المحاولات الأولى للدراما العراقية (التسعينات): المحاصرون أمام وخلف الكاميرا (3-3) 

Reem Abd

15 حزيران 2024

سلطة قامعة، ووسط فني مُفقّر مادياً وتكنولوجياً، ومجتمع تحت حصار دولي.. فأي أعمال درامية ستنتج؟ عن الدراما العراقية في تسعينيات العقوبات الدولية

غزا العراق الكويت عام 1990، فاندلعت حرب الخليج الثانية ثم الانتفاضة الشعبانية التي قُمِعَت في الجنوب بقوّة. وتوقفت الحياة. طال الدمار كل شيء.  

الكهرباء قطعت لنحو عام تقريباً، وكانت البنى التحتية للاتصالات قد تضررت بنسبة 70 بالمئة، وتوقف البث التلفزيوني لسلطة البعث، بعد أن تعرضت البنية التحتية لمؤسستيها للقصف أيضاً. وتعطلت، بالمقابل، منظومات التشويش على البث التلفزيوني والإذاعي، ما سمح لبعض الناس ممن يمتلكون تلفزيون يعمل على البطارية، أن يلتقطوا بث القنوات الإيرانية الأرضية، وإذاعات أخرى ممنوعة.  

عمت الفوضى وباتت السلطة ليست بقوتها، بهزيمتها بغزو الكويت، وآثار حرب الخليج الثانية على البلاد والنظام.  

ثم صدر قرار دولي بفرض عقوبات على العراق، صنّفت كأكثر القرارات الدولية قسوة، وبدأ زمن الحصار، وهو زمن استعادت فيه سلطة البعث قوتها مجدداً، وعاد البث التلفزيوني من خلال سيارات متنقلة، ريثما يعاد بناء الاذاعة والتلفزيون. وبعد كل الفوضى، قررت السلطة أن تجمع الناس حول التلفزيون، فطلبت إنتاج مسلسل جديد، لكن أحد ما قرر العودة إلى الرف، والتقاط أشرطة مسلسل “ذئاب الليل”، أشهر مسلسلات “الأكشن” العراقية. 

مسلسل ممنوع 

كان “ذئاب الليل” قد أنتج عام 1989، وهو من تأليف صباح عطوان وإخراج حسن حسني، وإنتاج شركة بابل، لكن الرقابة رفضت عرضه، فرُكِنَ على الرف. 

دارت قصة المسلسل الذي عرض عام 1992 حول عصابة تتألف من أربعة رجال: جواد الشكرجي في دور “سيف ابو جحيل”، رئيس العصابة، وجلال كامل في دور “منذر أبو علج” من عائلة كبيرة، وأخوه الأكبر ضابط كبير في مكافحة الاجرام. وفارس خليل شوقي في دور “أبو فاس”، وهو من عائلة فقيرة انضم إلى العصابة بسبب العوز والفقر. وحسن هادي في دور “نائل”، وهو مراهق والده متوفٍّ ووالدته متزوجة من رجل سكير يعنفها.  

ملصقان لمسلسل ذئاب الليل. 

تحول أبطال العصابة إلى نجوم، والمسلسل إلى أسلوب حياة، وكانت بوسترات العمل ونجومه تعلق في محلات التسجيلات والأسواق وصالونات الحلاقة، أو واجهات محال عادية أو الغرف الشخصية، وهو هوس لم يحدث من قبل مع مسلسل عراقي آخر.  

زاد الطلب على القماصل الجلدية التي ارتداها نجوم العمل، وأصبح مضغ العلكة أمراً رائعاً وشبابياً، لأن “العلكة” كانت لازمة في بناء شخصية أبو علج. 

وإلى الآن، تُعرف سيارة المرسيدس موديل  1983 و1984 التي تسرقها العصابة في إحدى المشاهد باسم “مرسيدس أبو جحيل“. 

بمعيار زمنه، كان النص متطوّر، وشخصياته مكتوبة باتقان، وكذلك اختيار الأبطال وتنفيذ العمل بمواقع تصوير عديدة ومتنوعة، وكان الإيقاع سريع، لم تشهد الدراما العراقية مثله من قبل. 

أدى الممثلون أداء صادقاً، وأصبحت الموسيقى التصويرية التي وضعها نصير شمة، لحناً لا ينساه مشاهدي المسلسل، الذي برهن فيه حسن حسني، مجدداً، على قدرته الإخراجية. 

تأثر الناس بجاذبية شخصيات العمل، وقد أحبوا الشخصية الرجولية الذكورية العنيفة والوسيمة التي تقع أجمل النساء في حبها والتي تحمل السلاح وتقتل الجميع، سواء كانوا أشراراً أم اخياراً، وهذا توفّر في أبطال “ذئاب الليل”. وكان من بين المشاهد الأكثر تأثيراً على المشاهدين عندما تنكر أفراد العصابة ودخلوا على زوج أم نائل، وقاموا بتأديبه وضربه لمنعه من تعنيف ومضايقة أصغر أفراد العصابة وأكثرهم قلقاً. 

مشهد من مسلسل “ذئاب الليل”. 

كانت العصابة تسبق رجال الشرطة الذين كانوا يرتدون السفاري وهو الزي الرسمي لرجالات البعث، بخطوة أو خطوات، ودائماً ما كانت العصابة تتفوق عليهم، وكان ذلك يسعد المشاهدين الكارهين والناقمين على البعث بعد الويلات والكوارث التي ألمت بهم بسبب سياسات صدام حسين. 

لم تحسب السلطة حساب لرد فعل الناس وتفاعلهم مع المسلسل، فكل ما كانت تريده هو عمل تلفزيوني لالهاءهم، وقد استفادت من ساعة عرض المسلسل، لتنفذ بعض حملات الاعتقال الناجحة، مستغلة بذلك التجمعات العائلية وخلو الشوارع  من الناس. 

لكن مسؤولو سلطة البعث اتهموا المسلسل بإشاعة ظاهرة سرقة السيارات التي ترافقت مع فقر مدقع نتيجة للعقوبات الدولية وتغول النظام. وقد رفع صدّام حسين عقوبة سرقة السيارات إلى الإعدام، إلا أنها فاقمت من الجرائم، إذ صار السُرّاق يقتلون أصحاب السيارات لئلا يتركوا شهوداً خلفهم بعد انتهاء السرقة. 

في المسلسل، لم تسمح السلطة بانتصارِ عصابةٍ عليها، فيتردد أن الرقابة أجرت تعديلات على النهاية، أظهرت من خلالها أبطال العمل كما رآهم المشاهدين، بطريقة لا تشبه أصلاً بناء شخصياتهم الجسورة العنيدة طوال الحلقات، إذ يُحاصر ثلاثة منهم داخل بيت، وأثناء الاقتحام يُقتل أبو فاس، ويسلم الآخرين أنفسهم وهم يرتجفون نادمين. وكأن النهاية هي رد اعتبار للسلطة التي تفوقت عليها عصابة أبو جحيل طوال حلقات المسلسل.  

من تتر مسلسل “ذئاب الليل”. 

أعالي الفردوس 

على العكس من أسطورة “أبو جحيل” في مسلسل “ذئاب الليل”، ظهر جواد الشكرجي في “أعالي الفردوس” رجل أعرج فقير، من جرحى ومعاقي الحرب العراقية الإيرانية. يعمل حمّال ويدفع عربة، ويعيش مع والدته داخل بيت بغدادي عتيق، تسكن كل غرفة فيه عائلة، وهذا البيت مملوكاً لأحد تجار الحصار في التسعينات. 

عرض مسلسلأعالي الفردوس” عام 1993، وهو من تأليف صباح عطوان وإخراج نبيل يوسف، وكان رباعية مظلمة، كالظلام الذي خيم على كل شيء في العراق بعد خروجه من حربين مدمرتين، وكانت قصة المسلسل واقعية، تفتح جروح الماضي وتستشرف المستقبل المظلم الذي يتربص بالعراقيين خلال سنوات الجوع والحصار؛ وقد عبرت اغنية (هاي دنيا)، المقدمة التي كتبها ولحنها وغناها فاضل عواد للمسلسل، الكثير من أحداثه وأحداث البلاد، “مو عجيبة تشوف واحد ما يحب غير الظلام/ يحسب الدينار دنيا/ وعينة ع الباطل تنام”. 

جواد الشكرجي في مشهد من “أعالي الفردوس”. 

كانت شخصيات المسلسل تمثل السواد الأعظم من العراقيين، المساكين الذين تاهوا خارج الزمن. ومن ناحية أخرى، يُظِهرُ العمل تُجار الحروب ومصاصي الدماء الجدد، الذين مثل دورهم باتقان الفنان بهجت الجبوري.  

