"نتحدّى الصخور والتقاليد".. نساء فوق جبال كردستان 

رشيد صوفي

13 شباط 2024

"واجهتُ المخاطر والتقاليد الاجتماعية من أجل الاستمرار في ممارسة تسلّق الجبال، والآن كل تركيزي ينصب على الصعود نحو قمة الجبل التي منحتني الجرأة والقوة في مواجهة المعوقات بثقة أكبر".. رحلة نساء فوق جبال كردستان

يتعيَّن على بيمان طه تفقُّد عدّتها جيداً والتأكد من عدم وجود نواقص فيها قبل الانطلاق في رحلتها المحفوفة بالمخاطر نحو إحدى قمم جبال إقليم كردستان. 

وتمارس بيمان (50 عاماً) هوايتها في تسلق الجبال منذ نحو 18 عاماً، وهي حالياً تقود مجموعة “هزار مرد” لتسلق الجبال. 

تضم المجموعة عشرات النساء والرجال الذين يمارسون هوايتهم بشكل مستمر في مختلف مناطق الإقليم. 

وبدأت بيمان بممارسة الهواية مع أفراد أسرتها البالغة الستة، ومن ثم انضم أقرباؤها وأصدقاؤها إلى فريقها، وبعد ذلك اتسع الفريق ليشمل العشرات من النساء والرجال من مختلف الفئات العمرية. 

“أتوجّهُ دائماً إلى قمة الجبل باندفاع وتحدٍ قوي وأمل كبير، وعندما أصل إلى القمة أنسى كل ما تحملته من عناء وجهد ومخاطرة. أشعر بتجدّد حياتي هناك وكأنني ولدت من جديد” تقول بيمان لـ”جمّار”. 

غروب الشمس في جبال كردستان  

ولا يتجاوز عمر رياضة تسلق الجبال في كردستان 23 عاماً، لكنها منتشرة الآن بشكل واسع بين فئة الشباب على وجه الخصوص. 

ويستخدم المتسلقون في مغامراتهم عدة تتألف من حذاء ملائم للمشي في طرق الجبال الوعرة وسترة شتائية (قمصلة) وكنزة وبناطيل كوماندو، وهذه يتم شراؤها غالباً من أسواق الملابس المستعملة (البالة). 

كما يحملون معهم قبعة للحماية من الشمس صيفاً والبرد شتاء وصولجاناً للمساعدة في المشي وحبالاً ومطارق وسكاكين ومسامير كبيرة ومواد للإسعافات الأولية. 

وتكلف العدة نحو 300 ألف دينار (قرابة 200 دولار). 

ويستعمل المتسلقون الحبال والمسامير الكبيرة للصعود عندما تكون حافة الجبل حادة ولا يمكن قطعها سيراً. 

وتنتشر في كردستان سلاسل جبلية شاسعة بارتفاعات متفاوتة. 

ويعد جبل هلكورد في محافظة أربيل أعلى قمة جبل في العراق، إذ يبلغ ارتفاعه 3607 أمتار فوق مستوى سطح البحر. 

وتقول بيمان إنها وصلت إلى قمة هلكورد في رحلة استغرقت أكثر من ساعتين من المشي صعوداً وسط دروب وعرة. 

“لكن بعض أصدقائي وصلوا إلى هذه القمة خلال أكثر من ثلاث ساعات”. 

وتنظم بيمان بين مدة وأخرى فعالية لتسلُّق الجبال يشارك فيها العديد من النساء والرجال، كما أنها شاركت مؤخراً في مخيم لتسلق الجبال أقيم في إيران. 

أعلى قمم جبال إقليم كردستان 

مُخاطرة مُميتة 

لا يخلو تسلق الجبال من المخاطر، ويدرك ممارسو هذه الرياضة أن أيّ انزلاقة صغيرة وغير محسوبة قد تؤدي إلى الموت. 

“في العام الماضي فقدنا شخصاً عزيزاً بسبب سقوطه من الجبل نتيجة خطأ صغير” تقول بيمان. 

وما زالت هناك مناطق جبلية مزروعة بالألغام وتشكل خطراً على حياة الأشخاص الذين يتواجدون فيها. 

وتوضح بيمان أنها ومجموعتها تنسق مع الجهات الأمنية عند ممارسة التسلق في أماكن خطيرة، لكنها تشكو من أن تلك الجهات تمنع حمل السلاح. 

“حمل السلاح ضروري، خصوصاً في حالات التخييم والبقاء في الجبال لمواجهة المخاطر، ومنها الحيوانات المفترسة”. 

