"كل شي بلش بصورة".. كاميرات الأجيال في الموصل 

رقية النجفي

18 شباط 2024

مصوّرون من أجيال مختلفة حملوا كاميراتهم ووثّقوا الموصل والحياة فيها، لكن المنع والرقابة وحتّى الإعدام كان بانتظارهم.. عن أهمية الصورة والمغامرة بالتقاطها..

لم يتخيّل أحمد شنشل، المُصوّر الصحفي، أنه في يوم ما سينتهي به المطاف معتقلاً في سجون تنظيم الدولة الإسلامية – داعش بمدينة الموصل، ولم يخطر حتى في كوابيسه أن هذا التنظيم سيعدم أحد أعزّ أصحابه في الفترة ذاتها. 

  

الناس صورة وصوت 

تبدأ قصة شنشل في شتاء 2015، عندما طرقت الباب دورية مسلحة من تنظيم “داعش” واعتقلته. لم يكن شنشل يعلم سبب الاعتقال، ولكن علم أنه اعتقل مع أربعة من أصدقائه، اقتيدوا إلى مكان مجهول للتحقيق معهم، “في يوم من الأيام جت دورية عليّ للبيت واعتقلوني وطريقة الاعتقال اللي كانت كأنما كن اعتقلوا شخص كن أذاهم كثيغ”. 

  

كان شنشل في ذلك الوقت ما يزال طالباً في كلية الإعلام، عندما قامت زوجة أخ أحد أصدقائه (كنان) بتصوير عجلة محترقة لـ”داعش” من أمام منزلهم، ونشرت الصورة لاحقاً على مواقع التواصل الاجتماعي. 

  

انتشرت الصورة داخل المدينة بسرعة كبيرة، وفي الصباح الباكر وجد صديقه مجموعة من مسلحي “داعش” أمام منزله، واعترف لهم كنان بأنه هو من التقط الصورة وليس زوجته، واعتقل في اليوم نفسه، “عغفوا مكان اللي انخذت منا الصورة وفاتوا علينو والولد هو ولد شباب صغيغ، جوا وحققوا معانو وبوقتا قلم هو اخذا ما غاد يقلم مغت أخوي لان بنت وهاي التفاصيل”. 

  

لم يكن صديقه كنان يدرس الإعلام أو حتى مصوراً، ولكن ألصقت لهم جميعاً تهمة إرسال صور تخص التنظيم إلى صفحة محلية إخبارية، وتبين أن كنان اعترف لهم أنهم تابعون لصفحة كتائب الموصل، ويقومون بالتصوير للصفحة، ويرسلون الصور لهم، “الولد بوقتا مثل غاد يطلع نفسو فقلم انو صديقي زيد وصديقي احمد وكنا نحكي عليكم”. 

  

استمرت مدة الاعتقال عشرة أيام، عاشوا فيها “أسوأ أيام حياتهم” كما يصف شنشل لـ”جمّار”، كان يستمر التحقيق معهم كل يوم من ساعتين إلى أربع ساعات، ذاقوا فيها أشدّ أنواع العذاب، “10 أيام عدت عليّ وكأنو سني، الساعة ما كانت تمشي، نهائياً ما كانت تمشي ويقفي يعني خوف ما ينوصف”. 

  

يذكر شنشل كيف كان الوضع داخل الاعتقال، “كنا ما يقارب الستة ايام في حجز انفرادي، كلمن بغرفة مسجون، كان اكو حرب نفسية علينا ما طبيعية وينزلونا تحقيق ساعتين وثلاث ساعات، يعني يجبرونا الا نتعرف واللي يعترف على نفسو وعلى صديقو هذولي خلص يموتون”. 

  

لم يكن شنشل يعرف المكان الذي اعتقل فيه، ولكن علم لاحقاً أن المكان الذي اقتيدوا إليه كان بيتاً للمسيحيين، “حسب ما اعغفتو بوقتا كان اكو بيت مال مسيحيين قريب من معهد الفنون الجميلة بهذيك المناطق حسب ما اسمعتوهم قيحكون من قيوصفون بيت لاحد الاشخاص، وما اغشعنا اي شي عيونا كانت مشدودي طول الوقت”. 

  

اعترف صديقه كنان في ما بعد أنه هو من التقط الصور واتهم صديقه زيد كذلك، “وهيم اثنيهم ما اخذوا الصورة ولا صور كنان أي شي، اعتقد بهل الاعتراف انو غاح يخفف على نفسه التهمة”. بعد عشرة أيام أُخلي سبيل شنشل واثنين من أصدقائه، “ما لقوا اي شي عدنا ولا تلفوناتنا وخصوصا انو انا تعمدتو اخذ تلفون أخوي مبدال تلفوني”. 

  

ولكن في لحظة خروجه ظنَّ شنشل بأنه سوف يتم إعدامه، “بوقتا جوا صيحوني قلولي انو غاح تطلعون على الاعدام نعدمكم.. اغيد امشي ما اطيق بعد ما اسمعتو هاكذ، بس بهذي اللحظات جى ويحد همس بأذني قلي لا دنطلعكم، فتنا على القاضي وبعدين كلمن رجعولو اغراضوا وعطونا 5 آلاف دينار للتكسي”. 

  

ترك شنشنل وأصدقاؤه لاحقاً في مكان لم يتعرفوا على معالمه، حتى استدركوا سريعاً أين هم، وعادوا إلى منازلهم، “اغشعي هاي اللحظة من نزلوني اغيد اعغف انا وين ما اعغف يعني العشرة ايام اللي قضيتوها عندم ما قدعغف وين انا” وعلم أحمد في اليوم ذاته بأن صديقهم كنان قد أعدم هو وصديقهم الآخر زيد. 

  

بعد انتشار الخبر ظنت عائلة شنشل بإنه قد أُعدم مع رفاقه، “وصل لأهلي ان الجماعة كلهم انعدموا فمن فتوا على البيت ما صدقوا انو جيتو ثاني يوم الصبح جوا على باب البيت جماعتي من القسم طلع أخوي عليهم قلولوا احمد موجود قلم لا ما موجود لان هذاك الوقت ما اكو ثقة بأحد، قلولوا وصلنا خبر انو الجماعة عدموهم وغوحوا استلموهم من الطب العدلي، هوني اش فكرنا؟ فكرنا انو غاح ياخذوني انا مرة اللاخ يعدموني” وبقي شنشل على إثرها خارج منزله لفترة وجيزة من الوقت وحاول كذلك الخروج من المدينة ولكن لم يستطع. 

  

يذكر شنشل لـ”جمّار” أن تلك لم تكن المرة الأولى التي يحتك بها هو وأصدقاؤه مع التنظيم، ففي بداية دخولهم أقاموا استعراضاً في المدينة، ورغب شنشنل وأصدقاؤه في تصوير الحدث، ولكن سرعان ما انسحبوا منه، “ببداية ما دخلوا داعش ما كان عقلنا واعي اغشعنا استعراض بالشارع غحنا سألناهم نحنا طلاب قسم اعلام ونغيد نصور وبوقتا هيم رحبوا بالفكرة بس اللي انتبهتو علينو بعدين انو هيم قيراقبونا ديغشعون اش نعمل ما نعمل فبوقتا رأسا انا انسحبتو شغلتو السيارة وغحتو”. 

سعد هادي (تصوير الكاتبة). 
سعد هادي (تصوير الكاتبة). 
سعد هادي (تصوير الكاتبة). 

صورتان التقطهما سعد هادي قبل وبعد تدمير الحدباء في مدينة الموصل. المصدر: سعد هادي 

  

  

الواقع المخيف 

التحق شنشل بالعمل الصحفي عام 2016، خلال تحرير المدينة، عمل مراسلاً ومصوراً لصالح موقع راديو الغد، من أجل نقل هموم الناس وتوثيق الأحداث المأساوية التي تتعرض لها المدينة، ورافق القوات الأمنية أثناء عملياتها في الجانب الأيمن، موثقاً صور الدمار الكارثية التي حلت بالموصل، “كنتو من أوائل من اللي دخلوا المدينة القديمة ووثقوا صور لها، كان كلش مهم أنو نبين حجم الدمار الذي خلفه التنظيم ونقل هذي الصور للعالم”. 

