياسي وأوصى مقلديه بالعودة لمرجعية علي خامنئي الولي الفقيه لإيران. 

هل ممكن؟ 

دستورياً، ثمة مساران لإجراء انتخابات مبكرة في البلاد وفق المادة 64، ويبدأ كلّ منهما بخطوة أساسية وهي حلّ البرلمان، إما بطلب من رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وهو أمر مستبعد ان يتخذه السوداني، أو عبر المسار الثاني المتمثل بتقديم طلب من ثلث أعضاء البرلمان، ثم تصويت الأغلبية المطلقة من أعضائه لصالح الموافقة على حلّ مجلسهم، فيأتي دور رئيس الجمهورية بالدعوة إلى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة أقصاها 60  يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً ويواصل تصريف الأمور اليومية. 

هذا يعني أنه يتعين أن يقدم 110 نواب طلباً الى رئاسة البرلمان لحلّ المجلس، وتصويت 166 نائباً بالموافقة على حلّ البرلمان، وهو ذات الرقم المطلوب للتصويت على رئيس البرلمان الجديد والذي لم يحظَ به أيُّ مرشحٍ حتى الآن. 

يمتلك ائتلاف دولة القانون 38 مقعداً في البرلمان، ويمتلك المستفيد المحتمل من الانتخابات المبكرة محمد الحلبوسي 33 نائباً، حيث بعد فقدانه منصب رئاسة البرلمان وعضوية البرلمان، بالإضافة الى خسارة أيّ مرشح من تقدم للمنصب واضطراره القبول بمحمود المشهداني مرشحاً توافقياً، والذي لم ينجح هو الآخر بالحصول على المنصب، لن يكون أمام الحلبوسي فرصة أكبر للعودة الى المشهد السياسي بقوة من إجراء انتخابات مبكرة والرهان على المنصب مجدداً، أو إعادته لحزبه، تقدم. 

وبمجموع 71 مقعداً للطرفين المستفيدين، وافتراضِ انضمام 39 نائباً آخر لطلب حلّ البرلمان، لن يكون التصويت لصالحه يسيراً لأن فجوة بسِعة 56 نائباً للوصول إلى 166، ردمها أقرب للمستحيل، خصوصاً وأن فكرة الانتخابات المبكرة لا تلقى رواجاً بين القوى السياسية ولم يُسمع لها صدىً في النجف، حيث المرجعية الدينية العُليا للشيعة، التي يبدو أن صمتها السياسي الذي طال، تعبير عن تفضيلها الهدوء السياسي الداخلي في ظل عاصفة التحديات الكبيرة التي تعيشها المنطقة، والعالم.  

وفي الوقت ذاته، قطعت الحكومة الاتحادية الآمال بإمكانية تسهيل إجراء الانتخابات المبكرة، وبأحسن الأحوال يمكن أن تكون الانتخابات “ربع مبكرة”، أي قبل 3 أشهر فقط من انتهاء عمر الدورة البرلمانية الحالية والحكومة المنبثقة منها، حيث يقول المستشار السياسي للسوداني فادي الشمري، إن “اجراء الانتخابات المبكرة يحتاج إلى تخصيصات مالية ولا يوجد أي تخصيص مالي في الموازنة، فضلا عن حاجة تعديل قانون الانتخابات لـ 6 أشهر، وبعد ذلك تحتاج المفوضية العليا المستقلة للانتخابات إلى 9 أشهر كإجراء عملياتي لإجراء أي استحقاق انتخابي”، وهذا يعني أن هناك حاجة لـ15 شهراً على الأقل من عُمْر الحكومة والبرلمان والذي من المفترض أنه سينتهي بعد 18 شهراً، أي نهاية عام 2025. 