وبحسب بيمان، يسارع المتسلقون إلى الاتصال بالدفاع المدني عند وقوع خطب ما، وفي أغلب الأحيان تكون الاستجابة سريعة. 

لكن ريكان جمال، الضابط في الدفاع المدني بالسليمانية، ممتعض من أن بعض المجموعات تمارس تسلق الجبال من دون إخطار الجهات المعنيّة. 

“بعض الأعضاء من فرق تسلق الجبال تعرضوا لحوادث ولم يتم إبلاغنا إلا بعد فشلهم في معالجتها” يقول جمال لـ”جمّار”. 

ويضيف أن متسلقي الجبال تعرضوا للعديد من الحوادث مثل العلق في المناطق الوعرة أو إصابة بعضهم جراء الانزلاق أو السقوط أو فقدان بعضهم، موضحا أن غياب التنسيق “يؤدي إلى إعاقة عملنا في إنقاذهم وتقديم المساعدة اللازمة”. 

وعلى مدى سنوات سجلت مديرية الدفاع المدني في كردستان العديد من حوادث السقوط والانزلاق والعلق في الأماكن الجبلية. 

ويشدد جمال على ضرورة التنسيق مع الجهات المعنية وتزويدها بالمعلومات اللازمة قبل التوجه لتسلق الجبال، ولاسيما في ظل وجود أماكن غير آمنة. 

التعليق: الوصول إلى قمة الجبال إقليم كردستان 

ويعد تسلق الجبال من الرياضات الطبيعية، أول من مارسها هو البريطاني السير ألفرد ويليس عام 1854، مع المحاولات الأولى لبلوغ القمم الجبلية. 

ويعود بدء النشاطات الحديثة لمجاميع تسلق الجبال في كردستان إلى عام 2000 تقريباً، وشهدت الأعوام القليلة الماضية توسعاً ملحوظاً في ممارسة هذه الفعالية، إذ يوجد في الإقليم حالياً أكثر من 200 مجموعة تمارس نشاطات تسلق الجبال. 

وتتألف كل مجموعة من 5 إلى 100 عضو يمارسون تسلق الجبال والمشي بهدف التنزه والسياحة والتزلج على الثلوج. 

وفي عام 2005 تم تأسيس أول اتحاد يضم مجموعات لتسلق الجبال في كردستان، بحسب نادر روستاي رئيس مجلس مجموعة قلعة أربيل لتسلق الجبال. 

نحو القمة.. ضد التقاليد 

تمارس بروين عبد الرزاق (31 عاماً) تسلق الجبال منذ ثلاثة أعوام، وتمكنت من ارتقاء عدد من القمم. 

وتروي بروين لـ”جمّار” كيف أنها كانت في البداية تواجه صعوبات في التسلق وتخشى الصعود إلى الأماكن المرتفعة، لكنها بعد الممارسة بدأت بالتحسن نحو الأفضل وامتلكت الجرأة خطوة بعد أخرى. 

وخلال هذه الفترة تمكنت من بلوغ قمم عدد من الجبال بينها هلكورد وكودو وبيرمكرون وبيكوتيان وأزدهان ونبي آغا وجاسنة وغيرها التي تعد من الجبال المرتفعة والوعرة في كردستان. 

“صعود الجبال والمشي عبر مسالكها الوعرة والتسلق فوق صخورها والتنقل بين شقوقها المحفوفة بالمخاطر، يعطي متعة حذرة لا يتذوقها إلا من يمارس هذا النشاط بشغف وحماس. خلال ممارستي تسلق الجبال أصبت مرات عدة في يدي ورأسي، لكنني اعتدت الآن على معالجة الإصابات بنفسي قدر الإمكان”. 

وتعدّ بروين، ممارستها تسلق الجبال، وسيلة لتوطيد العلاقات الاجتماعية، فمن خلال هذا النشاط تعرفت على زميلات وزملاء تتبادل معهم دائماً الآراء والأفكار في شتى مناحي الحياة. 

كما أنها تقضي أوقاتاً جميلة معهم في تسلق الجبال والمشي على الثلوج وتحت الأمطار ووسط الضباب في الشتاء وتحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف ووسط الوديان والطرق الوعرة وعبور الأنهر والاستراحة في الكهوف وتحت ظلال الأشجار وأمام الينابيع. 

“كل ذلك منحني شعوراً مختلفاً بأن الوجود وسط الطبيعة يفرض على الإنسان أن يتحمل أعباء الحياة الصعبة وتحدّياتها، كما أنه استمتاع بالأجواء الخلابة وصحبة الأصدقاء”. 