أربع حلقات كانت حصيلة المسلسل بعد أن قصَّته الرقابة وقلصته، وكان عملاً فنياً جيد النص والإخراج والأداء، لكنه، رغم ذلك، لم يحظ باهتمام المشاهدين. رفضوه، ربما، لأنه ذكرهم بمعاناة وجوع وعوز تلك الأيام التي أحاطتهم بسخامها. 

الساهر مسافر.. بلا عودة  

على العكس من “أعالي الفردوس“، ظهر مسلسل المسافر بحبكة تقليدية، وقصّة حب عادية، وتعكزّ على بطله، كاظم الساهر، الذي أخذ يحقق شهرة عربية آنذاك. 

كتب المسلسل صباح عطوان وأخرجه فلاح زكي، وعرض عام 1993، وشاركتا آسيا كمال وسهير إياد الساهر في بطولته.  

دارت حبكة العمل حول قصتي حب يمر بهما الساهر، الأولى من طرف واحد مع اخت الشيخ (الزعيم) التي أدَّت دورها آسيا كمال، والأخرى مع ابنة عمه، التي أدَّت دورها سهير إياد، والتي لم تكتمل لأنه أُبعِدَ عنها إلى قرية قبج في نينوى. 

كانت الحياة الشخصية لكاظم الساهر قد أقحمت في العمل، وليس معروفاً إن كان بالتأثير من المخرج، الذي أراد الاستفادة من شهرة “القيصر” وبإعادة تمثيل مشاهد حقيقية من حياته، أو من الساهر نفسه، الذي عمل معلماً في بداياته، ونشأ في محافظة نينوى التي يُبعد إليها في العمل التلفزيوني، أو ربما بالتوافق بينهما. 

كاظم الساهر وسهير أياد في “المسافر”. 

تشتّت المسلسل بين قصتي حب، أظهرَه وكأنه جزأين تعرض حلقاتهما بالتناوب، ويشتركان بوجود الساهر فيهما.  

وقد ركّز المخرج على شخصية البطل الواحد الذي يعمل جميع من حوله لإبرازه، رغم أن الساهر نفسه، لم يكن ممثلاً جيدّاً في المسلسل، كما لم يظهر ممثلاً جيداً في فيديوهاته الغنائية اللاحقة، ما زاد من ضعف أداء الممثلين. 

من كواليس مسلسل “المسافر”. 

قدّم الساهر في المسلسل مجموعة من الأغنيات التي اشتهرت كثيراً، مثل “شحلو طولك“، و”ابعد عني“، و”مبروك عليك“، و”محروس“، وأغنية مقدمة المسلسل “لا تشكو للناس“، التي أعاد غناءها في حفلاته؛ إلا أنه لطالما تحاشى الحديث عن المسلسل وتفاصيله في لقاءاته. 

زمن الحب والحصار 

أشتدت العقوبات الاقتصادية على العراق، والفقر كان يضرب في الأمعاء كما الدراما العراقية، إذ غابت المواد الخام للتصوير، وتوقف الإنتاج، لكن دخول السيناريست أحمد هاتف، غيّر وجه الدراما العراقية، وكساها ثوباً شبابياً رومانسياً خالياً من التصنع. 

أول أعمال هاتف كان مسلسلإنفلونزا” عام 1995، من إخراج فيضي الفيضي، وهو عن باهر، الشاب المعجب بزميلته في الكلية، لكن والده يصر على تزويجه من ابنة عمه التي تحبه بدورها. 

Top of Form 

ثم مسلسل “هستيريا” عام 1996 من إخراج جمال عبد جاسم. وإذا لم تكن طالباً في الكلية أثناء فترة الحصار، فلن تستوعب السبب وراء نجاح ذاك المسلسل، الذي كان بطله سجاد (حكيم جاسم) نموذجاً للشاب العراقي البسيط الذي يعمل ويدرس في آن واحد، ويقوده قلبه المجنون إلى قصة حب كبيرة مع غسق (تمارة محمود)، ابنة العائلة المتنفذة، عائلة عبد الملك. وكان هناك صراع كبير بين الحب والسلطة والنفوذ، ينتهي بنهاية مأساوية على أنغام أغنية “بعد الحب” للفنان كاظم الساهر. 

حكيم جاسم ومازن محمد مصطفى في مسلسل “هستيريا”. 

اما مسلسل “غرباء” عام 1997، فكان ثورة، وهو من إخراج مخرج الكليبات هشام خالد الذي أخرج أغنية “سمعني كلمة” لرائد جورج وأغنية “لعيونها” لهيثم يوسف، فأخرج المسلسل بطريقة لم تعتاد عليها الشاشة الدرامية. وكان “غرباء” يسلط الضوء على الحياة خلال فترة الحصار، متناولاً ببساطة تأثيره على المجتمع العراقي بشكل عام، وبصورة خاصة على الشباب. 

شجع أسلوب أحمد هاتف الواقعي في تقديم السيناريو والحوار الناس على التفاعل مع الشخصيات. فكانوا يبكون لبكاء عادل (عادل عباس) وهو يبكي حبيبته زينب (هند طالب)، ويضحكون لفكاهة حسن (حيدر منعثر)، الذي كان يغني “يا خوفي من الشهر الجاي لأن ماكو جاي”. ويتعاطفون ويغضبون مع فاروق (مازن محمد) بعنفه وهروبه، وكل ما فيه من تناقضات. وقد أحبوا أحمد (حيدر خالد) الذي مثل الشاب العراقي المفلس الحالم بحياة أفضل الذي يسعى للشهرة والمال والحب، فوقع في حب فتاة من الطبقة العالية، يمام (تمارة محمود). وكرهوا مروان (هشام خالد) بتسريحته التي كانت من أشهر التقليعات في التسعينات تقليداً لتسريحة اللاعب الايطالي روبرتو باجيو والتي كانت بشكل ذيل حصان منخفض. 

أغنية مقدمة “غرباء” كانت انعكاساً لأحلام الشباب الذين لا مستقبل لهم في أيام الحصار. بصوت أحمد حسن وكمانه الباكي، وهو يغني “غربنا الزمن“، التي أصبحت رفيقة العشاق الحالمين، إلى الأغنية القصيرة، صاحبة الكوبليه الواحد “يبقى حبنا” للموسيقار رائد جورج. 

مقدمة مسلسل “غرباء”. 

ثم مسلسلعشاق” عام 1999، إخراج علي أبو سيف، و كان العمل سوداوي مفرط، وقد نسجت شخصياته بطريقة شعرية وتأملية، لكن نقطة ضعفة هي أن أسلوب بعض حواراته كانت أقرب إلى الحوار المسرحي، الذي ينتظر التصفيق عند انتهائه.  

وبعده مسلسلالوحاش” عام 2000 وقد ظلم بسبب مقص الرقابة الذي قطع أوصال العمل وجعل منه لغزاً عصي على الفهم. وقد كان المسلسل التجربة الاخراجية الاولى لأحمد هاتف، التي لم ينجح فيها.   

ملفات المخابرات ومتلازمة رأفت الهجان 

بعد نجاح مسلسل “رأفت الهجان” بأجزائه الثلاثة في مصر، دفعت السلطة العراقية إلى إنتاج نسخ مشابهة له في الهدف، مثل فلم “صخب البحر” الذي كتبه مؤلف الهجان نفسه، فضلاً عن أعمال أخرى، لكنها لم تنفذ نتيجة اندلاع حرب الخليج الثانية وانقطاع العراق عن محيطه العربي.  

لكن حلم استنساخ تجربة رأفت الهجان تحقق في مسلسل “رجال الظل” عام 1996 الذي كتب قصته جمال البدري، وكتب السيناريو والحوار باسم التميمي، وهما مجهولين في الدراما، وأخرج العمل صلاح كرم. 

جسد حسن حسني شخصية حسن البابلي، بطل المسلسل، وهو شاب عراقي يدرس في فرنسا. يتعرض لمحاولة تجنيد من قبل الموساد من خلال ابتزازه جنسياً. ومع ذلك، يقوم بالتوجه إلى المخابرات العراقية التي تساعده في التخلص من شراك الموساد وكشف خلية جاسوسية موجودة في بغداد. 

إعلان مسلسل “رجال الظل”. المصدر: السينما.كوم. 

صور العمل بين العراق وباريس، وعلى الرغم من صعوبات السفر التي واجهها العراقيون خلال فترة الحصار، إلا أن المخرج نجح في اصطحاب حسن حسني وتمارة محمود ويوسف العاني لأداء بعض المشاهد في العاصمة الفرنسية، مما أضفى طابعاً جديداً على العمل، وكانت الموسيقى التصويرية من تأليف رائد جورج التي حصدت الجائزة الذهبية وشهادة تقدير من مهرجان القاهرة الثالث للاذاعة والتلفزيون عام 1997. 