  

يصف شنشل المشهد الذي رآه أثناء التحرير بأنه كارثي ومخيف، “حجم الدمار كان مخيفاً جداً مع وجود الجثث بكل مكان وتعفن قسم منها”، الكثير من المواقف المرعبة شهدها شنشل أثناء عمليات التحرير بسبب الحصار المفروض على أهالي الجانب الأيمن، وشحة الطعام والمياه، “خرج كثيغ من الناس بسبب الحصار اللي صاغ أثناء الحرب مثل هيكل عظمي متحرك المنظر كان مخيفاً حقاً”. 

  

يتذكر شنشل إحدى القصص التي وثقتها عدسته، وأثرت به بشكل كبير، عن فتاة تدعى طيبة وتبلغ من العمر آنذاك 12 عاماً، طيبة فقدت جميع أفراد عائلتها، ولم تبق غير جدتها، بسبب إصابتها أثناء الحرب، باتت طيبة مقعدة تماماً، “نشرتو قصة طيبة على موقع راديو الغد ولاقت القصة تعاطف كبيغ وطلب كثيغ من الناس يساعدوها وفعلا تغير وضع الفتاة الصحي والمادي بعدين”. 

  

دخل شنشل مجال التصوير بعد دخوله قسم الإعلام كهواية، وأحب توثيق الحياة العامة في المدينة بهاتفه الجوال في بداية الأمر، ولكن بسبب المضايقات العديدة التي تعرض لها المصورون في الفترة التي سبقت داعش، وتحديداً من قبل القوات الأمنية، من خلال الاستجواب المتكرر وعدم السماح في التقاط صور إلا بموافقات رسمية، لم يستمر في التصوير، “كنتو من النوع اللي اتردد انزل بمكانات عامة وبيها قوات امنية، بوقتا كان الوضع الامني كلش سيئ يعني القوات الامنية تحاسبنا منو انت وما منو انت، وانا ما كان عندي جهة رسمية اقول انا تابع الها والجهة الثانية انو كان التنظيم بوقتا موجود همين كنتو اخاف من هذا الموضوع لان جت فترة قاموا يغتالون المصورين والصحفيين بالمدينة”. 

  

جيل يوثق 

بينما كان شنشل يرصد المجازر التي تعرض لها السكان، كان المصور السبعيني سعد الهادي وغيره من المصورين يحاولون توثيق ما تبقى من تراث المدينة القديمة بعد تحريرها من قبضة “داعش”. 

تربط هادي بمدينة الموصل علاقة خاصة، حيث ولد وترعرع في أزقتها وتحديداً في محلة باب النبي جرجيس، وعاش كل حياته فيها، ويشعر بانتماء خاص لكل ما يتعلق بهذه المدينة، من حاراتها وأزقتها وأناسها، وعكس حب هادي للمدينة من خلال تصوير معالمها وأبنيتها، “بسبب نشأتي في محلة النبي جرجيس كبغتو على حب المنطقة وخلاني هذا الشي ارتبط بالأزقة والعوجات والجوامع والمساجد والقناطر”. 

عكس ذلك في تصويره للمدينة، والذي بدأ يمارسه كهواية في بادئ الأمر، وقاده شغفه منذ صغره نحو الصورة. 

في عمر السادسة عشرة اقتنى هادي أول كاميرا من والده، ودأب في تعلم أساسيات التصوير مدفوعاً بحبه للفوتوغراف، الذي وجد فيه عالماً آخر، “من بديتو اشيل الكاميرا واصور فتو على عالم اخر مختلف كثيغ عن هواية الرسم اللي كنتو امارسا، واللي شدني للكاميرا ايضا هي امكانية تصوير اللحظات بساعتها وبدقة عالية”. 

مر هادي المصور بمراحل عدة، أقساها عندما كان في منزله، في الجانب الأيسر من الموصل، وسمع خبر وجود قوة مجهولة دخلت إلى المدينة، بينما كان يحاول أن يستجمع قواه؛ اتصل به صديق يسكن خارج العراق فور دخول التنظيم الى المدينة ليسأله عمّا يجري، أخبره بأن المدينة سقطت بيد قوة مسلحة تدعى “داعش” لا يعلم ما هي. 

الأمر الوحيد الذي كان هادي يعلمه بأن المدينة لن تعود كما كانت، “كانت صدمة كبيغة وإحباط ما ينوصف اللي اغشعنانو يبكي الحجر، وكنتو متألم بشكل كبير، وتملكنا خوف شديد، ما نعغف اش غاح يصيغ مستقبل مجهول” تحدث هادي لـ”جمّار”. 

وبحزن يستذكر الأحداث مجدداً، “صاغ ركود كبيغ بالمدينة الموظفين تركوا وظائفم والتجار اغلبم تركوا اعمالم وطلعوا على الشمال والحياة بالمدينة صاغت جامدة وضل اللي ما يطيق يطلع”. 

  

في هذه الفترة، توقفت كاميرا هادي عن التصوير لمدة أربع سنوات، لم يكن قادراً على تصوير أي شيء خارج حدود منزله، بسبب التشديدات التي وضعها تنظيم داعش على حاملي الكاميرات، التي قد تعرض حامليها للمحاسبة والعقاب الشديدين، بالسجن وتحقيقات مطولة، والعقوبة هي القتل في كثير من الأحيان، “يسألون عن الشخص وإذا عندو التزام او ارتباط بوكالة انباء وهذا محاسبتو شديدة كلش ويعتبر خائن واقل شي كان ينعدم”. 

الدمار الذي لحق بالموصل، تصوير سعد هادي. 
الدمار الذي لحق بالموصل، تصوير سعد هادي. 

  

“التصوير بالنسبة لي هواية ما كنتو معتمد علينو بالمعيشة ولذلك بهاي الفترة ما كان اكو داعي اعرض نفسي وعائلتي للمساءلة أو الخطر لأن داعش ما يعغفون هذ هاوي ولا محترف المهم عندم هذا الشخص بيدو كاميرا فبهذه الفترة كنتو اصور داخل البيت فقط كنتو اصور الوغد، مزهرية، اي شي قديم وكنتو اصور كذلك افراد العائلة من اخوتي خواتي ولاد عمي مجرد أوثق الحياة العائلية”. 

  

اعتمد هادي في هذه الفترة على التصوير الداخلي “الستيل لايف” و”البورتريه” في منزله، “دربتو نفسي في هذه الفترة على استخدام كاميرا الديجتال حتى اكون محترف بالتصوير اكثغ وقمتو أثقف نفسي ودرستو الفوتوغراف في هذي الفترة”. ويصف هادي الذي عاصر حروبا عديدة مرت على العراق بأنه لم ير يوماً مثل حرب الموصل في حياته، “تحولت مدينة الموصل إلى مدينة أشباح الحياة شبه متوقفي والناس تعيش بقلق ما يعغفون مصيرم واش ديصيغ، السوق تأثر والحياة كذلك وصاغ ركود كبيغ بالمدينة وكأنو فاتت بسبات وكان كلش صعب التنقل ما نعغف اش ممكن يصيغ بالطريق”. 

  

قبل دخول “داعش” إلى المدينة، اتخذ هادي قراراً من شأنه أن يغيّر مجرى الأحداث في حياته لاحقاً، وعمد على توثيق المعالم المعمارية للمدينة القديمة أو ما يسمّى (الجانب الأيمن) بين عامي 2010 – 2011. 

دفعه حبه للتصوير الفوتوغرافي وامتهانه له وولعه بالمدينة إلى القيام بهذه الخطوة، “أحببت فكرة أسلوب تصوير الشارع، لتوثيق حياة الناس اليومية بشوارعها وابنيتها”. 

رغم العوائق الكثيرة، والقوانين التعجيزية للحكومة المحلية التي طلبت منه أخذ موافقة من قيادة العمليات في الموصل، واشتراط مرافقة مفرزة خاصة معه، بسبب الوضع الأمني آنذاك على حد قوله، استمر هادي في مشروعه التصويري، ووثق العديد من المعالم التاريخية المهمة قبل هدمها، وتسوية جزء كبير منها في الأرض، كجامع النبي يونس، وجامع النوري، وعدد كبير من البيوت الموصلية القديمة. 