وبالنسبة لها، كانت ممارسة تسلق الجبال صعبة في السنوات السابقة، إذ أنها تتطلب جهداً وطاقة وقوة جسدية، وفي الوقت ذاته تتطلب جرأة في مواجهة التقاليد الاجتماعية التي تقيّد حركة المرأة، خصوصاً في هذا النشاط المليء بالمغامرة. 

“أنا واجهتُ الأمرين من أجل الاستمرار في ممارسة هذا النشاط، والآن كل تركيزي ينصب على الصعود نحو قمة الجبل التي منحتني الجرأة والقوة في مواجهة المعوقات بثقة أكبر”. 

وتشكل جبال إقليم كردستان 5.3 بالمئة من مساحة العراق، أو ما يعادل 23270 كيلومتراً مربعاً، وتتكون من مجموعة من السلاسل الجبلية يزيد ارتفاعها عن 1200 متر، وتبدأ بجبل “بخير” في الشمال الغربي قرب مدينة زاخو ثم الجبل الأبيض عند مدينة دهوك فجبل عقرة الذي تقع عليه مدينة عقرة ثم جبل صلاح الدين وهيبت سلطان وجبل سكرمة وقره داغ وتنتهي جنوب موقع سد دربندخان حيث يمتد جبل برانان باتجاه الحدود الإيرانية. 

أوائل المتسلقين 

يرجح نوري محمد علي، الصحفي الرياضي المتابع لرياضة تسلق الجبال، أن فعاليات التسلق في إقليم كردستان تعود إلى بداية أربعينيات القرن الماضي. 

وكانت هذه الفعاليات -وفقاً لعلي- محصورة بين الرجال من سكان القرى، ومن ثم انتشرت في المدن. 

“لهذه الرياضة أهمية بدنية وصحية كبيرة باعتبارها تمريناً لكامل الجسم من الرأس إلى القدمين، فضلاً عن أن هذه الرياضة تساهم في جوانب الترويح النفسي والترفيه، كما أنها تمنح المتسلق التركيز والتوازن والمرونة” يقول علي لـ”جمّار”. 

ويرى أن هذه الرياضة تساهم في تنشيط السياحة، إذ أن كثيراً من السياح يأتون إلى الإقليم من المناطق العراقية الأخرى لممارسة هذا النشاط. 

ويشدد على ضرورة أن تكون في حيازة المتسلق جميع الاحتياجات اللازمة كمواد الإسعافات الأولية والأحذية الرياضية والألبسة والمستلزمات الأخرى من حبال وعُدَد وأدوات ضرورية، فضلاً عن البوصلة والخرائط ليتمكن من الوصول إلى المواقع المستهدفة بسهولة. 

“مهما كان الثمن” 

لعل رغبة الشباب الكرد في تسلق الجبال نابعة من تعلق شخصية الفرد الكردي بها، إذ يرى أحمد محمود الخليل، باحث اجتماعي، أن الجبل هو العامل البيئي الأكثر تأثيراً في الشخصية الكردية. 

يقول الخليل في كتابه “الشخصية الكردية” إن “الكردي والجبل رفيقان متلازمان، كانا كذلك في العصور الحجرية، وظلا كذلك في العصور التالية، وما زالا كذلك إلى الآن، ويكفي أن تمرّ أمام عينيك مواطن الكرد في عصرنا هذا، لتجد أنهم يقيمون في الغالب حيث تكون الجبال أو سفوحها وسهولها”. 

وبالنسبة لبيمان، لا تنحصر فعاليات تسلق الجبال في الجانب الرياضي وتحسين اللياقة البدنية فحسب، وإنما هي نشاط اجتماعي وثقافي أيضاً يسهم في توطيد العلاقات بين الجنسين، على الرغم من أنها كانت تواجه انتقادات بشأن إشراك الرجال والنساء في أنشطتها. 

“لا أكترث بما يقوله البعض بشأن نشاطاتي. هدفي أن تجد المرأة مكانتها على قمم الجبال وتوطيد العلاقات بين المشاركين في أنشطتي من الرجال والنساء”. 

وبما أنها في الخمسين من عمرها، تتحدى الشبان في الصعود إلى قمم الجبال بكل ما يملكونه من قوة ولياقة. 