قدم الفنانان محمود أبو العباس وستار البصري في المسلسل أداءً مميزاً، إلا أنه كان هناك أداء مبالغ به من قبل معظم الممثلين بسبب طبيعة العمل التعبوية. كما أن استخدام اللغة العربية الفصحى في الحديث بدلاً من الفرنسية والعبرية، كان خياراً غير موفق. 

حقق العمل متابعة جيدة، على الرغم من أنه لم يبقَ في الذاكرة بشكل كبير كقصة. أما السيناريو، فكان تقريرياً، وخلا من المفاجآت والألغاز. فمنذ الحلقة الأولى، كان الناس يعرفون إلى أين ستتجه الأحداث. وكانت اللحظة الصادمة للمشاهدين في الحلقة الأخيرة في أحد المشاهد التي كان يبدو أنه ليس له داع ومقحم وخارج عن السياق ومثير للانتقاد. فشخصيتي زكية (عواطف السلمان) وعايد (ستار البصري)، اللذين كانا عميلين وخونة، عندما يدركان أنها النهاية وأن الحكومة ستتمكن منهما، يهرعان إلى الأمام العباس ليتمسحا ويتضرعا ويذرفا الدموع عنده على أنغام “لا والله والعباس” تلميحا إلى وصم أكبر طوائف المجتمع بـ”الخيانة”. 

عام 1997، وبالموسيقى التصويرية وباغلب الممثلين -مع اختلاف أدوارهم- كتب صباح عطوان مسلسلاً جديداً وصنّفه كجزء ثان لـ”ذئاب الليل”، وهو لم يشبه الأول إلا في الاسم. 

تحسين صورة السلطة، وخلق أبطال جدد بمقاييس ترضي سياسة الدولة، على عكس الجزء الأول الذي اعتبرته سبباً في فساد الناس وتجاوزهم لها.  

عانى العمل من مشاكل في اختيار الممثلين. فبهجت الجبوري، الذي كان يؤدي شخصية شاهر الأخ الأكبر للضابط بلال (سامي قفطان) ولمنذر أبو علج، صار بطلاً في المسلسل الثاني بشخصية الدعلج. وسناء عبد الرحمن كانت طالبة جامعية تجمعها قصة حب مع منذر، ثم تصبح الراقصة عشيقة الدعلج  في المسلسل الثاني بشخصية مختلفة تماماً. وعبد الجبار كاظم كان من ضباط الشرطة في المسلسل الأول، ويتحول إلى أحد أفراد العصابة المنشقين في المسلسل الثاني، وربما كان دوره سيصبح أكبر لولا وفاته المفاجأة. فقتلت شخصيته في العمل. أما راسم الجميلي، فتتعرض سيارته للسرقة في المسلسل الأول، وينجو من محاولة قتل. يقدم شكوى لدى الشرطة، ويتم التحقيق معه. أما في المسلسل الثاني، يُجرى التحقيق معه بسبب علاقته بضحية قتلت في الحلقة الأولى.  

انتجت شركة بابل المسلسل، وتدور أحداثه حول مجموعة من اللصوص بقيادة “الباش” أو “الدعلج”، الذي أدى شخصيته ببراعة الفنان بهجت الجبوري، برفقة ستار كوسج (محمود أبو العباس)، وعباس الهتر (مقداد عبد الرضا).  

سناء عبد الرحمن وآسيا كمال، الجزء الثاني من ذئاب الليل. 

كانت حبكة العمل جيدة، حيث تسرق العصابة كمية من سبائك الذهب العائدة للدولة العراقية، ثم يتعرضون للخيانة من قبل أفراد آخرين من العصابة نفسها، وهم ستار البصري، ومحمد حسين عبد الرحيم، وعبد الجبار كاظم. وبعد أن يفرج عنهم يبدأون رحلتهم في البحث عن الذهب والسعي للانتقام من الخونة. ولكنهم يصدمون عندما يعلمون أن الخونة قد تحولت أنشطتهم إلى التهريب، فتحدث بينهم سلسلة من المعارك مع مطاردة الشرطة لهم.  

لم تكن العملية سهلة على عصابة الدعلج والشرطة، لأن أفراد العصابة الخونة لديهم علاقات مع المخابرات الإيرانية، التي أدى دورها ريكارديوس يوسف وخالد علي.  كانت عصابة المهربين المنشقة الخائنة تسرق المحطات الكهربائية وتهربها إلى إيران، مما يجعل عصابة الدعلج أمام مهمة وطنية في استعادة المحولات وأجزاء المحطات، ليمثلوا اللصوص الشرفاء، الذين لا يخونون بلدهم رغم لصوصيتهم. 

محمود أبو العباس ومقداد عبد الرضا، الجزء الثاني من ذئاب الليل. 

وفي طريق الانتقام، يقتل عبد الجبار كاظم، وينتقم الدعلج من ثريا (أسيا كمال) التي تركته من أجل الارتباط برجل غني، أدى دوره محسن العزاوي. ويتردد أن جزءاً من طريقة الانتقام قد حذفته الرقابة، وكان الانتقام بهذا الشكل: يأخذ الدعلج مثل الختم الحديدي، ليُكوي به جسد ثريا ويبقي على جسمها ذكرى الانتقام.. ذكرى ووسماً يُلازمانها طول حياتها. فيقول لها بعد أن يكمل انتقامه: “ثريا راح تتذكرين على طول الخيانة الها ثمنها. … ثريا، أنتِ طالق”. 

التنفيذ الفقير 

خلال أعوام 1993 و1994 و1995 تعاون تلفزيون العراق مع شركات الإنتاج التلفزيوني الخاصة والمختلطة لإنتاج مسلسلات وسهرات تلفزيونية، معتمداً بذلك أسلوب التمويل الذاتي، من خلال استثمار عائدات الإعلانات التي يعرضها، وكان يحصل من شركات الإنتاج على نسخة مجانية من المسلسلات لبثها في العراق1.  

ورغم وجود شركات فنية مثل سومر وعشتار وبابل والخليج والوركاء التي أنجزت أعمالاً ونجحت بتسويقها بتحقيق عائد مادي محدود، إلا أن الركود الفني، نتيجة للركود الاقتصادي، كان واضحاً.  

وفي عام 1997 شُرع بإنتاج عمل درامي يسرد قصة نهاية الحكم العثماني في العراق وبدايات الاحتلال الإنجليزي، بهدف إلقاء الضوء على تلك الفترة التاريخية تلك، وإسقاطها وربطها بما كان يواجه نظام البعث من تحديات عالمية بعد غزو الكويت وما تلتها من أحداث. 

كان ذاك العمل هو مسلسل حكايات المدن الثلاث،  الذي عاد من خلاله عادل كاظم مؤلفاً بعد غياب عقد من الزمان، بينما اختير محمد شكري جميل لإخراجه، وهو السينمائي الذي لم يستطع مجاراة طرق السرد وصناعة المشاهد واللقطات التلفزيونية.  

فاطمة الربيعي وسامي قفطان، من مسلسل حكايات المدن الثلاث. 

شارك في العمل معظم الفنانين العراقيين البارزين، رغم ذلك فإن المسلسل كان باهتا، خالياً من المتعة، ولم يبقَ في أذهان المشاهدين، حتى وإن أصر التلفزيون على تكرار عرضه.  

آنذاك، عدّ إنتاج العمل التاريخي أسهل من إنتاج عمل حديث، وذلك للاعتماد على بعض البيوت القديمة أو التراثية لتنفيذ المشاهد بحرية دون الحاجة إلى الاعتماد على مواقع تصوير حديثة كثيرة، فضلاً عن التطلع الى التسويق العربي، على اعتقاد أن تسويق العمل التاريخي سيكون سهل، مقارنة مع قصة مسلسل حديثة تظهر فيها صور أو مظاهر من نظام البعث الحاكم، فيثير حفيظة الدول العربية المقاطعة للعراق، وعلى رأسها دول الخليج. 

الحال هذه، وضع على الاعمال العراقية فيتو خليجي، أي أنها كانت  محظورة، وكانت الدول التي تعرض أعمالاً عراقية تواجه مقاطعة الكويت أو تتعرض لضغوط من قبلها. 

بالمقابل، كان المنفذ الوحيد لتسويق الأعمال العراقية هو الأردن، حيث العمل العراقي المنتج بمبالغ زهيدة (نحو 20 ألف دولار)، يباع أيضاً بمبلغ وأرباح زهيدة إلى الشركات الأردنية، ومن ثم تعمل الأخيرة على تسويقه للقنوات العربية، ودول مثل السودان واليمن والجزائر والمغرب ومورتانيا. وفي نهاية التسعينات، انضمت القنوات الإماراتية لشراء بعض الأعمال العراقية. 