  • ينشر بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”    

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في 13 حزيران، عندما قال نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون وأحد أكبر أقطاب الإطار التنسيقي وأكثرهم امتلاكاً للمقاعد النيابية، إن هناك حاجة لإجراء انتخابات مبكرة، لم يكن أول الداعين لها من أجل إنهاء الدورة البرلمانية الراهنة، والتي جاءت بانتخابات مبكرة هي الأخرى، في تشرين الاول 2021، على أن تنتهي أواخر 2025، إلا أنها المرة الأولى التي تأتي على لسان المالكي وبتأييده، بعد أن رفضها، بشدّة، مرتين، ونفى الحاجة لها. 

المالكي قال إنه يدعم إجراء انتخابات مبكرة خلال مدة أقصاها نهاية العام 2024، باعتبار أنها فقرة في البرنامج الحكومي وأن الحكومة ملزمة بتنفيذها، وفي جانب ملفت آخر، دعا أن تُجرَى الانتخابات باعتماد نظام الدوائر المتعددة. 

على الرغم من أن جميع المعطيات تستبعد إجراءها، حتى وُصفت بأنها “ولدت ميتة”، إلّا أن فكرة الانتخابات المبكرة التي شغلت مختلف الأوساط بعد تصريح المالكي، أزاحت شيئاً من ستار ما يحدث داخل الإطار التنسيقي، وما قد يحدث بعد الانتخابات القادمة، مبكرةً كانت أم في موعدها. 

الانتخابات المبكّرة في المنهاج 

في المحور التشريعي لبرنامج السوداني الحكومي، كان تعديل قانون الانتخابات “النيابية” خلال 3 أشهر، وإجراء انتخابات مبكرة خلال عام، واضحاً وصريحاً. 

لم تلتزم حكومة السوداني بشيء من توقيتات برنامجها الزمنية، كما التزمت، بدفع القوى السياسية ونوابها، بتنفيذ فقرة تعديل قانون الانتخابات خلال 3 أشهر، فبعد أن صوّت البرلمان على البرنامج الحكومي للسوداني في كانون الأول 2022، لم يستغرق الأمر سوى 3 أشهر ليرفع أعضاء مجلس النواب في آذار 2023 أيديَهم بالتصويت لصالح تعديل قانون الانتخابات، فأعادوا العمل بقانون الدائرة الواحدة والعودة إلى نظام سانت ليغو. 

لا شكّ في أن الإشارة إلى انتخابات مبكرة، في سياق تعديل قانون الانتخابات “النيابية” في البرنامج الحكومي، هي إشارة إلى الانتخابات البرلمانية، خصوصاً مع مجيئها منفصلةً ومستقلّة ضمن المحور التشريعي، عن الفقرة الأخرى التي يعد فيها السوداني بإجراء انتخابات مجالس المحافظات. 

برنامج حكومة محمد شياع السوداني الذي أعده بعد تكليفه بمنصب رئيس مجلس الوزراء. 

أصبحت فقرة الانتخابات المبكرة الواردة في البرنامج الحكومي “منسية” بفعل العجز عن إجرائها في الموعد المحدد خلال عام، والذي يصادف تقديرياً في كانون الأول من العام 2023، ومزاحمة انتخابات مجالس المحافظات. وعلى الرغم من تكرار الحديث عنها لأكثر من مرة، إلّا أن الهدف دائما ما كان ذاته الذي دفع السوداني لإقحام التعهد بها في برنامجه الحكومي، والمتمثل بـ”إرضاء زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر” أو كسب ودّه أو سكوته على الأقل بشكل استباقي، لكي لا يجد السوداني -الذي يستعد لمسك المنصب- نفسه، في مواجهة مع معارضة قد لا تصمد أمامها حكومة، وبالفعل، لم يصدر عن الصدر أي موقف مضاد لدرجة تهديد حكومة السوداني. 

المالكي يتخلّى  

كانت الدعوة الأولى إلى انتخابات مبكرة خلال هذه الدورة، في آب 2022، من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بعد شهرين من سحب نواب كتلته من البرلمان واستقالتهم، وقبل شهرين من تكليف حكومة السوداني، والتي تزامنت مع إعلان الإطار ترشيح السوداني للمنصب.  