“سأواصل نشاطي مهما كان الثمن” تقول بيمان إزاء القيود الاجتماعية التي تمنع فتيات كثيرات من تحقيق رغبتهن في ممارسة هذه الرياضة. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

يتعيَّن على بيمان طه تفقُّد عدّتها جيداً والتأكد من عدم وجود نواقص فيها قبل الانطلاق في رحلتها المحفوفة بالمخاطر نحو إحدى قمم جبال إقليم كردستان. 

وتمارس بيمان (50 عاماً) هوايتها في تسلق الجبال منذ نحو 18 عاماً، وهي حالياً تقود مجموعة “هزار مرد” لتسلق الجبال. 

تضم المجموعة عشرات النساء والرجال الذين يمارسون هوايتهم بشكل مستمر في مختلف مناطق الإقليم. 

وبدأت بيمان بممارسة الهواية مع أفراد أسرتها البالغة الستة، ومن ثم انضم أقرباؤها وأصدقاؤها إلى فريقها، وبعد ذلك اتسع الفريق ليشمل العشرات من النساء والرجال من مختلف الفئات العمرية. 

“أتوجّهُ دائماً إلى قمة الجبل باندفاع وتحدٍ قوي وأمل كبير، وعندما أصل إلى القمة أنسى كل ما تحملته من عناء وجهد ومخاطرة. أشعر بتجدّد حياتي هناك وكأنني ولدت من جديد” تقول بيمان لـ”جمّار”. 

غروب الشمس في جبال كردستان  

ولا يتجاوز عمر رياضة تسلق الجبال في كردستان 23 عاماً، لكنها منتشرة الآن بشكل واسع بين فئة الشباب على وجه الخصوص. 

ويستخدم المتسلقون في مغامراتهم عدة تتألف من حذاء ملائم للمشي في طرق الجبال الوعرة وسترة شتائية (قمصلة) وكنزة وبناطيل كوماندو، وهذه يتم شراؤها غالباً من أسواق الملابس المستعملة (البالة). 

كما يحملون معهم قبعة للحماية من الشمس صيفاً والبرد شتاء وصولجاناً للمساعدة في المشي وحبالاً ومطارق وسكاكين ومسامير كبيرة ومواد للإسعافات الأولية. 

وتكلف العدة نحو 300 ألف دينار (قرابة 200 دولار). 

ويستعمل المتسلقون الحبال والمسامير الكبيرة للصعود عندما تكون حافة الجبل حادة ولا يمكن قطعها سيراً. 

وتنتشر في كردستان سلاسل جبلية شاسعة بارتفاعات متفاوتة. 

ويعد جبل هلكورد في محافظة أربيل أعلى قمة جبل في العراق، إذ يبلغ ارتفاعه 3607 أمتار فوق مستوى سطح البحر. 

وتقول بيمان إنها وصلت إلى قمة هلكورد في رحلة استغرقت أكثر من ساعتين من المشي صعوداً وسط دروب وعرة. 

“لكن بعض أصدقائي وصلوا إلى هذه القمة خلال أكثر من ثلاث ساعات”. 

وتنظم بيمان بين مدة وأخرى فعالية لتسلُّق الجبال يشارك فيها العديد من النساء والرجال، كما أنها شاركت مؤخراً في مخيم لتسلق الجبال أقيم في إيران. 

أعلى قمم جبال إقليم كردستان 

مُخاطرة مُميتة 

لا يخلو تسلق الجبال من المخاطر، ويدرك ممارسو هذه الرياضة أن أيّ انزلاقة صغيرة وغير محسوبة قد تؤدي إلى الموت. 

“في العام الماضي فقدنا شخصاً عزيزاً بسبب سقوطه من الجبل نتيجة خطأ صغير” تقول بيمان. 

وما زالت هناك مناطق جبلية مزروعة بالألغام وتشكل خطراً على حياة الأشخاص الذين يتواجدون فيها. 

وتوضح بيمان أنها ومجموعتها تنسق مع الجهات الأمنية عند ممارسة التسلق في أماكن خطيرة، لكنها تشكو من أن تلك الجهات تمنع حمل السلاح. 

“حمل السلاح ضروري، خصوصاً في حالات التخييم والبقاء في الجبال لمواجهة المخاطر، ومنها الحيوانات المفترسة”. 

وبحسب بيمان، يسارع المتسلقون إلى الاتصال بالدفاع المدني عند وقوع خطب ما، وفي أغلب الأحيان تكون الاستجابة سريعة. 

لكن ريكان جمال، الضابط في الدفاع المدني بالسليمانية، ممتعض من أن بعض المجموعات تمارس تسلق الجبال من دون إخطار الجهات المعنيّة. 