الست وهيبة: المنع والعودة 

عام 1997، سيستثمر فاروق القيسي عمله مع منظمة اليونسيف في إنتاج حملاتها الإعلانية الصحية في العراق وبمساعدة شقيقه الطبيب ناجي القيسي، لصناعة دراما اجتماعية تحتوي على رسائل تثقيفية صحية وإخفائها في سياق الدراما بدلاً من وضعها في إعلانات كانت تثير السخرية والخوف، مثل اعلانات شلل الأطفال والرضاعة الطبيعية.  

المسلسل كان “عالم الست وهبيبة“، الحكاية المجتمعية القاسية نتيجة الحصار الاقتصادي، وقد كتبها صباح عطوان.  

تجتمع هذه الحكاية عند الممرضة وهيبة التي أدت دورها فوزية عارف. لننتقل إلى عبود الضامن بائع السجائر (ستار البصري)، ثم إلى مهدي المُعنَّف (غالب جواد) الذي يتحول إلى لص، وبقية الشخصيات المنهكة والمعذبة.  

عرضت الحلقة الأولى عام 1997، وكانت صادمة للمشاهدين وهم يرون في المشهد الأول الأمن الاقتصادي والصحي يطارد عناصره الباعة المتجولين ويعتقلونهم، لأن الاستيراد ممنوع، وأي شيء مستورد يعتبر تهريباً ويعاقب عليه البائع بالحبس أو في أسوء الحالات بالإعدام. 

في مشهد يقول ضابط الامن لعبود الذي يبيع سجائر مهربة “منو دمر الاقتصاد الوطني؟.. انت وامثالك”. فيرد عبود على ضابط الأمن مستنكراً: “شلون؟! .. عبود دمر الاقتصاد الوطني؟!”.  

بعد عرض الحلقة الأولى، صدر أمر بإيقاف المسلسل وخضع لمراجعة وإعادة تنقيح ومونتاج من جديد، ورُفِعت منه العديد من المشاهد، وسمح بعرضه مرة أخرى عام 1998. كان من ضمن المشاهد المبتكرة وغير المألوفة للمشاهدين هو مشهد نزيف زوجة عبود الحامل، الذي كان جديداً في سياق التلفزيون العراقي في تلك الفترة. 

شعاع وتمارا محمود، من مسلسل “عالم الست وهيبة” 

الشاشتان تتنافسان 

رمضان عام 2000، شهد العراق المنافسة الأولى بين عملين دراميين، وعلى شاشتين مختلفتين، الأولى التلفزيون الرسمي، والثانية تلفزيون “الشباب” التي يمكلها عدي نجل الرئيس، والتي كانت تسرق البرامج والمسلسلات من الفضائيات العربيّة، وتسجلها على أشرطة أرشيف التلفزيون، حاذفة بذلك تاريخ من الأعمال، لتحافظ على إدامة عملها. 

عُرِضَ العملان في الوقت نفسه على كل قناة في الساعة العاشرة مساء، كان ذلك وقت الذروة التي تلحق انتهاء صلاة التراويح على تلفزيون الشباب، وانتهاء نشرة الأخبار على القناة الرسمية. انقسم المتفرج العراقي، أو بالأحرى العوائل العراقية، إلى فريقين. فريق يتابع مسلسل “مناوي باشا” على قناة العراق الرسمية، وآخر يتابع مسلسل “رجل فوق الشبهات” على تلفزيون الشباب.  

بعد مسلسل “الهروب الى الوهم”، كان “رجل فوق الشبهات” العمل الثاني الذي يخرجه جلال كامل، وتعاونه الأول مع صباح عطوان كمؤلف. كان العمل من بطولة كامل نفسه، وعبد الخالق المختار وسناء عبد الرحمن وبهجت الجبوري وآسيا كمال، وشهد الظهور الأول لجبار جودي، نقيب الفنانين الحالي، واياد راضي. 

مشهد من مسلسل رجل فوق الشبهات. 

استندت قصةّ المسلسل على التشويق والإثارة والمطاردة، وتكوّن من 15 حلقة فقط، وهو ما جعل متابعيه ينتقلون إلى مشاهدة مسلسل” مناوي باشا”، المُنافس، على القناة الرسمية، الذي كان من بطولة عبد الخالق المختار وسامي قفطان والاء حسين وسعاد عبدالله وسعد محسن وآخرين. 

كان علي صبري قد ألف عدة مسلسلات منها “خيوط الماضي” و”الواهمون” و”عربة الخوف” و”الفراشات” و”عش الازواج” و”الاشرعة”، لكنه عرف بعد ذلك بصاحب مناوي باشا؛ أما مخرج المسلسل، فارس طعمة التميمي، فقد عمل مساعداً لمخرجين كثر، وكان المخرج المنفذ لمسلسل “عالم الست وهيبة” الناجح، وتوّج عمله بالعمل الذي سيثير مشاكل عشائرية وقانونية. 

فقد وردت بعض الأسماء التي صدف أنها تشابه شخصيات وعائلات لم يكن الكاتب يقصدها أو يقصد الإساءة لها مثل شخصية زكية الداكوكة التي تبين أنها تشابه شخصية حقيقية بالاسم لكنها لم تكن “كاولية” بل كانت “ملاية و”كوالة فواتح”، مما أثار حفيظة أحفادها. ووردت شخصية بهجت النعمة، الذي ظهر كرجل شرير ومتآمر ومتعاون مع الانكليز وصدف ان هناك عائلة حقيقية في البصرة تدعى بيت النعمة، واعتبروا ما ورد في العمل الدرامي اساءة لهم. بطبيعة الحال، أُزيلت بعض الأسماء عندما أعيد عرض “مناوي باشا” مرة ثانية. 

عبد الخالق المختار وآلاء حسين، من مسلسل “مناوي باشا”. 

سنوات الالفية الثانية الأربع 

انقضت حقبة التسعينات بما فيها من تحديات اقتصادية وفنية وتقنية، ولكانها كانت الفترة الأكثر إنتاجاً للاعمال التلفزيونية العراقية، وإن لم تكن أعمالاً ترتقي تقنياً إلى مستوى ما كان يُعرض عربياً. كانت الدراما، رغم ذلك، تقدم، مع استمرار تسويق المسلسلات بمساعدة شركات أردنية، على سبيل المثال، وانتشار وبداية ظهور الفضائيات العربية التي احتاجت إلى ملء ساعات البث الطويلة، وكان العراق ما يزال يقدم إنتاجه بأسعار زهيدة. 

كانت الشركات المسوقة تنجح ببيع المسلسلات التاريخية العراقية، بينما شركات الإنتاج العراقية استسهلت إنجازها، وذلك نتيجة للفقر التقني ولجعل العمل غير واضح المرامي السياسية، بجعل القصة والملابس والديكورات تاريخية، واللغة عربية فصحى. 

وكان أشهر المؤلفين لتلك المسلسلات آنذاك فاروق محمد، الذي كتب مسلسل “القلم والمحنة” عام 2000، إخراج قحطان عبد الجليل، وهو حكاية عن شيخ الخطاطين والوزير العباسي ابن مقلة. وأيضاً مسلسل “شخصيات لم ينصفها التاريخ” عام 2001، ايضاً إخراج قحطان عبد الجليل، ومسلسل “الإمام الشافعي” عُرض عام 2002، إخراج هاشم أبو عراق

عام 2003، قصفت قوات الاحتلال الأمريكي مبنى الإذاعة والتلفزيون لثلاث مرات، وتعرض بعد ذلك، كحال مؤسسات الدولة الأخرى، إلى عمليات النهب ، فضلاً عن إفراغ محتوياته من قبل عصابات منظمة، ولم يكن هناك إنتاج يُذكر، حتى بعد إعادة البث.  

لكن وسط أصوات تحليق الطائرات الأمريكية في سماء بغداد عام 2004، أنتج مسلسل “رهين المحبسين” الذي يحكي سيرة حياة الشاعر أبو العلاء المعري. 

نفذ المخرج علي أبو سيف العمل وسط غياب الأساليب التقنية، وانقطاع التيار الكهربائي، والانفجارات اليومية والمخاطر الأمنية، ولم يكن فريقه حينها يملك سوى ميكروفوناً واحداً وكاميرا قديمة وكشافاً وصندوق مكياج فقير. 

واقع الحال، شكت الأعمال التاريخية الأربع من التصرف بالتاريخ، وبالمَسرَحة والخطابة، أما التنفيذ فكان بدائياً، يخلوا من المتعة البصرية. 

كريم محسن، من “رهين المحبسين”. 

بـ”رهين الحبس”، قمت بتغطية أكثر من 4 عقود من الإنتاج الدرامي في العراق، وهي كانت عقود مليئة بالتحديات والتخبط والفشل، والقليل من النجاح في إنتاج أعمال متكاملة تقريبا. 