  

يصف هادي الوضع الأمني والسياسي في مدينة الموصل بين عامي 2011 – 2012، “كان اكو مشاكل أمنية والأحزاب المتناحرة والجيش والمجتمع ما كان بينو استقرار وقليل كنتو اشيل كاميرا وكان تصويري محدود بس إذا مناسبات عامة حدث معين”. 

يؤكد هادي على أهمية الحذر عند التقاط الصور في الأماكن العامة، وبعض الأماكن الحساسة، فمثلاً مكان مثل المباني الحكومية تعتبر مناطق حساسة عند تصويرها، ويحاسب عليها بدون موافقات، ولكن بعد 2020 تغير الوضع، “هسا نفوت نصور براحتنا حتى لو اكو نقطة عسكرية يسهللنا اما سابقا ما موجودي”. 

يرى هادي أن أهمية الموصل القديمة تكمن في قيمتها التاريخية العريقة، ومعمارها المميز، “أهم ما يميز المدينة عن غيرها هي طريقة البناء بيها مثل الأقواس والشبابيك والبيوت المبنية بنظام العقدة ومثل هذا الشي جوهر التراث المعماري بيها، وكذلك القناطر التي تشتهر بها المدينة القديمي”. 

لكنه يعتقد بالعديد من الأسباب التي منعت التوثيق المكثف للمدينة قبل دخول داعش، “كان في المدينة نوع من التوجس والقلق وايضا كان عامة الناس بالشارع ينظرون للكاميرا بنظرة خوف لان كان اكو عمليات ابتزاز وخطف لذلك توجس كثيغ ناس من الكاميرا وحدثت مشاكل عديدة اما الان ما موجود هذا الشي صاغ عادي جدا”. 

العودة إلى الكاميرا 

بعد تحرير المدينة عام 2017 عادت كاميرا هادي للتصوير، وأراد من خلالها إيصال صورة معينة عن المجتمع الموصلي، وهي أن الشعب يحب مدينته التي بدأت تتنفس من جديد، في محاولة من أجل كسر الصورة التي تشكلت عن أهالي المدينة. 

فبعد عام على تحريرها، بدأت المدينة تستعيد عافيتها شيئاً فشيئاً. 

سمح توثيق هادي المستمر للمدينة في أرشفة وطباعة العديد من الصور في كتيبات صغيرة، وصل عددها إلى 15 كتاباً مصوراً، ومن حسابه الخاص، كل كتاب يحكي عن معلم معين، وقصة معينة، حيث خصص في أحد الكتيبات صوراً عن قناطر الموصل، والتي تمتاز بها المدينة القديمة، وكرّس لها زاوية خاصة، كذلك تضمن جزءاً آخر عن البيوت الموصلية القديمة، والأهمية المعمارية النادرة فيها، سماها الأسطورة، وجامع النبي يونس وجامع النوري. وبسبب قلة الصور المتوفرة عن بعض هذه المعالم التي دمرت كلياً أو جزئياً، أصبحت العديد من صور هادي مرجعاً مهماً للمهندسين المعماريين، ومنظمات إعادة الإعمار. 

  

لم يقتصر توثيق هادي على معالم المدينة، فهو أراد تسليط الضوء كذلك على الحياة فيها بعد تحريرها، ووثق عودة الحياة في المدينة وأسواقها وبيوتها ومدارسها، وكيف يعيش الناس وسط هذا الخراب، وخصص كتيباً خاصاً يتكلم عن عودة المدارس. 

يحلم هادي في تحويل كل هذه الصور إلى كتاب شامل، يضم صوراً موثقة عن المدينة، وبسبب عدم وجود أي دعم حكومي بقيت الصور عالقة في الرفوف، “إذا وجدت ناشر أو دار نشر غاح انشرم اكيد” وهو الآن في صدد الانتهاء من كتيب يتحدث عن المرأة الموصلية ودورها المجتمعي. 

  

هناك رواية عند الموصليين تقول، إن أول دخول للكاميرا في العراق كان في الموصل، عن طريق اليهود والمسيحيين الذين وثقوا المدينة، وبسبب تحريم التصوير آنذاك لم يكن للمسلمين دور في توثيقها. 

يقول هادي، “توثقت الموصل من قبل المستشرقين والكهنة والرحالة اللي جوا لاحقا للمدينة واستطاعوا تصوير الابنية والعمارات الخارجية، ولكن لم يقدروا توثيق المنازل من الداخل، كان صعب يفوت على بيت ويصور لان العادات والتقاليد ما كانت تسمح”. 

  

وجوه من الموصل، تصوير سعد هادي. 
وجوه من الموصل، تصوير سعد هادي. 

تضم المدينة القديمة بين أزقتها وحاراتها والتي لا تتجاوز مساحتها 40 بالمئة من المساحة الإجمالية لمدينة الموصل، المئات من المعالم التاريخية من مختلف العصور والديانات، كجامع النوري ومنارة الحدباء التي بنيت في العهد الأتابكي، والفترة العباسية والعثمانية، فضلاً عن سور نينوى والكنائس العريقة، التي تعود لمئات السنين، والذي يعده البعض فناً معمارياً متميزاً. 

  

علي البارودي (40 عاماً) المصور والأستاذ في جامعة الموصل، يصف لجمّار المدينة القديمة بعد عام 2017، “فقدت بريقها وهويتها الصوتية، “الضوضاء هو هوية على سبيل المثال.. ضوضاء سوق العطارين تختلف عن ضوضاء سوق السمك وسوق الحدادين كل هذه الضجة والوان الحياة تحولت الى صمت أشبه بصمت المقابر”. 

  

قرر البارودي البدء برحلة توثيق للمدينة في لحظة فارقة بتاريخها، في صباح سقوطها بيد “داعش” عام 2014، “كان عندي صورة متواضعة بالموبايل في وقت داعش.. في صباح سقوط الموصل بيد داعش، ولكن عندما خليتها على الحاسبة وعالجتها أدركت اننا أمام مرحلة جديدة، مرحلة احتلال جديد، احتلال بغيض، ومرحلة في قمة عدم الأمان”. 

بعد تحرير منطقتهم في الجانب الأيسر من داعش، نزل إلى الميدان حاملاً كاميرته ووثق الدمار والخراب الذي تعرضت له جامعة الموصل، ووثق حملات التطوع، وانتقل لاحقاً إلى توثيق حياة الناس بعد “داعش”، ووثق المهرجانات والحفلات الموسيقية، “لكن كل هذا لم يرو ظمئي بعد عبوري إلى الجانب الأيمن، رأيت مشهداً مغايراً لحياتنا، رأيت ما عملته الحرب من تشتيت وتدمير وأدركت وجود مدينتين، مدينة بدأت بالانتعاش سريعاً (الجانب الأيسر) ومدينة أخرى مختلفة تماماً (الجانب الأيمن) كل شيء كان رمادياً، فقدت المدينة ألوانها”. 

  

حرص البارودي عام 2018، على توثيق العودة إلى المدينة القديمة، وحياتها الاجتماعية، مثل سوق الحدادين، وسوق العطارين، إلى جانب توثيق العديد من المعالم الرئيسية كجامع النوري وكنيسة الساعة، وآخر عمل وثّقه هو حمّام القلعة، “أن تشهد بالكاميرا هو شيء أشبه بإصدار شهادة الوفاة، ومن ثم شطب شهادة الوفاة وإعطاء شيء آخر هو شهادة الحياة وشهادة النهوض”. 

  

كما عمد إلى عمل مقارنات صورية بين عام 2017 واليوم، مثل شارع حلب وباب الطوب ومركز المدينة، وحرص في إظهار إعادة إعمار المدينة لاحقاً، “حرصت دوماً كلما مررتُ بمكان خرب وعاد للحياة مرة ثانية أن أُري الناس أن هذه المدينة بدأت تضج بالحياة، بدأت تنتعش، بدأت تتعلم كيف تستفيد من الآخرين”. 

  

صورتان لعلي البارودي في مشهدين مختلفين من الموصل. المصدر: علي البارودي

يؤكد البارودي أن غياب التوثيق في فترة ما يؤدي إلى غياب الحقيقة عن هذه الفترة، وعلى الرغم من مرور 7 سنوات على تحريرها؛ لا تزال آثار الدمار المروعة تنتشر في المدينة القديمة، ولا يزال الآلاف غير قادرين على العودة إلى ديارهم بسبب الأضرار الجسيمة التي خلفها القصف والمواجهات العنيفة بين الجيش و”داعش”، إذ لم تتجاوز نسب الأعمار 60 بالمائة من حجم الدمار. 