حينها، أبدت معظم القوى السياسية، وعلى رأسهم زعيم “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي، استعداداً لإجراء انتخابات مبكرة “ارضاءً للصدر”، فأدرج السوداني هذا التعهد في برنامجه الحكومي، إلّا أن المالكي كان المصدّ المعارض الوحيد لدعوة الصدر، رافضاً الحديث عن حلِّ البرلمان أو إجراء انتخابات مبكرة قبل انعقاد البرلمان بشكل كامل، أي بعد خلوّه من كتلة الصدر، وهي خطوة قتل من خلالها المالكي دعوة الصدر لانتخابات مبكرة، حتى بعد أن التأم البرلمان الجديد المليء بأعضاء الإطار البدلاء عن الصدريين. 

وفي شباط 2023، كرّر نوري المالكي موقفه الرافض لإجراء انتخابات مبكرة مادامت العملية السياسية جارية ولم يحدث انسداد سياسي، ولم تفشل الحكومة الحالية في إدارة الدولة، وعبّر حينها عن اعتقاده “بأن النتائج الانتخابية وما ترتب عليها من تشكيل الحكومة الحالية وما تقدمه، ممكن أن تستمر إلى نهاية الدورة البرلمانية”، وفي نيسان 2023، عاد المالكي من جديد للقول إن الوضع في العراق بات مستقراً ولا توجد حاجة لإجراء انتخابات مبكرة. 

جميع هذه التأكيدات والمواقف، تخلى عنها المالكي فجأة بحديثه الأخير عن وجود “حاجة” لإجراء انتخابات مبكرة. 

لم يتخلّ المالكي عن رأيه بعدم الحاجة لانتخابات مبكرة فحسب، بل شدد على ضرورة أن تُجرى وفق قانون الدوائر المتعددة، وهو تحوّل غريب وكبير آخر، بعد أن كان أشدَّ معارضي قانون الدوائر المتعددة، حتى قال عنه في السابق بأنه “قانون مضرّ بالعملية السياسية”. 

لكنْ هنالك سياقٌ يمكن وضع دعوة الزعيم الشيعي لإجراء انتخابات مبكرة وميله نحو الدوائر المتعددة فيه، فتبدو مفهومةً إلى حدّ ما، وليس هذا السياق سوى انقسام الإطار على الإطار. 

صحيح أن المعلومة شحيحة في العراق، وليس ما يسرّب على لسان ما يُعرف بالـ”مصدر” موثوقاً، لكنّ تكرار ما سُرب عن الخلاف العميق بين دولة القانون وعلى رأسها المالكي من جهة، وقيس الخزعلي ومن خلفه فصيله المدجّج بالسلاح ومتمدّد النفوذ والمتوغّل حديثاً في مفاصل الحكومة حتى مكتب رئيسها، ليس مجرد تريب للإثارة، فالطرفان اللذان تشاركا جبهة مواجهة التيار الصدري وأزاحاه من مشهد الدورة البرلمانية/ الحكومية الحالية، لا يتفقان بالضرورة على طريقة إدارة ما تبقى لهما وشركائهما، كما أن خشيتهما من “تضخّم السوداني”، وقرب عصائب أهل الحق منه ومن قراره، يخفف غرابة مواقف نوري المالكي الجديدة، فهنالك زاوية لا يمكن تجنّب الوقوف فيها لرؤية المشهد، تلك الزاوية التي يخشى فيها الجميع تكرار ولادة “مالكي” جديد مستغلّاً مقدّرات الدولة عبر منصب رئاسة مجلس الوزراء، ومن الزاوية ذاتها، ستبدو الدعوة لدوائر متعددة، محاولةً لقطع الطريق على السوداني في الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات، خصوصاً وأنه يراهن على شعبيته التي ينميها ويوزعها في جميع أنحاء العراق، وليس بمنطقة دون أخرى كما يمتلك آخرون، لذا، فالدوائر المتعددة “ستحاصر” السوداني، وربما العصائب. ويعزّز ذلك أن حديث المالكي تضمن أيضاً، ضرورة “استقالة التنفيذيين” في حال رغبوا بالمشاركة في الانتخابات، وهي تصويبة إضافية نحو السوداني ووزراء أو مدراء سيكون من بينهم عصائبيون. 