(3-3) 

اعتمد هذا المقال على بحث: “الدراما العراقية في عقود أربع” لـكاروان جبار. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

غزا العراق الكويت عام 1990، فاندلعت حرب الخليج الثانية ثم الانتفاضة الشعبانية التي قُمِعَت في الجنوب بقوّة. وتوقفت الحياة. طال الدمار كل شيء.  

الكهرباء قطعت لنحو عام تقريباً، وكانت البنى التحتية للاتصالات قد تضررت بنسبة 70 بالمئة، وتوقف البث التلفزيوني لسلطة البعث، بعد أن تعرضت البنية التحتية لمؤسستيها للقصف أيضاً. وتعطلت، بالمقابل، منظومات التشويش على البث التلفزيوني والإذاعي، ما سمح لبعض الناس ممن يمتلكون تلفزيون يعمل على البطارية، أن يلتقطوا بث القنوات الإيرانية الأرضية، وإذاعات أخرى ممنوعة.  

عمت الفوضى وباتت السلطة ليست بقوتها، بهزيمتها بغزو الكويت، وآثار حرب الخليج الثانية على البلاد والنظام.  

ثم صدر قرار دولي بفرض عقوبات على العراق، صنّفت كأكثر القرارات الدولية قسوة، وبدأ زمن الحصار، وهو زمن استعادت فيه سلطة البعث قوتها مجدداً، وعاد البث التلفزيوني من خلال سيارات متنقلة، ريثما يعاد بناء الاذاعة والتلفزيون. وبعد كل الفوضى، قررت السلطة أن تجمع الناس حول التلفزيون، فطلبت إنتاج مسلسل جديد، لكن أحد ما قرر العودة إلى الرف، والتقاط أشرطة مسلسل “ذئاب الليل”، أشهر مسلسلات “الأكشن” العراقية. 

مسلسل ممنوع 

كان “ذئاب الليل” قد أنتج عام 1989، وهو من تأليف صباح عطوان وإخراج حسن حسني، وإنتاج شركة بابل، لكن الرقابة رفضت عرضه، فرُكِنَ على الرف. 

دارت قصة المسلسل الذي عرض عام 1992 حول عصابة تتألف من أربعة رجال: جواد الشكرجي في دور “سيف ابو جحيل”، رئيس العصابة، وجلال كامل في دور “منذر أبو علج” من عائلة كبيرة، وأخوه الأكبر ضابط كبير في مكافحة الاجرام. وفارس خليل شوقي في دور “أبو فاس”، وهو من عائلة فقيرة انضم إلى العصابة بسبب العوز والفقر. وحسن هادي في دور “نائل”، وهو مراهق والده متوفٍّ ووالدته متزوجة من رجل سكير يعنفها.  

ملصقان لمسلسل ذئاب الليل. 

تحول أبطال العصابة إلى نجوم، والمسلسل إلى أسلوب حياة، وكانت بوسترات العمل ونجومه تعلق في محلات التسجيلات والأسواق وصالونات الحلاقة، أو واجهات محال عادية أو الغرف الشخصية، وهو هوس لم يحدث من قبل مع مسلسل عراقي آخر.  

زاد الطلب على القماصل الجلدية التي ارتداها نجوم العمل، وأصبح مضغ العلكة أمراً رائعاً وشبابياً، لأن “العلكة” كانت لازمة في بناء شخصية أبو علج. 

وإلى الآن، تُعرف سيارة المرسيدس موديل  1983 و1984 التي تسرقها العصابة في إحدى المشاهد باسم “مرسيدس أبو جحيل“. 

بمعيار زمنه، كان النص متطوّر، وشخصياته مكتوبة باتقان، وكذلك اختيار الأبطال وتنفيذ العمل بمواقع تصوير عديدة ومتنوعة، وكان الإيقاع سريع، لم تشهد الدراما العراقية مثله من قبل. 

أدى الممثلون أداء صادقاً، وأصبحت الموسيقى التصويرية التي وضعها نصير شمة، لحناً لا ينساه مشاهدي المسلسل، الذي برهن فيه حسن حسني، مجدداً، على قدرته الإخراجية. 

تأثر الناس بجاذبية شخصيات العمل، وقد أحبوا الشخصية الرجولية الذكورية العنيفة والوسيمة التي تقع أجمل النساء في حبها والتي تحمل السلاح وتقتل الجميع، سواء كانوا أشراراً أم اخياراً، وهذا توفّر في أبطال “ذئاب الليل”. وكان من بين المشاهد الأكثر تأثيراً على المشاهدين عندما تنكر أفراد العصابة ودخلوا على زوج أم نائل، وقاموا بتأديبه وضربه لمنعه من تعنيف ومضايقة أصغر أفراد العصابة وأكثرهم قلقاً. 

مشهد من مسلسل “ذئاب الليل”. 

كانت العصابة تسبق رجال الشرطة الذين كانوا يرتدون السفاري وهو الزي الرسمي لرجالات البعث، بخطوة أو خطوات، ودائماً ما كانت العصابة تتفوق عليهم، وكان ذلك يسعد المشاهدين الكارهين والناقمين على البعث بعد الويلات والكوارث التي ألمت بهم بسبب سياسات صدام حسين. 

لم تحسب السلطة حساب لرد فعل الناس وتفاعلهم مع المسلسل، فكل ما كانت تريده هو عمل تلفزيوني لالهاءهم، وقد استفادت من ساعة عرض المسلسل، لتنفذ بعض حملات الاعتقال الناجحة، مستغلة بذلك التجمعات العائلية وخلو الشوارع  من الناس. 

لكن مسؤولو سلطة البعث اتهموا المسلسل بإشاعة ظاهرة سرقة السيارات التي ترافقت مع فقر مدقع نتيجة للعقوبات الدولية وتغول النظام. وقد رفع صدّام حسين عقوبة سرقة السيارات إلى الإعدام، إلا أنها فاقمت من الجرائم، إذ صار السُرّاق يقتلون أصحاب السيارات لئلا يتركوا شهوداً خلفهم بعد انتهاء السرقة. 

في المسلسل، لم تسمح السلطة بانتصارِ عصابةٍ عليها، فيتردد أن الرقابة أجرت تعديلات على النهاية، أظهرت من خلالها أبطال العمل كما رآهم المشاهدين، بطريقة لا تشبه أصلاً بناء شخصياتهم الجسورة العنيدة طوال الحلقات، إذ يُحاصر ثلاثة منهم داخل بيت، وأثناء الاقتحام يُقتل أبو فاس، ويسلم الآخرين أنفسهم وهم يرتجفون نادمين. وكأن النهاية هي رد اعتبار للسلطة التي تفوقت عليها عصابة أبو جحيل طوال حلقات المسلسل.  

من تتر مسلسل “ذئاب الليل”. 

أعالي الفردوس 

على العكس من أسطورة “أبو جحيل” في مسلسل “ذئاب الليل”، ظهر جواد الشكرجي في “أعالي الفردوس” رجل أعرج فقير، من جرحى ومعاقي الحرب العراقية الإيرانية. يعمل حمّال ويدفع عربة، ويعيش مع والدته داخل بيت بغدادي عتيق، تسكن كل غرفة فيه عائلة، وهذا البيت مملوكاً لأحد تجار الحصار في التسعينات. 

عرض مسلسلأعالي الفردوس” عام 1993، وهو من تأليف صباح عطوان وإخراج نبيل يوسف، وكان رباعية مظلمة، كالظلام الذي خيم على كل شيء في العراق بعد خروجه من حربين مدمرتين، وكانت قصة المسلسل واقعية، تفتح جروح الماضي وتستشرف المستقبل المظلم الذي يتربص بالعراقيين خلال سنوات الجوع والحصار؛ وقد عبرت اغنية (هاي دنيا)، المقدمة التي كتبها ولحنها وغناها فاضل عواد للمسلسل، الكثير من أحداثه وأحداث البلاد، “مو عجيبة تشوف واحد ما يحب غير الظلام/ يحسب الدينار دنيا/ وعينة ع الباطل تنام”. 

جواد الشكرجي في مشهد من “أعالي الفردوس”. 

كانت شخصيات المسلسل تمثل السواد الأعظم من العراقيين، المساكين الذين تاهوا خارج الزمن. ومن ناحية أخرى، يُظِهرُ العمل تُجار الحروب ومصاصي الدماء الجدد، الذين مثل دورهم باتقان الفنان بهجت الجبوري.  

أربع حلقات كانت حصيلة المسلسل بعد أن قصَّته الرقابة وقلصته، وكان عملاً فنياً جيد النص والإخراج والأداء، لكنه، رغم ذلك، لم يحظ باهتمام المشاهدين. رفضوه، ربما، لأنه ذكرهم بمعاناة وجوع وعوز تلك الأيام التي أحاطتهم بسخامها. 