  

تحرّرت المدينة من داعش في السادس من حزيران عام 2017، خاضت القوات العراقية آنذاك بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي معارك ضارية، استمرت 9 أشهر، وقدرت أعداد القتلى ما بين 9 – 11 ألف قتيل، وفقاً لوكالة “أسوشيتد برس” التي وثّقت الخسائر المدنية، فيما بلغت نسب الدمار في الموصل 80 بالمئة. 

  

 

الصورة وأهميتها في التوثيق 

يتفق مصوّرو الموصل بأن توثيق المدينة أمر في غاية الأهمية، وتكمن هذه الأهمية في رصد المراحل التي تمر بها المدينة، فإذا أردنا لهذه المدن ألا تموت، علينا توثيق كل شيء، تاريخها المحكي وغير المحكي، المادي وغير المادي، وكل ما يتعلق بالمعالم وأناسها وجذور وهوية المجتمع في المدينة. 

سمح وضع المدينة بعد عام 2017 في تصوير العديد من المعالم المتبقية وتوثيق الحياة فيها، بعد سنين طويلة من التضييق على المصورين، حيث يقول محمد الجليلي، المصور الفني والفوتوغرافي، إن توثيق الصورة بالذات في مدينة كمدينة الموصل مهم جداً، ولكن “لم نكن نستطع كمصورين التعامل بحرية مع الكاميرا”. 

ويؤكد بأن المضايقات التي حدثت للمصورين اقتصرت على المصورين المحليين فقط، “بينما يجي سائح أجنبي يصور في الموقع ذاته محد يحكي معانو”. 

 يرى الجليلي أن منع التصوير كان سياسة قديمة مستمرة منذ أواسط الثمانينات، وشراء الكاميرا بذاتها كان يتطلب منك أن تأخذ موافقة من دائرة الأمن، ووجود الكاميرا في يدك يعني أنك عرضة للاستجواب دائماً، “فالتصوير كان محدوداً جداً واقتصر اقتناء الكاميرا على تصوير شخصي أو عائلي أو أحيانا دورها يكون تنسيقيا لأجل تصوير معالم معينة فقط”.  

يشير البارودي إلى أن سياسة التضييق تزامنت مع بدء الحرب الإيرانية العراقية عام 1980. 

  

ويقول الجليلي إن سياسات التضييق كانت تتم كذلك من خلال إبلاغ الناس “في هذيك الفترة كان كل شيء يؤخذ بسوء نية وكل شيء ممنوع المواطن رقيب والرقيب رقيب لأن الناس كانت تخاف من الكاميرا فالصورة هي رحلة في التاريخ فعند التقاطي صورة فإنها ستستمر مئة سنة مئتين سنة تعيدني الى ذلك الزمن الذي التقطت بها” الصورة وثيقة، هذا ما يؤمن به مصورو الموصل. 

  

بالنسبة للجليلي، فإن دخول عالم الديجيتال بعد عام 2003 فتح للمصورين آفاقاً واسعة، وانتقل التصوير إلى مرحلة الانفتاح الكبير في عالم الفوتوغراف، وأصبح السوق مزدهراً من ناحية تنوع المعدات، والعالم كذلك بدأ يتطور في هذا المجال، وسمح المسح والتعديل في إضافة بعد آخر للصورة، “قديماً كنا انطيق التقاط عدد معدود من الصور وما تعغف اش التقطتو الا بعد تحميض الصور في الاستوديو، بس بعد دخول الإنترنت تكونت لك حرية لا حصر لها وسهلت كاميرا الموبايل المتنقلة العمل بشكل لا يمكن وصفو واصبحت هاي الكاميرات تضاهي الكاميرات الاعتيادية”. 

صورة شخصية وصورتان التقطهما مراد الداغستاني في ثلاثينيات القرن الماضي، المصدر: ويكبيديا  

مدارس التصوير في الموصل 

لم يثر اهتمام المصورين المحليين قديماً توثيق أحداث مرّت بها مدينة الموصل، واقتصر التصوير في المدينة قديماً على تصوير أحداث وأعمال يقوم بها الولاة والخروج مع البعثات التنقيبية وتصوير الآثار. ولكن سُجّل لعدد قليل من المصورين ومنهم إبراهيم الدرويش توثيق أحداث مرت بها المدينة، إذ وثّق الدرويش كل الأحداث السياسية والمظاهرات والأحداث الاجتماعية في نهاية الخمسينيات، ولوحق في فترة ظهور الأحزاب القومية والشيوعية، وتعرض لمحاولات اغتيال عدة، وآُحرق الاستوديو الذي افتتحه في الموصل، حتى اعتزل التصوير في السبعينيات من العقد الماضي. 

  

فيما يقول أنور الدرويش، الفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي وعضو الهيئة الإدارية للجمعية العراقية، إن أسباب قلة التوثيق هو أن الوعي التصويري لم يكن كما ندركه اليوم، كان التصوير يقتصر على معالم معينة كأبنية بنيت حديثاً أو ساحات جديدة أُنشئت أو تصوير شخصيات في الاستوديو، وكان هناك مصورون يختصون بتصوير العائلة الملكية والرؤساء والولاة. 

ويرجع الدرويش ذلك إلى أن حمل الكاميرا كان من النوادر، إذ لم يوثق المدينة ومعالمها والاهتمام بها غير الأجانب الوافدين آنذاك، ولا تزال مكتبات عالمية تحتفظ بأرشيف عن الموصل القديمة وآثارها. 

أما محمد الجليلي، فيرجع الفضل إلى المصورين المعماريين في توثيق العديد من معالم الموصل، “تعاون المعماريين مع مصوري الاستوديو فتح أعينهم على التراث القيم في المدينة” ويذكر أنور الدرويش أن أول من اقتنى الكاميرا في مدينة الموصل، هو نعوم الصائغ، والد الشاعر يوسف الصائغ، كان ذلك بين عامي 1890 – 1895، الذي كان يتبع الكنيسة، وتحديداً كنيسة الساعة في الموصل، وكان يرافق علماء الآثار، ويحمل الكاميرا من أجل التصوير في الحضر والنمرود وغيرها من المواقع الأثرية. 

وعرف العراق الكاميرا أثناء قدوم البعثات التنقيبية إلى الموصل، كان المصورون يرافقون علماء الآثار في ذلك الوقت، ويقول درويش، “كان يرافق علماء الآثار دليل ومترجم والدليل كان يأتي في العادة من الكنائس لأن علماء الآثار كانوا يأتون من دول مثل فرنسا وإيطاليا يحملون الديانة ذاتها، وكان احتكاكهم بالأرمن على وجه الخصوص” ولم ينتقل التصوير إلى المسلمين إلا في فترة متأخرة بسبب تحريم الصورة آنذاك. 

مرحلة ما بعد الخمسينات أصبح هناك توجه مختلف للتصوير، بحسب الدرويش، فقد صار هناك اهتمام في تصوير المدينة وأزقتها، وظهر مصورون أمثال معن آل زكريا وكوفاديس ومراد الداغستاني، وفي هذه الفترة بدأ المجتمع كذلك ينهض ثقافياً وفنياً، وصار وجود الكاميرات منتشراً بشكل أكبر. 

يرى الدرويش بأن النقلة الحقيقية التي حدثت في عالم التصوير؛ كانت في فترة مراد الداغستاني، فشخصية الداغستاني وإمكانياته المادية سمحت له بالدراسة في الخارج، وأهلته في أن يصبح مصوراً سابقاً لعصره، “صوره كانت مميزة، واعتمد في تصويره على البورتريه، ووظف الفن التشكيلي في صوره، فهو يعتبر من رموز الحداثة في زمن الكلاسيكية”. 

يعتبر ياسر العبيدي، الباحث التاريخي والتراثي، أن الصورة تعطي بُعدا تأكيديا للتوثيق، فعند مقارنة أي كتابة بالصورة الملحقة بها؛ تعطينا مصداقية أكبر، فالصورة هي دلالة رمزية لتأكيد التوثيق باللغة. 