من يستثمر السوداني أولًا؟ 

نجح محمد شياع السوداني بصناعة حالة رضا نسبية في الأوساط الشعبية والسياسية، مستفيداً من الوفرة المالية التي تركها الكاظمي، والبالغة 85 مليار دولار كخزين من احتياطي للبنك المركزي وأكثر من 130 طناً من الذهب، فضلاً عن 22 تريليون دينار كرصيد مدوّر من قانون الأمن الغذائي، وهو أعلى فائض مالي تتسلّمه حكومة جديدة من أخرى سبقتها منذ 2003. 

تظهر موازنة 2021، وهي آخر موازنة أُقِرَتْ قبل تسلّم السوداني الحكومة في تشرين الأول 2022، وجود 3.2 ملايين موظف في وزارات ودوائر الدولة، لكنْ في موازنة 2023، كان هناك 4 ملايين و74 ألفاً، و697 موظفاً، أي أنّ السوداني أضاف أكثر من 800 ألف موظف. ثم ظهر في جداول موازنة 2024، أن الرقم أصبح، 4 ملايين و79 ألفاً، و906 موظفين، أي أنه أضاف أكثر من 5 آلاف موظف آخرين على الملاكات الدائمة، وهذا باستثناء العقود. 

خلال عام واحد، وظّف السوداني ما يعادل رُبعَ عدد الموظفين الإجمالي الذين توظفوا طوال السنوات الماضية، فبينما كان يوجد فقط 3.2 ملايين موظف، قام السوداني بتعيين قرابة المليون موظف خلال فترته، وهو رقم كبير لشراء الولاءات والأصوات الانتخابية. 

ساعد السوداني في ذلك، الارتفاعُ الملحوظُ في أسعار النفط العالمية، فكان أدنى سعر مسجل للبرميل، خلال الفترة بين تولّيه المنصب في تشرين الاول 2022 وحتى حزيران 2024، هو 72 دولاراً في أيار 2023، وتجاوز أعلى سعر الـ95 دولاراً في أيلول 2023، واستقر خلال أغلب الأشهر الأخرى على 80 دولاراً. وبالعموم، بلغ معدل سعر النفط عالمياً، طوال فترة حكم السوداني، 85 دولاراً للبرميل، وفقاً للبيانات التاريخية لأسعار النفط في منصة انفيستنغ

استخدم السوداني هذه الأموال، في تحريك مشاريع راكدة، كانت موجودة وقائمة هي وعقودها، بالإضافة لإطلاق بعض المشاريع الأخرى التي حشّد لها فريقه جهداً إعلامياً وإعلانياً جباراً، فضلاً عن تحقيق مكاسب لبغداد في الأزمة الخلافية مع إقليم كردستان، عبر قرار من المحكمة الاتحادية لتوطين الرواتب، وقرار آخر لمحكمة التحكيم الدولية في باريس بتغريم تركيا وإيقاف تصدير الإقليم للنفط بمعزل عن الحكومة الاتحادية، ما اضطرّ الإقليم للتنازل نسبياً للحصول على رواتب موظفيه وبقية حصته من الميزانية، ما يعني أن مصادفة زمنية أخرى بين قرارات المحكمة ووجود السوداني في المنصب وخلافات الكرد الداخلية، صبّت بالفائدة في رصيد محمد شياع الشعبيّ مرّة والسياسيّ مرتين.   

وسط كل هذا، سيكون الاستثمار بالسوداني “مربحاً”، ستتنازع عليه القوى السياسية، لكنْ يبدو أن المالكي اختار الاستغناء عن هذه الفرصة الاستثمارية، خصوصاً مع مزاحمة حركة عصائب أهل الحق، التي تعيش حالات خلاف وانقسام سياسي مع قوى أخرى، توسّع لانقسام “فصائلي” مع “أخوة السلاح”. 