الساهر مسافر.. بلا عودة  

على العكس من “أعالي الفردوس“، ظهر مسلسل المسافر بحبكة تقليدية، وقصّة حب عادية، وتعكزّ على بطله، كاظم الساهر، الذي أخذ يحقق شهرة عربية آنذاك. 

كتب المسلسل صباح عطوان وأخرجه فلاح زكي، وعرض عام 1993، وشاركتا آسيا كمال وسهير إياد الساهر في بطولته.  

دارت حبكة العمل حول قصتي حب يمر بهما الساهر، الأولى من طرف واحد مع اخت الشيخ (الزعيم) التي أدَّت دورها آسيا كمال، والأخرى مع ابنة عمه، التي أدَّت دورها سهير إياد، والتي لم تكتمل لأنه أُبعِدَ عنها إلى قرية قبج في نينوى. 

كانت الحياة الشخصية لكاظم الساهر قد أقحمت في العمل، وليس معروفاً إن كان بالتأثير من المخرج، الذي أراد الاستفادة من شهرة “القيصر” وبإعادة تمثيل مشاهد حقيقية من حياته، أو من الساهر نفسه، الذي عمل معلماً في بداياته، ونشأ في محافظة نينوى التي يُبعد إليها في العمل التلفزيوني، أو ربما بالتوافق بينهما. 

كاظم الساهر وسهير أياد في “المسافر”. 

تشتّت المسلسل بين قصتي حب، أظهرَه وكأنه جزأين تعرض حلقاتهما بالتناوب، ويشتركان بوجود الساهر فيهما.  

وقد ركّز المخرج على شخصية البطل الواحد الذي يعمل جميع من حوله لإبرازه، رغم أن الساهر نفسه، لم يكن ممثلاً جيدّاً في المسلسل، كما لم يظهر ممثلاً جيداً في فيديوهاته الغنائية اللاحقة، ما زاد من ضعف أداء الممثلين. 

من كواليس مسلسل “المسافر”. 

قدّم الساهر في المسلسل مجموعة من الأغنيات التي اشتهرت كثيراً، مثل “شحلو طولك“، و”ابعد عني“، و”مبروك عليك“، و”محروس“، وأغنية مقدمة المسلسل “لا تشكو للناس“، التي أعاد غناءها في حفلاته؛ إلا أنه لطالما تحاشى الحديث عن المسلسل وتفاصيله في لقاءاته. 

زمن الحب والحصار 

أشتدت العقوبات الاقتصادية على العراق، والفقر كان يضرب في الأمعاء كما الدراما العراقية، إذ غابت المواد الخام للتصوير، وتوقف الإنتاج، لكن دخول السيناريست أحمد هاتف، غيّر وجه الدراما العراقية، وكساها ثوباً شبابياً رومانسياً خالياً من التصنع. 

أول أعمال هاتف كان مسلسلإنفلونزا” عام 1995، من إخراج فيضي الفيضي، وهو عن باهر، الشاب المعجب بزميلته في الكلية، لكن والده يصر على تزويجه من ابنة عمه التي تحبه بدورها. 

Top of Form 

ثم مسلسل “هستيريا” عام 1996 من إخراج جمال عبد جاسم. وإذا لم تكن طالباً في الكلية أثناء فترة الحصار، فلن تستوعب السبب وراء نجاح ذاك المسلسل، الذي كان بطله سجاد (حكيم جاسم) نموذجاً للشاب العراقي البسيط الذي يعمل ويدرس في آن واحد، ويقوده قلبه المجنون إلى قصة حب كبيرة مع غسق (تمارة محمود)، ابنة العائلة المتنفذة، عائلة عبد الملك. وكان هناك صراع كبير بين الحب والسلطة والنفوذ، ينتهي بنهاية مأساوية على أنغام أغنية “بعد الحب” للفنان كاظم الساهر. 

حكيم جاسم ومازن محمد مصطفى في مسلسل “هستيريا”. 

اما مسلسل “غرباء” عام 1997، فكان ثورة، وهو من إخراج مخرج الكليبات هشام خالد الذي أخرج أغنية “سمعني كلمة” لرائد جورج وأغنية “لعيونها” لهيثم يوسف، فأخرج المسلسل بطريقة لم تعتاد عليها الشاشة الدرامية. وكان “غرباء” يسلط الضوء على الحياة خلال فترة الحصار، متناولاً ببساطة تأثيره على المجتمع العراقي بشكل عام، وبصورة خاصة على الشباب. 

شجع أسلوب أحمد هاتف الواقعي في تقديم السيناريو والحوار الناس على التفاعل مع الشخصيات. فكانوا يبكون لبكاء عادل (عادل عباس) وهو يبكي حبيبته زينب (هند طالب)، ويضحكون لفكاهة حسن (حيدر منعثر)، الذي كان يغني “يا خوفي من الشهر الجاي لأن ماكو جاي”. ويتعاطفون ويغضبون مع فاروق (مازن محمد) بعنفه وهروبه، وكل ما فيه من تناقضات. وقد أحبوا أحمد (حيدر خالد) الذي مثل الشاب العراقي المفلس الحالم بحياة أفضل الذي يسعى للشهرة والمال والحب، فوقع في حب فتاة من الطبقة العالية، يمام (تمارة محمود). وكرهوا مروان (هشام خالد) بتسريحته التي كانت من أشهر التقليعات في التسعينات تقليداً لتسريحة اللاعب الايطالي روبرتو باجيو والتي كانت بشكل ذيل حصان منخفض. 

أغنية مقدمة “غرباء” كانت انعكاساً لأحلام الشباب الذين لا مستقبل لهم في أيام الحصار. بصوت أحمد حسن وكمانه الباكي، وهو يغني “غربنا الزمن“، التي أصبحت رفيقة العشاق الحالمين، إلى الأغنية القصيرة، صاحبة الكوبليه الواحد “يبقى حبنا” للموسيقار رائد جورج. 

مقدمة مسلسل “غرباء”. 

ثم مسلسلعشاق” عام 1999، إخراج علي أبو سيف، و كان العمل سوداوي مفرط، وقد نسجت شخصياته بطريقة شعرية وتأملية، لكن نقطة ضعفة هي أن أسلوب بعض حواراته كانت أقرب إلى الحوار المسرحي، الذي ينتظر التصفيق عند انتهائه.  

وبعده مسلسلالوحاش” عام 2000 وقد ظلم بسبب مقص الرقابة الذي قطع أوصال العمل وجعل منه لغزاً عصي على الفهم. وقد كان المسلسل التجربة الاخراجية الاولى لأحمد هاتف، التي لم ينجح فيها.   

ملفات المخابرات ومتلازمة رأفت الهجان 

بعد نجاح مسلسل “رأفت الهجان” بأجزائه الثلاثة في مصر، دفعت السلطة العراقية إلى إنتاج نسخ مشابهة له في الهدف، مثل فلم “صخب البحر” الذي كتبه مؤلف الهجان نفسه، فضلاً عن أعمال أخرى، لكنها لم تنفذ نتيجة اندلاع حرب الخليج الثانية وانقطاع العراق عن محيطه العربي.  

لكن حلم استنساخ تجربة رأفت الهجان تحقق في مسلسل “رجال الظل” عام 1996 الذي كتب قصته جمال البدري، وكتب السيناريو والحوار باسم التميمي، وهما مجهولين في الدراما، وأخرج العمل صلاح كرم. 

جسد حسن حسني شخصية حسن البابلي، بطل المسلسل، وهو شاب عراقي يدرس في فرنسا. يتعرض لمحاولة تجنيد من قبل الموساد من خلال ابتزازه جنسياً. ومع ذلك، يقوم بالتوجه إلى المخابرات العراقية التي تساعده في التخلص من شراك الموساد وكشف خلية جاسوسية موجودة في بغداد. 

إعلان مسلسل “رجال الظل”. المصدر: السينما.كوم. 

صور العمل بين العراق وباريس، وعلى الرغم من صعوبات السفر التي واجهها العراقيون خلال فترة الحصار، إلا أن المخرج نجح في اصطحاب حسن حسني وتمارة محمود ويوسف العاني لأداء بعض المشاهد في العاصمة الفرنسية، مما أضفى طابعاً جديداً على العمل، وكانت الموسيقى التصويرية من تأليف رائد جورج التي حصدت الجائزة الذهبية وشهادة تقدير من مهرجان القاهرة الثالث للاذاعة والتلفزيون عام 1997. 