 ويضيف العبيدي أن الوقت الذي نعيش فيه عزز لدينا الريبة والشك مما يكتب؛ فكيف بالأمور المكتوبة قبل آلاف السنين، كيف وثّقت! وتأتي هنا أهمية الصورة من أجل التثبت. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

لم يتخيّل أحمد شنشل، المُصوّر الصحفي، أنه في يوم ما سينتهي به المطاف معتقلاً في سجون تنظيم الدولة الإسلامية – داعش بمدينة الموصل، ولم يخطر حتى في كوابيسه أن هذا التنظيم سيعدم أحد أعزّ أصحابه في الفترة ذاتها. 

  

الناس صورة وصوت 

تبدأ قصة شنشل في شتاء 2015، عندما طرقت الباب دورية مسلحة من تنظيم “داعش” واعتقلته. لم يكن شنشل يعلم سبب الاعتقال، ولكن علم أنه اعتقل مع أربعة من أصدقائه، اقتيدوا إلى مكان مجهول للتحقيق معهم، “في يوم من الأيام جت دورية عليّ للبيت واعتقلوني وطريقة الاعتقال اللي كانت كأنما كن اعتقلوا شخص كن أذاهم كثيغ”. 

  

كان شنشل في ذلك الوقت ما يزال طالباً في كلية الإعلام، عندما قامت زوجة أخ أحد أصدقائه (كنان) بتصوير عجلة محترقة لـ”داعش” من أمام منزلهم، ونشرت الصورة لاحقاً على مواقع التواصل الاجتماعي. 

  

انتشرت الصورة داخل المدينة بسرعة كبيرة، وفي الصباح الباكر وجد صديقه مجموعة من مسلحي “داعش” أمام منزله، واعترف لهم كنان بأنه هو من التقط الصورة وليس زوجته، واعتقل في اليوم نفسه، “عغفوا مكان اللي انخذت منا الصورة وفاتوا علينو والولد هو ولد شباب صغيغ، جوا وحققوا معانو وبوقتا قلم هو اخذا ما غاد يقلم مغت أخوي لان بنت وهاي التفاصيل”. 

  

لم يكن صديقه كنان يدرس الإعلام أو حتى مصوراً، ولكن ألصقت لهم جميعاً تهمة إرسال صور تخص التنظيم إلى صفحة محلية إخبارية، وتبين أن كنان اعترف لهم أنهم تابعون لصفحة كتائب الموصل، ويقومون بالتصوير للصفحة، ويرسلون الصور لهم، “الولد بوقتا مثل غاد يطلع نفسو فقلم انو صديقي زيد وصديقي احمد وكنا نحكي عليكم”. 

  

استمرت مدة الاعتقال عشرة أيام، عاشوا فيها “أسوأ أيام حياتهم” كما يصف شنشل لـ”جمّار”، كان يستمر التحقيق معهم كل يوم من ساعتين إلى أربع ساعات، ذاقوا فيها أشدّ أنواع العذاب، “10 أيام عدت عليّ وكأنو سني، الساعة ما كانت تمشي، نهائياً ما كانت تمشي ويقفي يعني خوف ما ينوصف”. 

  

يذكر شنشل كيف كان الوضع داخل الاعتقال، “كنا ما يقارب الستة ايام في حجز انفرادي، كلمن بغرفة مسجون، كان اكو حرب نفسية علينا ما طبيعية وينزلونا تحقيق ساعتين وثلاث ساعات، يعني يجبرونا الا نتعرف واللي يعترف على نفسو وعلى صديقو هذولي خلص يموتون”. 

  

لم يكن شنشل يعرف المكان الذي اعتقل فيه، ولكن علم لاحقاً أن المكان الذي اقتيدوا إليه كان بيتاً للمسيحيين، “حسب ما اعغفتو بوقتا كان اكو بيت مال مسيحيين قريب من معهد الفنون الجميلة بهذيك المناطق حسب ما اسمعتوهم قيحكون من قيوصفون بيت لاحد الاشخاص، وما اغشعنا اي شي عيونا كانت مشدودي طول الوقت”. 

  

اعترف صديقه كنان في ما بعد أنه هو من التقط الصور واتهم صديقه زيد كذلك، “وهيم اثنيهم ما اخذوا الصورة ولا صور كنان أي شي، اعتقد بهل الاعتراف انو غاح يخفف على نفسه التهمة”. بعد عشرة أيام أُخلي سبيل شنشل واثنين من أصدقائه، “ما لقوا اي شي عدنا ولا تلفوناتنا وخصوصا انو انا تعمدتو اخذ تلفون أخوي مبدال تلفوني”. 

  

ولكن في لحظة خروجه ظنَّ شنشل بأنه سوف يتم إعدامه، “بوقتا جوا صيحوني قلولي انو غاح تطلعون على الاعدام نعدمكم.. اغيد امشي ما اطيق بعد ما اسمعتو هاكذ، بس بهذي اللحظات جى ويحد همس بأذني قلي لا دنطلعكم، فتنا على القاضي وبعدين كلمن رجعولو اغراضوا وعطونا 5 آلاف دينار للتكسي”. 

  

ترك شنشنل وأصدقاؤه لاحقاً في مكان لم يتعرفوا على معالمه، حتى استدركوا سريعاً أين هم، وعادوا إلى منازلهم، “اغشعي هاي اللحظة من نزلوني اغيد اعغف انا وين ما اعغف يعني العشرة ايام اللي قضيتوها عندم ما قدعغف وين انا” وعلم أحمد في اليوم ذاته بأن صديقهم كنان قد أعدم هو وصديقهم الآخر زيد. 

  

بعد انتشار الخبر ظنت عائلة شنشل بإنه قد أُعدم مع رفاقه، “وصل لأهلي ان الجماعة كلهم انعدموا فمن فتوا على البيت ما صدقوا انو جيتو ثاني يوم الصبح جوا على باب البيت جماعتي من القسم طلع أخوي عليهم قلولوا احمد موجود قلم لا ما موجود لان هذاك الوقت ما اكو ثقة بأحد، قلولوا وصلنا خبر انو الجماعة عدموهم وغوحوا استلموهم من الطب العدلي، هوني اش فكرنا؟ فكرنا انو غاح ياخذوني انا مرة اللاخ يعدموني” وبقي شنشل على إثرها خارج منزله لفترة وجيزة من الوقت وحاول كذلك الخروج من المدينة ولكن لم يستطع. 

  

يذكر شنشل لـ”جمّار” أن تلك لم تكن المرة الأولى التي يحتك بها هو وأصدقاؤه مع التنظيم، ففي بداية دخولهم أقاموا استعراضاً في المدينة، ورغب شنشنل وأصدقاؤه في تصوير الحدث، ولكن سرعان ما انسحبوا منه، “ببداية ما دخلوا داعش ما كان عقلنا واعي اغشعنا استعراض بالشارع غحنا سألناهم نحنا طلاب قسم اعلام ونغيد نصور وبوقتا هيم رحبوا بالفكرة بس اللي انتبهتو علينو بعدين انو هيم قيراقبونا ديغشعون اش نعمل ما نعمل فبوقتا رأسا انا انسحبتو شغلتو السيارة وغحتو”. 

سعد هادي (تصوير الكاتبة). 
سعد هادي (تصوير الكاتبة). 
سعد هادي (تصوير الكاتبة). 

صورتان التقطهما سعد هادي قبل وبعد تدمير الحدباء في مدينة الموصل. المصدر: سعد هادي 

  

  

الواقع المخيف 

التحق شنشل بالعمل الصحفي عام 2016، خلال تحرير المدينة، عمل مراسلاً ومصوراً لصالح موقع راديو الغد، من أجل نقل هموم الناس وتوثيق الأحداث المأساوية التي تتعرض لها المدينة، ورافق القوات الأمنية أثناء عملياتها في الجانب الأيمن، موثقاً صور الدمار الكارثية التي حلت بالموصل، “كنتو من أوائل من اللي دخلوا المدينة القديمة ووثقوا صور لها، كان كلش مهم أنو نبين حجم الدمار الذي خلفه التنظيم ونقل هذي الصور للعالم”. 