الانقسام الخشن 

في تشرين الثاني 2023، وبعد أسابيع من انطلاق العمليات العسكرية المساندة لـ”طوفان الأقصى”، قدم الأمين العام لكتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي شكره لعدد من الفصائل المشاركة في “العمليات الجهادية العسكرية”: قائلًا: “تحية إجلال وإكبار للإخوة المجاهدين الذين شاركوا في العمليات الجهادية العسكرية (أنصار الله الأوفياء، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، كتائب حزب الله) تحت راية المقاومة الإسلامية في العراق للنيل من العدو”. 

كشف غياب عصائب أهل الحق عن قائمة الحميداوي، عدم مساهمة العصائب في عمليات الفصائل المقرّبة من إيران ضد المصالح والقواعد الأمريكية، وسبّب إحراجاً كبيراً للعصائب، استدعى ردّاً من المتحدث العسكري لفصيل أهل الحق جواد الطليباوي، فنشر تغريدة “غاضبة” ادّعى فيها أن اعتراضه ناجم عن “ضرورة عدم كشف الحركات والفصائل التي تنفذ العمليات الجهادية”، إلّا أنه “استغرب من ذكر أسماء فصائل وتغييب أخرى”، وهو السبب الحقيقي للغضب العصائبي. 

مؤخراً، في 25 من حزيران، كرر المتحدث باسم حركة النجباء حسين الموسوي عزل عصائب أهل الحق عن الفصائل التي تعمل “في الميدان” عسكرياً، مضيفاً حرجاً آخر للعصائب، وعلى الرغم من أن الموسوي حاول تلطيف الموقف لاحقاً حين أوضح أن استبعاده العصائب لأنهم فصيل كان يعمل بعيداً عن الإعلام، إلى حين آخر اجتماعات “تنسيقية المقاومة”، الذي قال الموسوي إن المانع عن ذكرهم رُفع خلاله، لكنّه لم يكن يعلم، غير أن مدير قناة العهد التابعة لعصائب أهل الحق، المعروف باسم سَنَد الحمداني، وفي منشور على منصةx، وصف التبرير بأنه “عذر أقبح من فعل”، مستخدماً الآية القرآنية: “لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين”. 

ليس غياب العصائب عن “المقاومة الإسلامية” وخطابات فصائلها بالغريب، فالحركة غارقة حتى جبينها في العمل السياسي لإنجاح حكومة السوداني، ولأنها كذلك، كان عليها مراعاة الاعتبارات الدبلوماسية. 

أوجه الاختلاف الأخرى 

ليس بعيداً عن مشهد الفصائل، وفي 26 حزيران، أقالَ رئيسُ هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، مديرَ الأمن والانضباط في الهيئة، المدرج على لوائح الإرهاب الأمريكية والمعروف باسم أبو زينب اللامي، حسب ما تسرب لوسائل الإعلام المحلية وغزاها، وبالطريقة ذاتها وخلال أقلّ من يومين، انتشر خبر تراجع الفياض عن الخطوة. 

حتى اللحظة، وكغيرها من الحالات، تحتجب المعلومة خلف جدران الصمت الحكومي والحزبي والفصائلي، لكن إقالة شخصية مثل “حسين فالح” وهو الاسم الحقيقي للامي، صاحب النفوذ المتشعّب، والذي حُسب سابقاً على أحد أكثر الفصائل العراقية القريبة من إيران قوةً، “كتائب حزب الله”، لا يمكن اتخاذها من الفياض لوحده، ولن يصدّق أحد أنها خطوة خالية من البُعد الخِلافي الذي يضرب الإطار، فصائل وأحزاباً، أو ذلك البعد الذي يتمثل بالتنافس على مناصب تؤمّن نفوذاً أكبر. 