قدم الفنانان محمود أبو العباس وستار البصري في المسلسل أداءً مميزاً، إلا أنه كان هناك أداء مبالغ به من قبل معظم الممثلين بسبب طبيعة العمل التعبوية. كما أن استخدام اللغة العربية الفصحى في الحديث بدلاً من الفرنسية والعبرية، كان خياراً غير موفق. 

حقق العمل متابعة جيدة، على الرغم من أنه لم يبقَ في الذاكرة بشكل كبير كقصة. أما السيناريو، فكان تقريرياً، وخلا من المفاجآت والألغاز. فمنذ الحلقة الأولى، كان الناس يعرفون إلى أين ستتجه الأحداث. وكانت اللحظة الصادمة للمشاهدين في الحلقة الأخيرة في أحد المشاهد التي كان يبدو أنه ليس له داع ومقحم وخارج عن السياق ومثير للانتقاد. فشخصيتي زكية (عواطف السلمان) وعايد (ستار البصري)، اللذين كانا عميلين وخونة، عندما يدركان أنها النهاية وأن الحكومة ستتمكن منهما، يهرعان إلى الأمام العباس ليتمسحا ويتضرعا ويذرفا الدموع عنده على أنغام “لا والله والعباس” تلميحا إلى وصم أكبر طوائف المجتمع بـ”الخيانة”. 

عام 1997، وبالموسيقى التصويرية وباغلب الممثلين -مع اختلاف أدوارهم- كتب صباح عطوان مسلسلاً جديداً وصنّفه كجزء ثان لـ”ذئاب الليل”، وهو لم يشبه الأول إلا في الاسم. 

تحسين صورة السلطة، وخلق أبطال جدد بمقاييس ترضي سياسة الدولة، على عكس الجزء الأول الذي اعتبرته سبباً في فساد الناس وتجاوزهم لها.  

عانى العمل من مشاكل في اختيار الممثلين. فبهجت الجبوري، الذي كان يؤدي شخصية شاهر الأخ الأكبر للضابط بلال (سامي قفطان) ولمنذر أبو علج، صار بطلاً في المسلسل الثاني بشخصية الدعلج. وسناء عبد الرحمن كانت طالبة جامعية تجمعها قصة حب مع منذر، ثم تصبح الراقصة عشيقة الدعلج  في المسلسل الثاني بشخصية مختلفة تماماً. وعبد الجبار كاظم كان من ضباط الشرطة في المسلسل الأول، ويتحول إلى أحد أفراد العصابة المنشقين في المسلسل الثاني، وربما كان دوره سيصبح أكبر لولا وفاته المفاجأة. فقتلت شخصيته في العمل. أما راسم الجميلي، فتتعرض سيارته للسرقة في المسلسل الأول، وينجو من محاولة قتل. يقدم شكوى لدى الشرطة، ويتم التحقيق معه. أما في المسلسل الثاني، يُجرى التحقيق معه بسبب علاقته بضحية قتلت في الحلقة الأولى.  

انتجت شركة بابل المسلسل، وتدور أحداثه حول مجموعة من اللصوص بقيادة “الباش” أو “الدعلج”، الذي أدى شخصيته ببراعة الفنان بهجت الجبوري، برفقة ستار كوسج (محمود أبو العباس)، وعباس الهتر (مقداد عبد الرضا).  

سناء عبد الرحمن وآسيا كمال، الجزء الثاني من ذئاب الليل. 

كانت حبكة العمل جيدة، حيث تسرق العصابة كمية من سبائك الذهب العائدة للدولة العراقية، ثم يتعرضون للخيانة من قبل أفراد آخرين من العصابة نفسها، وهم ستار البصري، ومحمد حسين عبد الرحيم، وعبد الجبار كاظم. وبعد أن يفرج عنهم يبدأون رحلتهم في البحث عن الذهب والسعي للانتقام من الخونة. ولكنهم يصدمون عندما يعلمون أن الخونة قد تحولت أنشطتهم إلى التهريب، فتحدث بينهم سلسلة من المعارك مع مطاردة الشرطة لهم.  

لم تكن العملية سهلة على عصابة الدعلج والشرطة، لأن أفراد العصابة الخونة لديهم علاقات مع المخابرات الإيرانية، التي أدى دورها ريكارديوس يوسف وخالد علي.  كانت عصابة المهربين المنشقة الخائنة تسرق المحطات الكهربائية وتهربها إلى إيران، مما يجعل عصابة الدعلج أمام مهمة وطنية في استعادة المحولات وأجزاء المحطات، ليمثلوا اللصوص الشرفاء، الذين لا يخونون بلدهم رغم لصوصيتهم. 

محمود أبو العباس ومقداد عبد الرضا، الجزء الثاني من ذئاب الليل. 

وفي طريق الانتقام، يقتل عبد الجبار كاظم، وينتقم الدعلج من ثريا (أسيا كمال) التي تركته من أجل الارتباط برجل غني، أدى دوره محسن العزاوي. ويتردد أن جزءاً من طريقة الانتقام قد حذفته الرقابة، وكان الانتقام بهذا الشكل: يأخذ الدعلج مثل الختم الحديدي، ليُكوي به جسد ثريا ويبقي على جسمها ذكرى الانتقام.. ذكرى ووسماً يُلازمانها طول حياتها. فيقول لها بعد أن يكمل انتقامه: “ثريا راح تتذكرين على طول الخيانة الها ثمنها. … ثريا، أنتِ طالق”. 

التنفيذ الفقير 

خلال أعوام 1993 و1994 و1995 تعاون تلفزيون العراق مع شركات الإنتاج التلفزيوني الخاصة والمختلطة لإنتاج مسلسلات وسهرات تلفزيونية، معتمداً بذلك أسلوب التمويل الذاتي، من خلال استثمار عائدات الإعلانات التي يعرضها، وكان يحصل من شركات الإنتاج على نسخة مجانية من المسلسلات لبثها في العراق1.  

ورغم وجود شركات فنية مثل سومر وعشتار وبابل والخليج والوركاء التي أنجزت أعمالاً ونجحت بتسويقها بتحقيق عائد مادي محدود، إلا أن الركود الفني، نتيجة للركود الاقتصادي، كان واضحاً.  

وفي عام 1997 شُرع بإنتاج عمل درامي يسرد قصة نهاية الحكم العثماني في العراق وبدايات الاحتلال الإنجليزي، بهدف إلقاء الضوء على تلك الفترة التاريخية تلك، وإسقاطها وربطها بما كان يواجه نظام البعث من تحديات عالمية بعد غزو الكويت وما تلتها من أحداث. 

كان ذاك العمل هو مسلسل حكايات المدن الثلاث،  الذي عاد من خلاله عادل كاظم مؤلفاً بعد غياب عقد من الزمان، بينما اختير محمد شكري جميل لإخراجه، وهو السينمائي الذي لم يستطع مجاراة طرق السرد وصناعة المشاهد واللقطات التلفزيونية.  

فاطمة الربيعي وسامي قفطان، من مسلسل حكايات المدن الثلاث. 

شارك في العمل معظم الفنانين العراقيين البارزين، رغم ذلك فإن المسلسل كان باهتا، خالياً من المتعة، ولم يبقَ في أذهان المشاهدين، حتى وإن أصر التلفزيون على تكرار عرضه.  

آنذاك، عدّ إنتاج العمل التاريخي أسهل من إنتاج عمل حديث، وذلك للاعتماد على بعض البيوت القديمة أو التراثية لتنفيذ المشاهد بحرية دون الحاجة إلى الاعتماد على مواقع تصوير حديثة كثيرة، فضلاً عن التطلع الى التسويق العربي، على اعتقاد أن تسويق العمل التاريخي سيكون سهل، مقارنة مع قصة مسلسل حديثة تظهر فيها صور أو مظاهر من نظام البعث الحاكم، فيثير حفيظة الدول العربية المقاطعة للعراق، وعلى رأسها دول الخليج. 

الحال هذه، وضع على الاعمال العراقية فيتو خليجي، أي أنها كانت  محظورة، وكانت الدول التي تعرض أعمالاً عراقية تواجه مقاطعة الكويت أو تتعرض لضغوط من قبلها. 

بالمقابل، كان المنفذ الوحيد لتسويق الأعمال العراقية هو الأردن، حيث العمل العراقي المنتج بمبالغ زهيدة (نحو 20 ألف دولار)، يباع أيضاً بمبلغ وأرباح زهيدة إلى الشركات الأردنية، ومن ثم تعمل الأخيرة على تسويقه للقنوات العربية، ودول مثل السودان واليمن والجزائر والمغرب ومورتانيا. وفي نهاية التسعينات، انضمت القنوات الإماراتية لشراء بعض الأعمال العراقية. 