  

يصف شنشل المشهد الذي رآه أثناء التحرير بأنه كارثي ومخيف، “حجم الدمار كان مخيفاً جداً مع وجود الجثث بكل مكان وتعفن قسم منها”، الكثير من المواقف المرعبة شهدها شنشل أثناء عمليات التحرير بسبب الحصار المفروض على أهالي الجانب الأيمن، وشحة الطعام والمياه، “خرج كثيغ من الناس بسبب الحصار اللي صاغ أثناء الحرب مثل هيكل عظمي متحرك المنظر كان مخيفاً حقاً”. 

  

يتذكر شنشل إحدى القصص التي وثقتها عدسته، وأثرت به بشكل كبير، عن فتاة تدعى طيبة وتبلغ من العمر آنذاك 12 عاماً، طيبة فقدت جميع أفراد عائلتها، ولم تبق غير جدتها، بسبب إصابتها أثناء الحرب، باتت طيبة مقعدة تماماً، “نشرتو قصة طيبة على موقع راديو الغد ولاقت القصة تعاطف كبيغ وطلب كثيغ من الناس يساعدوها وفعلا تغير وضع الفتاة الصحي والمادي بعدين”. 

  

دخل شنشل مجال التصوير بعد دخوله قسم الإعلام كهواية، وأحب توثيق الحياة العامة في المدينة بهاتفه الجوال في بداية الأمر، ولكن بسبب المضايقات العديدة التي تعرض لها المصورون في الفترة التي سبقت داعش، وتحديداً من قبل القوات الأمنية، من خلال الاستجواب المتكرر وعدم السماح في التقاط صور إلا بموافقات رسمية، لم يستمر في التصوير، “كنتو من النوع اللي اتردد انزل بمكانات عامة وبيها قوات امنية، بوقتا كان الوضع الامني كلش سيئ يعني القوات الامنية تحاسبنا منو انت وما منو انت، وانا ما كان عندي جهة رسمية اقول انا تابع الها والجهة الثانية انو كان التنظيم بوقتا موجود همين كنتو اخاف من هذا الموضوع لان جت فترة قاموا يغتالون المصورين والصحفيين بالمدينة”. 

  

جيل يوثق 

بينما كان شنشل يرصد المجازر التي تعرض لها السكان، كان المصور السبعيني سعد الهادي وغيره من المصورين يحاولون توثيق ما تبقى من تراث المدينة القديمة بعد تحريرها من قبضة “داعش”. 

تربط هادي بمدينة الموصل علاقة خاصة، حيث ولد وترعرع في أزقتها وتحديداً في محلة باب النبي جرجيس، وعاش كل حياته فيها، ويشعر بانتماء خاص لكل ما يتعلق بهذه المدينة، من حاراتها وأزقتها وأناسها، وعكس حب هادي للمدينة من خلال تصوير معالمها وأبنيتها، “بسبب نشأتي في محلة النبي جرجيس كبغتو على حب المنطقة وخلاني هذا الشي ارتبط بالأزقة والعوجات والجوامع والمساجد والقناطر”. 

عكس ذلك في تصويره للمدينة، والذي بدأ يمارسه كهواية في بادئ الأمر، وقاده شغفه منذ صغره نحو الصورة. 

في عمر السادسة عشرة اقتنى هادي أول كاميرا من والده، ودأب في تعلم أساسيات التصوير مدفوعاً بحبه للفوتوغراف، الذي وجد فيه عالماً آخر، “من بديتو اشيل الكاميرا واصور فتو على عالم اخر مختلف كثيغ عن هواية الرسم اللي كنتو امارسا، واللي شدني للكاميرا ايضا هي امكانية تصوير اللحظات بساعتها وبدقة عالية”. 

مر هادي المصور بمراحل عدة، أقساها عندما كان في منزله، في الجانب الأيسر من الموصل، وسمع خبر وجود قوة مجهولة دخلت إلى المدينة، بينما كان يحاول أن يستجمع قواه؛ اتصل به صديق يسكن خارج العراق فور دخول التنظيم الى المدينة ليسأله عمّا يجري، أخبره بأن المدينة سقطت بيد قوة مسلحة تدعى “داعش” لا يعلم ما هي. 

الأمر الوحيد الذي كان هادي يعلمه بأن المدينة لن تعود كما كانت، “كانت صدمة كبيغة وإحباط ما ينوصف اللي اغشعنانو يبكي الحجر، وكنتو متألم بشكل كبير، وتملكنا خوف شديد، ما نعغف اش غاح يصيغ مستقبل مجهول” تحدث هادي لـ”جمّار”. 

وبحزن يستذكر الأحداث مجدداً، “صاغ ركود كبيغ بالمدينة الموظفين تركوا وظائفم والتجار اغلبم تركوا اعمالم وطلعوا على الشمال والحياة بالمدينة صاغت جامدة وضل اللي ما يطيق يطلع”. 

  

في هذه الفترة، توقفت كاميرا هادي عن التصوير لمدة أربع سنوات، لم يكن قادراً على تصوير أي شيء خارج حدود منزله، بسبب التشديدات التي وضعها تنظيم داعش على حاملي الكاميرات، التي قد تعرض حامليها للمحاسبة والعقاب الشديدين، بالسجن وتحقيقات مطولة، والعقوبة هي القتل في كثير من الأحيان، “يسألون عن الشخص وإذا عندو التزام او ارتباط بوكالة انباء وهذا محاسبتو شديدة كلش ويعتبر خائن واقل شي كان ينعدم”. 

الدمار الذي لحق بالموصل، تصوير سعد هادي. 
الدمار الذي لحق بالموصل، تصوير سعد هادي. 

  

“التصوير بالنسبة لي هواية ما كنتو معتمد علينو بالمعيشة ولذلك بهاي الفترة ما كان اكو داعي اعرض نفسي وعائلتي للمساءلة أو الخطر لأن داعش ما يعغفون هذ هاوي ولا محترف المهم عندم هذا الشخص بيدو كاميرا فبهذه الفترة كنتو اصور داخل البيت فقط كنتو اصور الوغد، مزهرية، اي شي قديم وكنتو اصور كذلك افراد العائلة من اخوتي خواتي ولاد عمي مجرد أوثق الحياة العائلية”. 

  

اعتمد هادي في هذه الفترة على التصوير الداخلي “الستيل لايف” و”البورتريه” في منزله، “دربتو نفسي في هذه الفترة على استخدام كاميرا الديجتال حتى اكون محترف بالتصوير اكثغ وقمتو أثقف نفسي ودرستو الفوتوغراف في هذي الفترة”. ويصف هادي الذي عاصر حروبا عديدة مرت على العراق بأنه لم ير يوماً مثل حرب الموصل في حياته، “تحولت مدينة الموصل إلى مدينة أشباح الحياة شبه متوقفي والناس تعيش بقلق ما يعغفون مصيرم واش ديصيغ، السوق تأثر والحياة كذلك وصاغ ركود كبيغ بالمدينة وكأنو فاتت بسبات وكان كلش صعب التنقل ما نعغف اش ممكن يصيغ بالطريق”. 

  

قبل دخول “داعش” إلى المدينة، اتخذ هادي قراراً من شأنه أن يغيّر مجرى الأحداث في حياته لاحقاً، وعمد على توثيق المعالم المعمارية للمدينة القديمة أو ما يسمّى (الجانب الأيمن) بين عامي 2010 – 2011. 

دفعه حبه للتصوير الفوتوغرافي وامتهانه له وولعه بالمدينة إلى القيام بهذه الخطوة، “أحببت فكرة أسلوب تصوير الشارع، لتوثيق حياة الناس اليومية بشوارعها وابنيتها”. 

رغم العوائق الكثيرة، والقوانين التعجيزية للحكومة المحلية التي طلبت منه أخذ موافقة من قيادة العمليات في الموصل، واشتراط مرافقة مفرزة خاصة معه، بسبب الوضع الأمني آنذاك على حد قوله، استمر هادي في مشروعه التصويري، ووثق العديد من المعالم التاريخية المهمة قبل هدمها، وتسوية جزء كبير منها في الأرض، كجامع النبي يونس، وجامع النوري، وعدد كبير من البيوت الموصلية القديمة. 

  

يصف هادي الوضع الأمني والسياسي في مدينة الموصل بين عامي 2011 – 2012، “كان اكو مشاكل أمنية والأحزاب المتناحرة والجيش والمجتمع ما كان بينو استقرار وقليل كنتو اشيل كاميرا وكان تصويري محدود بس إذا مناسبات عامة حدث معين”. 