لا يقتصر التفكك الداخلي في الإطار التنسيقي على اختلاف فصيلٍ مسلحٍ وآخر، حزبٍ وحليف، أو كتلة وأخرى، بل تسرّب إلى الكتل ذاتها وصارت تنقسم على نفسها، وبرهان ذلك هو إعلان عالية نصيف، التي تُعَد من أبرز أعضاء ائتلاف دولة القانون طوال السنوات الماضية، انسحابها من الائتلاف وحديثها عن وجود “تمايز وطبقية” داخل الائتلاف، بين المنتمين للأحزاب وبين من وصفتهم بـ”المستقلين” المنضوين بالائتلاف، ثم اتهامها لعضوٍ، لم تُسمِّه، داخل الائتلاف بالقتل والفساد والقرب من نوري المالكي. 

من المتوقع أن نصيّف تخوض صراعها هذا، مع زميل منافس في الحزب والمنطقة السكّانية، وهي صورة أصغر من تلك التي تجسدها الخلافات حول مجالس المحافظات، وتحديدا ديالى، التي لم يُحسم انتخاب محافظها الجديد، بل كادت أكثر من مرّة أن تتفجّر المناوشات بين تحالف الفتح بقيادة زعيم منظمة بدر هادي العامري وائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، على منصب المحافظ، ويبدو أن العامري تراجع عن اتفاقٍ ما، وترك المنصب، للمحافظ السابق القريب منه مثنى التميمي، بعد محاولة فاشلة يتيمة بتقديم مرشح توافقي تبيّن فيما بعد أن عمره لا يسمح بتولّي المنصب. بينما يرى ائتلاف دولة القانون أنه الأحق بالمنصب على الرغم من عدم امتلاكه أيّ مقعد في مجلس محافظة ديالى، لكنّ تسويةً بمقابل المناصب التي لم يحصل عليها في المحافظات الأخرى، كفيلة، حسب وجهة نظر دولة القانون، بانسحاب العامري من مشهد ديالى المعقّد بذاته وترك مثنى التميمي، الذي يمتلك أكبر عدد مقاعد في المجلس، بلا داعم وفريسة لترتيبات المالكي السياسية. 

الصدر.. الصمت 

ملامح الانقسام هذه، والدعوة لانتخابات مبكرة بالطريقة التي طرحها المالكي، تأتي في ظل التزام التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر، الصمت، وعدم إشهار الصدر سيف الاحتجاج ضد السوداني، رئيس الحكومة التي عارض في بادئ الأمر آلية تشكيلها عبر التوافق وليس الأغلبية. فتتدفق التساؤلات عمّا إذا كان الصدر سيدخل هو الآخر كمنافس للاستثمار بالسوداني وضرب غريمَيْه الرئيسيين: يحبط نوري المالكي أولاً، ويسلب الخزعلي نشوة القرب من رئيس وزراء ثانياً. 

لكنْ، وعلى الرغم من تغيير الصدر اسم تياره الى “التيار الوطني الشيعي”، والذي قُرئ سياسياً وشعبياً على أنه استعداد لجولة سياسية جديدة، تستهدف استقطاب الأصوات الصدرية المتشككة والشيعية المشتتة، إلّا أن لا قرارَ واضحاً، حتى الآن، يحسم مستقبل الصدر السياسي في الانتخابات المقبلة، لكنّ الواضح أن الصدر ربما يُضطر، إذا ما عاد، للانصهار في الركن الشيعي الكبير ذي السلاح الغزير، ورجال الدين القادرين على تعرية من يَزيح عن الدرب بسَطْرَين على ورقة. 

عقب انسحابه واستقالة نواب كتلته في حزيران 2022، التقى الصدر بهم لوداعهم، وتعهد قائلًا: هذا عهد بيني وبين الله وبيني وبينكم ومع شعبي، لن أشارك في الانتخابات المقبلة بوجود الفاسدين، إلا إذا فرج الله وازيح الفاسدون وكل من نهب العراق وسرقه وأباح الدماء”، ويبدو العهد الذي قطعه الصدر ثقيلاً، خصوصاً وأن شروطه شبه مستحيلة وغير واضحة المعايير، ومع العهد الذي قطعه الصدر “مع الله”، يصبح فرز وتشخيص وتحقّق الشروط أكثر تعقيداً، إلّا إذا وجد الصدر مخرجاً شرعياً يخلّصه من عهده!، وقبل ذلك، غطاءً شرعياً بعد أن جرّده الحائري الذي يقلده هو وتيارُه من فسحة العمل السياسي وأوصى مقلديه بالعودة لمرجعية علي خامنئي الولي الفقيه لإيران. 