الست وهيبة: المنع والعودة 

عام 1997، سيستثمر فاروق القيسي عمله مع منظمة اليونسيف في إنتاج حملاتها الإعلانية الصحية في العراق وبمساعدة شقيقه الطبيب ناجي القيسي، لصناعة دراما اجتماعية تحتوي على رسائل تثقيفية صحية وإخفائها في سياق الدراما بدلاً من وضعها في إعلانات كانت تثير السخرية والخوف، مثل اعلانات شلل الأطفال والرضاعة الطبيعية.  

المسلسل كان “عالم الست وهبيبة“، الحكاية المجتمعية القاسية نتيجة الحصار الاقتصادي، وقد كتبها صباح عطوان.  

تجتمع هذه الحكاية عند الممرضة وهيبة التي أدت دورها فوزية عارف. لننتقل إلى عبود الضامن بائع السجائر (ستار البصري)، ثم إلى مهدي المُعنَّف (غالب جواد) الذي يتحول إلى لص، وبقية الشخصيات المنهكة والمعذبة.  

عرضت الحلقة الأولى عام 1997، وكانت صادمة للمشاهدين وهم يرون في المشهد الأول الأمن الاقتصادي والصحي يطارد عناصره الباعة المتجولين ويعتقلونهم، لأن الاستيراد ممنوع، وأي شيء مستورد يعتبر تهريباً ويعاقب عليه البائع بالحبس أو في أسوء الحالات بالإعدام. 

في مشهد يقول ضابط الامن لعبود الذي يبيع سجائر مهربة “منو دمر الاقتصاد الوطني؟.. انت وامثالك”. فيرد عبود على ضابط الأمن مستنكراً: “شلون؟! .. عبود دمر الاقتصاد الوطني؟!”.  

بعد عرض الحلقة الأولى، صدر أمر بإيقاف المسلسل وخضع لمراجعة وإعادة تنقيح ومونتاج من جديد، ورُفِعت منه العديد من المشاهد، وسمح بعرضه مرة أخرى عام 1998. كان من ضمن المشاهد المبتكرة وغير المألوفة للمشاهدين هو مشهد نزيف زوجة عبود الحامل، الذي كان جديداً في سياق التلفزيون العراقي في تلك الفترة. 

شعاع وتمارا محمود، من مسلسل “عالم الست وهيبة” 

الشاشتان تتنافسان 

رمضان عام 2000، شهد العراق المنافسة الأولى بين عملين دراميين، وعلى شاشتين مختلفتين، الأولى التلفزيون الرسمي، والثانية تلفزيون “الشباب” التي يمكلها عدي نجل الرئيس، والتي كانت تسرق البرامج والمسلسلات من الفضائيات العربيّة، وتسجلها على أشرطة أرشيف التلفزيون، حاذفة بذلك تاريخ من الأعمال، لتحافظ على إدامة عملها. 

عُرِضَ العملان في الوقت نفسه على كل قناة في الساعة العاشرة مساء، كان ذلك وقت الذروة التي تلحق انتهاء صلاة التراويح على تلفزيون الشباب، وانتهاء نشرة الأخبار على القناة الرسمية. انقسم المتفرج العراقي، أو بالأحرى العوائل العراقية، إلى فريقين. فريق يتابع مسلسل “مناوي باشا” على قناة العراق الرسمية، وآخر يتابع مسلسل “رجل فوق الشبهات” على تلفزيون الشباب.  

بعد مسلسل “الهروب الى الوهم”، كان “رجل فوق الشبهات” العمل الثاني الذي يخرجه جلال كامل، وتعاونه الأول مع صباح عطوان كمؤلف. كان العمل من بطولة كامل نفسه، وعبد الخالق المختار وسناء عبد الرحمن وبهجت الجبوري وآسيا كمال، وشهد الظهور الأول لجبار جودي، نقيب الفنانين الحالي، واياد راضي. 

مشهد من مسلسل رجل فوق الشبهات. 

استندت قصةّ المسلسل على التشويق والإثارة والمطاردة، وتكوّن من 15 حلقة فقط، وهو ما جعل متابعيه ينتقلون إلى مشاهدة مسلسل” مناوي باشا”، المُنافس، على القناة الرسمية، الذي كان من بطولة عبد الخالق المختار وسامي قفطان والاء حسين وسعاد عبدالله وسعد محسن وآخرين. 

كان علي صبري قد ألف عدة مسلسلات منها “خيوط الماضي” و”الواهمون” و”عربة الخوف” و”الفراشات” و”عش الازواج” و”الاشرعة”، لكنه عرف بعد ذلك بصاحب مناوي باشا؛ أما مخرج المسلسل، فارس طعمة التميمي، فقد عمل مساعداً لمخرجين كثر، وكان المخرج المنفذ لمسلسل “عالم الست وهيبة” الناجح، وتوّج عمله بالعمل الذي سيثير مشاكل عشائرية وقانونية. 

فقد وردت بعض الأسماء التي صدف أنها تشابه شخصيات وعائلات لم يكن الكاتب يقصدها أو يقصد الإساءة لها مثل شخصية زكية الداكوكة التي تبين أنها تشابه شخصية حقيقية بالاسم لكنها لم تكن “كاولية” بل كانت “ملاية و”كوالة فواتح”، مما أثار حفيظة أحفادها. ووردت شخصية بهجت النعمة، الذي ظهر كرجل شرير ومتآمر ومتعاون مع الانكليز وصدف ان هناك عائلة حقيقية في البصرة تدعى بيت النعمة، واعتبروا ما ورد في العمل الدرامي اساءة لهم. بطبيعة الحال، أُزيلت بعض الأسماء عندما أعيد عرض “مناوي باشا” مرة ثانية. 

عبد الخالق المختار وآلاء حسين، من مسلسل “مناوي باشا”. 

سنوات الالفية الثانية الأربع 

انقضت حقبة التسعينات بما فيها من تحديات اقتصادية وفنية وتقنية، ولكانها كانت الفترة الأكثر إنتاجاً للاعمال التلفزيونية العراقية، وإن لم تكن أعمالاً ترتقي تقنياً إلى مستوى ما كان يُعرض عربياً. كانت الدراما، رغم ذلك، تقدم، مع استمرار تسويق المسلسلات بمساعدة شركات أردنية، على سبيل المثال، وانتشار وبداية ظهور الفضائيات العربية التي احتاجت إلى ملء ساعات البث الطويلة، وكان العراق ما يزال يقدم إنتاجه بأسعار زهيدة. 

كانت الشركات المسوقة تنجح ببيع المسلسلات التاريخية العراقية، بينما شركات الإنتاج العراقية استسهلت إنجازها، وذلك نتيجة للفقر التقني ولجعل العمل غير واضح المرامي السياسية، بجعل القصة والملابس والديكورات تاريخية، واللغة عربية فصحى. 

وكان أشهر المؤلفين لتلك المسلسلات آنذاك فاروق محمد، الذي كتب مسلسل “القلم والمحنة” عام 2000، إخراج قحطان عبد الجليل، وهو حكاية عن شيخ الخطاطين والوزير العباسي ابن مقلة. وأيضاً مسلسل “شخصيات لم ينصفها التاريخ” عام 2001، ايضاً إخراج قحطان عبد الجليل، ومسلسل “الإمام الشافعي” عُرض عام 2002، إخراج هاشم أبو عراق

عام 2003، قصفت قوات الاحتلال الأمريكي مبنى الإذاعة والتلفزيون لثلاث مرات، وتعرض بعد ذلك، كحال مؤسسات الدولة الأخرى، إلى عمليات النهب ، فضلاً عن إفراغ محتوياته من قبل عصابات منظمة، ولم يكن هناك إنتاج يُذكر، حتى بعد إعادة البث.  

لكن وسط أصوات تحليق الطائرات الأمريكية في سماء بغداد عام 2004، أنتج مسلسل “رهين المحبسين” الذي يحكي سيرة حياة الشاعر أبو العلاء المعري. 

نفذ المخرج علي أبو سيف العمل وسط غياب الأساليب التقنية، وانقطاع التيار الكهربائي، والانفجارات اليومية والمخاطر الأمنية، ولم يكن فريقه حينها يملك سوى ميكروفوناً واحداً وكاميرا قديمة وكشافاً وصندوق مكياج فقير. 

واقع الحال، شكت الأعمال التاريخية الأربع من التصرف بالتاريخ، وبالمَسرَحة والخطابة، أما التنفيذ فكان بدائياً، يخلوا من المتعة البصرية. 

كريم محسن، من “رهين المحبسين”. 

بـ”رهين الحبس”، قمت بتغطية أكثر من 4 عقود من الإنتاج الدرامي في العراق، وهي كانت عقود مليئة بالتحديات والتخبط والفشل، والقليل من النجاح في إنتاج أعمال متكاملة تقريبا. 

(3-3) 

اعتمد هذا المقال على بحث: “الدراما العراقية في عقود أربع” لـكاروان جبار.