يؤكد هادي على أهمية الحذر عند التقاط الصور في الأماكن العامة، وبعض الأماكن الحساسة، فمثلاً مكان مثل المباني الحكومية تعتبر مناطق حساسة عند تصويرها، ويحاسب عليها بدون موافقات، ولكن بعد 2020 تغير الوضع، “هسا نفوت نصور براحتنا حتى لو اكو نقطة عسكرية يسهللنا اما سابقا ما موجودي”. 

يرى هادي أن أهمية الموصل القديمة تكمن في قيمتها التاريخية العريقة، ومعمارها المميز، “أهم ما يميز المدينة عن غيرها هي طريقة البناء بيها مثل الأقواس والشبابيك والبيوت المبنية بنظام العقدة ومثل هذا الشي جوهر التراث المعماري بيها، وكذلك القناطر التي تشتهر بها المدينة القديمي”. 

لكنه يعتقد بالعديد من الأسباب التي منعت التوثيق المكثف للمدينة قبل دخول داعش، “كان في المدينة نوع من التوجس والقلق وايضا كان عامة الناس بالشارع ينظرون للكاميرا بنظرة خوف لان كان اكو عمليات ابتزاز وخطف لذلك توجس كثيغ ناس من الكاميرا وحدثت مشاكل عديدة اما الان ما موجود هذا الشي صاغ عادي جدا”. 

العودة إلى الكاميرا 

بعد تحرير المدينة عام 2017 عادت كاميرا هادي للتصوير، وأراد من خلالها إيصال صورة معينة عن المجتمع الموصلي، وهي أن الشعب يحب مدينته التي بدأت تتنفس من جديد، في محاولة من أجل كسر الصورة التي تشكلت عن أهالي المدينة. 

فبعد عام على تحريرها، بدأت المدينة تستعيد عافيتها شيئاً فشيئاً. 

سمح توثيق هادي المستمر للمدينة في أرشفة وطباعة العديد من الصور في كتيبات صغيرة، وصل عددها إلى 15 كتاباً مصوراً، ومن حسابه الخاص، كل كتاب يحكي عن معلم معين، وقصة معينة، حيث خصص في أحد الكتيبات صوراً عن قناطر الموصل، والتي تمتاز بها المدينة القديمة، وكرّس لها زاوية خاصة، كذلك تضمن جزءاً آخر عن البيوت الموصلية القديمة، والأهمية المعمارية النادرة فيها، سماها الأسطورة، وجامع النبي يونس وجامع النوري. وبسبب قلة الصور المتوفرة عن بعض هذه المعالم التي دمرت كلياً أو جزئياً، أصبحت العديد من صور هادي مرجعاً مهماً للمهندسين المعماريين، ومنظمات إعادة الإعمار. 

  

لم يقتصر توثيق هادي على معالم المدينة، فهو أراد تسليط الضوء كذلك على الحياة فيها بعد تحريرها، ووثق عودة الحياة في المدينة وأسواقها وبيوتها ومدارسها، وكيف يعيش الناس وسط هذا الخراب، وخصص كتيباً خاصاً يتكلم عن عودة المدارس. 

يحلم هادي في تحويل كل هذه الصور إلى كتاب شامل، يضم صوراً موثقة عن المدينة، وبسبب عدم وجود أي دعم حكومي بقيت الصور عالقة في الرفوف، “إذا وجدت ناشر أو دار نشر غاح انشرم اكيد” وهو الآن في صدد الانتهاء من كتيب يتحدث عن المرأة الموصلية ودورها المجتمعي. 

  

هناك رواية عند الموصليين تقول، إن أول دخول للكاميرا في العراق كان في الموصل، عن طريق اليهود والمسيحيين الذين وثقوا المدينة، وبسبب تحريم التصوير آنذاك لم يكن للمسلمين دور في توثيقها. 

يقول هادي، “توثقت الموصل من قبل المستشرقين والكهنة والرحالة اللي جوا لاحقا للمدينة واستطاعوا تصوير الابنية والعمارات الخارجية، ولكن لم يقدروا توثيق المنازل من الداخل، كان صعب يفوت على بيت ويصور لان العادات والتقاليد ما كانت تسمح”. 

  

وجوه من الموصل، تصوير سعد هادي. 
وجوه من الموصل، تصوير سعد هادي. 

تضم المدينة القديمة بين أزقتها وحاراتها والتي لا تتجاوز مساحتها 40 بالمئة من المساحة الإجمالية لمدينة الموصل، المئات من المعالم التاريخية من مختلف العصور والديانات، كجامع النوري ومنارة الحدباء التي بنيت في العهد الأتابكي، والفترة العباسية والعثمانية، فضلاً عن سور نينوى والكنائس العريقة، التي تعود لمئات السنين، والذي يعده البعض فناً معمارياً متميزاً. 

  

علي البارودي (40 عاماً) المصور والأستاذ في جامعة الموصل، يصف لجمّار المدينة القديمة بعد عام 2017، “فقدت بريقها وهويتها الصوتية، “الضوضاء هو هوية على سبيل المثال.. ضوضاء سوق العطارين تختلف عن ضوضاء سوق السمك وسوق الحدادين كل هذه الضجة والوان الحياة تحولت الى صمت أشبه بصمت المقابر”. 

  

قرر البارودي البدء برحلة توثيق للمدينة في لحظة فارقة بتاريخها، في صباح سقوطها بيد “داعش” عام 2014، “كان عندي صورة متواضعة بالموبايل في وقت داعش.. في صباح سقوط الموصل بيد داعش، ولكن عندما خليتها على الحاسبة وعالجتها أدركت اننا أمام مرحلة جديدة، مرحلة احتلال جديد، احتلال بغيض، ومرحلة في قمة عدم الأمان”. 

بعد تحرير منطقتهم في الجانب الأيسر من داعش، نزل إلى الميدان حاملاً كاميرته ووثق الدمار والخراب الذي تعرضت له جامعة الموصل، ووثق حملات التطوع، وانتقل لاحقاً إلى توثيق حياة الناس بعد “داعش”، ووثق المهرجانات والحفلات الموسيقية، “لكن كل هذا لم يرو ظمئي بعد عبوري إلى الجانب الأيمن، رأيت مشهداً مغايراً لحياتنا، رأيت ما عملته الحرب من تشتيت وتدمير وأدركت وجود مدينتين، مدينة بدأت بالانتعاش سريعاً (الجانب الأيسر) ومدينة أخرى مختلفة تماماً (الجانب الأيمن) كل شيء كان رمادياً، فقدت المدينة ألوانها”. 

  

حرص البارودي عام 2018، على توثيق العودة إلى المدينة القديمة، وحياتها الاجتماعية، مثل سوق الحدادين، وسوق العطارين، إلى جانب توثيق العديد من المعالم الرئيسية كجامع النوري وكنيسة الساعة، وآخر عمل وثّقه هو حمّام القلعة، “أن تشهد بالكاميرا هو شيء أشبه بإصدار شهادة الوفاة، ومن ثم شطب شهادة الوفاة وإعطاء شيء آخر هو شهادة الحياة وشهادة النهوض”. 

  

كما عمد إلى عمل مقارنات صورية بين عام 2017 واليوم، مثل شارع حلب وباب الطوب ومركز المدينة، وحرص في إظهار إعادة إعمار المدينة لاحقاً، “حرصت دوماً كلما مررتُ بمكان خرب وعاد للحياة مرة ثانية أن أُري الناس أن هذه المدينة بدأت تضج بالحياة، بدأت تنتعش، بدأت تتعلم كيف تستفيد من الآخرين”. 

  

صورتان لعلي البارودي في مشهدين مختلفين من الموصل. المصدر: علي البارودي

يؤكد البارودي أن غياب التوثيق في فترة ما يؤدي إلى غياب الحقيقة عن هذه الفترة، وعلى الرغم من مرور 7 سنوات على تحريرها؛ لا تزال آثار الدمار المروعة تنتشر في المدينة القديمة، ولا يزال الآلاف غير قادرين على العودة إلى ديارهم بسبب الأضرار الجسيمة التي خلفها القصف والمواجهات العنيفة بين الجيش و”داعش”، إذ لم تتجاوز نسب الأعمار 60 بالمائة من حجم الدمار. 