هل ممكن؟ 

دستورياً، ثمة مساران لإجراء انتخابات مبكرة في البلاد وفق المادة 64، ويبدأ كلّ منهما بخطوة أساسية وهي حلّ البرلمان، إما بطلب من رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وهو أمر مستبعد ان يتخذه السوداني، أو عبر المسار الثاني المتمثل بتقديم طلب من ثلث أعضاء البرلمان، ثم تصويت الأغلبية المطلقة من أعضائه لصالح الموافقة على حلّ مجلسهم، فيأتي دور رئيس الجمهورية بالدعوة إلى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة أقصاها 60  يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً ويواصل تصريف الأمور اليومية. 

هذا يعني أنه يتعين أن يقدم 110 نواب طلباً الى رئاسة البرلمان لحلّ المجلس، وتصويت 166 نائباً بالموافقة على حلّ البرلمان، وهو ذات الرقم المطلوب للتصويت على رئيس البرلمان الجديد والذي لم يحظَ به أيُّ مرشحٍ حتى الآن. 

يمتلك ائتلاف دولة القانون 38 مقعداً في البرلمان، ويمتلك المستفيد المحتمل من الانتخابات المبكرة محمد الحلبوسي 33 نائباً، حيث بعد فقدانه منصب رئاسة البرلمان وعضوية البرلمان، بالإضافة الى خسارة أيّ مرشح من تقدم للمنصب واضطراره القبول بمحمود المشهداني مرشحاً توافقياً، والذي لم ينجح هو الآخر بالحصول على المنصب، لن يكون أمام الحلبوسي فرصة أكبر للعودة الى المشهد السياسي بقوة من إجراء انتخابات مبكرة والرهان على المنصب مجدداً، أو إعادته لحزبه، تقدم. 

وبمجموع 71 مقعداً للطرفين المستفيدين، وافتراضِ انضمام 39 نائباً آخر لطلب حلّ البرلمان، لن يكون التصويت لصالحه يسيراً لأن فجوة بسِعة 56 نائباً للوصول إلى 166، ردمها أقرب للمستحيل، خصوصاً وأن فكرة الانتخابات المبكرة لا تلقى رواجاً بين القوى السياسية ولم يُسمع لها صدىً في النجف، حيث المرجعية الدينية العُليا للشيعة، التي يبدو أن صمتها السياسي الذي طال، تعبير عن تفضيلها الهدوء السياسي الداخلي في ظل عاصفة التحديات الكبيرة التي تعيشها المنطقة، والعالم.  

وفي الوقت ذاته، قطعت الحكومة الاتحادية الآمال بإمكانية تسهيل إجراء الانتخابات المبكرة، وبأحسن الأحوال يمكن أن تكون الانتخابات “ربع مبكرة”، أي قبل 3 أشهر فقط من انتهاء عمر الدورة البرلمانية الحالية والحكومة المنبثقة منها، حيث يقول المستشار السياسي للسوداني فادي الشمري، إن “اجراء الانتخابات المبكرة يحتاج إلى تخصيصات مالية ولا يوجد أي تخصيص مالي في الموازنة، فضلا عن حاجة تعديل قانون الانتخابات لـ 6 أشهر، وبعد ذلك تحتاج المفوضية العليا المستقلة للانتخابات إلى 9 أشهر كإجراء عملياتي لإجراء أي استحقاق انتخابي”، وهذا يعني أن هناك حاجة لـ15 شهراً على الأقل من عُمْر الحكومة والبرلمان والذي من المفترض أنه سينتهي بعد 18 شهراً، أي نهاية عام 2025. 

  • ينشر بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”