  

تحرّرت المدينة من داعش في السادس من حزيران عام 2017، خاضت القوات العراقية آنذاك بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي معارك ضارية، استمرت 9 أشهر، وقدرت أعداد القتلى ما بين 9 – 11 ألف قتيل، وفقاً لوكالة “أسوشيتد برس” التي وثّقت الخسائر المدنية، فيما بلغت نسب الدمار في الموصل 80 بالمئة. 

  

 

الصورة وأهميتها في التوثيق 

يتفق مصوّرو الموصل بأن توثيق المدينة أمر في غاية الأهمية، وتكمن هذه الأهمية في رصد المراحل التي تمر بها المدينة، فإذا أردنا لهذه المدن ألا تموت، علينا توثيق كل شيء، تاريخها المحكي وغير المحكي، المادي وغير المادي، وكل ما يتعلق بالمعالم وأناسها وجذور وهوية المجتمع في المدينة. 

سمح وضع المدينة بعد عام 2017 في تصوير العديد من المعالم المتبقية وتوثيق الحياة فيها، بعد سنين طويلة من التضييق على المصورين، حيث يقول محمد الجليلي، المصور الفني والفوتوغرافي، إن توثيق الصورة بالذات في مدينة كمدينة الموصل مهم جداً، ولكن “لم نكن نستطع كمصورين التعامل بحرية مع الكاميرا”. 

ويؤكد بأن المضايقات التي حدثت للمصورين اقتصرت على المصورين المحليين فقط، “بينما يجي سائح أجنبي يصور في الموقع ذاته محد يحكي معانو”. 

 يرى الجليلي أن منع التصوير كان سياسة قديمة مستمرة منذ أواسط الثمانينات، وشراء الكاميرا بذاتها كان يتطلب منك أن تأخذ موافقة من دائرة الأمن، ووجود الكاميرا في يدك يعني أنك عرضة للاستجواب دائماً، “فالتصوير كان محدوداً جداً واقتصر اقتناء الكاميرا على تصوير شخصي أو عائلي أو أحيانا دورها يكون تنسيقيا لأجل تصوير معالم معينة فقط”.  

يشير البارودي إلى أن سياسة التضييق تزامنت مع بدء الحرب الإيرانية العراقية عام 1980. 

  

ويقول الجليلي إن سياسات التضييق كانت تتم كذلك من خلال إبلاغ الناس “في هذيك الفترة كان كل شيء يؤخذ بسوء نية وكل شيء ممنوع المواطن رقيب والرقيب رقيب لأن الناس كانت تخاف من الكاميرا فالصورة هي رحلة في التاريخ فعند التقاطي صورة فإنها ستستمر مئة سنة مئتين سنة تعيدني الى ذلك الزمن الذي التقطت بها” الصورة وثيقة، هذا ما يؤمن به مصورو الموصل. 

  

بالنسبة للجليلي، فإن دخول عالم الديجيتال بعد عام 2003 فتح للمصورين آفاقاً واسعة، وانتقل التصوير إلى مرحلة الانفتاح الكبير في عالم الفوتوغراف، وأصبح السوق مزدهراً من ناحية تنوع المعدات، والعالم كذلك بدأ يتطور في هذا المجال، وسمح المسح والتعديل في إضافة بعد آخر للصورة، “قديماً كنا انطيق التقاط عدد معدود من الصور وما تعغف اش التقطتو الا بعد تحميض الصور في الاستوديو، بس بعد دخول الإنترنت تكونت لك حرية لا حصر لها وسهلت كاميرا الموبايل المتنقلة العمل بشكل لا يمكن وصفو واصبحت هاي الكاميرات تضاهي الكاميرات الاعتيادية”. 

صورة شخصية وصورتان التقطهما مراد الداغستاني في ثلاثينيات القرن الماضي، المصدر: ويكبيديا  

مدارس التصوير في الموصل 

لم يثر اهتمام المصورين المحليين قديماً توثيق أحداث مرّت بها مدينة الموصل، واقتصر التصوير في المدينة قديماً على تصوير أحداث وأعمال يقوم بها الولاة والخروج مع البعثات التنقيبية وتصوير الآثار. ولكن سُجّل لعدد قليل من المصورين ومنهم إبراهيم الدرويش توثيق أحداث مرت بها المدينة، إذ وثّق الدرويش كل الأحداث السياسية والمظاهرات والأحداث الاجتماعية في نهاية الخمسينيات، ولوحق في فترة ظهور الأحزاب القومية والشيوعية، وتعرض لمحاولات اغتيال عدة، وآُحرق الاستوديو الذي افتتحه في الموصل، حتى اعتزل التصوير في السبعينيات من العقد الماضي. 

  

فيما يقول أنور الدرويش، الفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي وعضو الهيئة الإدارية للجمعية العراقية، إن أسباب قلة التوثيق هو أن الوعي التصويري لم يكن كما ندركه اليوم، كان التصوير يقتصر على معالم معينة كأبنية بنيت حديثاً أو ساحات جديدة أُنشئت أو تصوير شخصيات في الاستوديو، وكان هناك مصورون يختصون بتصوير العائلة الملكية والرؤساء والولاة. 

ويرجع الدرويش ذلك إلى أن حمل الكاميرا كان من النوادر، إذ لم يوثق المدينة ومعالمها والاهتمام بها غير الأجانب الوافدين آنذاك، ولا تزال مكتبات عالمية تحتفظ بأرشيف عن الموصل القديمة وآثارها. 

أما محمد الجليلي، فيرجع الفضل إلى المصورين المعماريين في توثيق العديد من معالم الموصل، “تعاون المعماريين مع مصوري الاستوديو فتح أعينهم على التراث القيم في المدينة” ويذكر أنور الدرويش أن أول من اقتنى الكاميرا في مدينة الموصل، هو نعوم الصائغ، والد الشاعر يوسف الصائغ، كان ذلك بين عامي 1890 – 1895، الذي كان يتبع الكنيسة، وتحديداً كنيسة الساعة في الموصل، وكان يرافق علماء الآثار، ويحمل الكاميرا من أجل التصوير في الحضر والنمرود وغيرها من المواقع الأثرية. 

وعرف العراق الكاميرا أثناء قدوم البعثات التنقيبية إلى الموصل، كان المصورون يرافقون علماء الآثار في ذلك الوقت، ويقول درويش، “كان يرافق علماء الآثار دليل ومترجم والدليل كان يأتي في العادة من الكنائس لأن علماء الآثار كانوا يأتون من دول مثل فرنسا وإيطاليا يحملون الديانة ذاتها، وكان احتكاكهم بالأرمن على وجه الخصوص” ولم ينتقل التصوير إلى المسلمين إلا في فترة متأخرة بسبب تحريم الصورة آنذاك. 

مرحلة ما بعد الخمسينات أصبح هناك توجه مختلف للتصوير، بحسب الدرويش، فقد صار هناك اهتمام في تصوير المدينة وأزقتها، وظهر مصورون أمثال معن آل زكريا وكوفاديس ومراد الداغستاني، وفي هذه الفترة بدأ المجتمع كذلك ينهض ثقافياً وفنياً، وصار وجود الكاميرات منتشراً بشكل أكبر. 

يرى الدرويش بأن النقلة الحقيقية التي حدثت في عالم التصوير؛ كانت في فترة مراد الداغستاني، فشخصية الداغستاني وإمكانياته المادية سمحت له بالدراسة في الخارج، وأهلته في أن يصبح مصوراً سابقاً لعصره، “صوره كانت مميزة، واعتمد في تصويره على البورتريه، ووظف الفن التشكيلي في صوره، فهو يعتبر من رموز الحداثة في زمن الكلاسيكية”. 

يعتبر ياسر العبيدي، الباحث التاريخي والتراثي، أن الصورة تعطي بُعدا تأكيديا للتوثيق، فعند مقارنة أي كتابة بالصورة الملحقة بها؛ تعطينا مصداقية أكبر، فالصورة هي دلالة رمزية لتأكيد التوثيق باللغة. 

 ويضيف العبيدي أن الوقت الذي نعيش فيه عزز لدينا الريبة والشك مما يكتب؛ فكيف بالأمور المكتوبة قبل آلاف السنين، كيف وثّقت! وتأتي هنا أهمية الصورة من أجل التثبت.