“بعض الأعضاء من فرق تسلق الجبال تعرضوا لحوادث ولم يتم إبلاغنا إلا بعد فشلهم في معالجتها” يقول جمال لـ”جمّار”. 

ويضيف أن متسلقي الجبال تعرضوا للعديد من الحوادث مثل العلق في المناطق الوعرة أو إصابة بعضهم جراء الانزلاق أو السقوط أو فقدان بعضهم، موضحا أن غياب التنسيق “يؤدي إلى إعاقة عملنا في إنقاذهم وتقديم المساعدة اللازمة”. 

وعلى مدى سنوات سجلت مديرية الدفاع المدني في كردستان العديد من حوادث السقوط والانزلاق والعلق في الأماكن الجبلية. 

ويشدد جمال على ضرورة التنسيق مع الجهات المعنية وتزويدها بالمعلومات اللازمة قبل التوجه لتسلق الجبال، ولاسيما في ظل وجود أماكن غير آمنة. 

التعليق: الوصول إلى قمة الجبال إقليم كردستان 

ويعد تسلق الجبال من الرياضات الطبيعية، أول من مارسها هو البريطاني السير ألفرد ويليس عام 1854، مع المحاولات الأولى لبلوغ القمم الجبلية. 

ويعود بدء النشاطات الحديثة لمجاميع تسلق الجبال في كردستان إلى عام 2000 تقريباً، وشهدت الأعوام القليلة الماضية توسعاً ملحوظاً في ممارسة هذه الفعالية، إذ يوجد في الإقليم حالياً أكثر من 200 مجموعة تمارس نشاطات تسلق الجبال. 

وتتألف كل مجموعة من 5 إلى 100 عضو يمارسون تسلق الجبال والمشي بهدف التنزه والسياحة والتزلج على الثلوج. 

وفي عام 2005 تم تأسيس أول اتحاد يضم مجموعات لتسلق الجبال في كردستان، بحسب نادر روستاي رئيس مجلس مجموعة قلعة أربيل لتسلق الجبال. 

نحو القمة.. ضد التقاليد 

تمارس بروين عبد الرزاق (31 عاماً) تسلق الجبال منذ ثلاثة أعوام، وتمكنت من ارتقاء عدد من القمم. 

وتروي بروين لـ”جمّار” كيف أنها كانت في البداية تواجه صعوبات في التسلق وتخشى الصعود إلى الأماكن المرتفعة، لكنها بعد الممارسة بدأت بالتحسن نحو الأفضل وامتلكت الجرأة خطوة بعد أخرى. 

وخلال هذه الفترة تمكنت من بلوغ قمم عدد من الجبال بينها هلكورد وكودو وبيرمكرون وبيكوتيان وأزدهان ونبي آغا وجاسنة وغيرها التي تعد من الجبال المرتفعة والوعرة في كردستان. 

“صعود الجبال والمشي عبر مسالكها الوعرة والتسلق فوق صخورها والتنقل بين شقوقها المحفوفة بالمخاطر، يعطي متعة حذرة لا يتذوقها إلا من يمارس هذا النشاط بشغف وحماس. خلال ممارستي تسلق الجبال أصبت مرات عدة في يدي ورأسي، لكنني اعتدت الآن على معالجة الإصابات بنفسي قدر الإمكان”. 

وتعدّ بروين، ممارستها تسلق الجبال، وسيلة لتوطيد العلاقات الاجتماعية، فمن خلال هذا النشاط تعرفت على زميلات وزملاء تتبادل معهم دائماً الآراء والأفكار في شتى مناحي الحياة. 

كما أنها تقضي أوقاتاً جميلة معهم في تسلق الجبال والمشي على الثلوج وتحت الأمطار ووسط الضباب في الشتاء وتحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف ووسط الوديان والطرق الوعرة وعبور الأنهر والاستراحة في الكهوف وتحت ظلال الأشجار وأمام الينابيع. 

“كل ذلك منحني شعوراً مختلفاً بأن الوجود وسط الطبيعة يفرض على الإنسان أن يتحمل أعباء الحياة الصعبة وتحدّياتها، كما أنه استمتاع بالأجواء الخلابة وصحبة الأصدقاء”. 

وبالنسبة لها، كانت ممارسة تسلق الجبال صعبة في السنوات السابقة، إذ أنها تتطلب جهداً وطاقة وقوة جسدية، وفي الوقت ذاته تتطلب جرأة في مواجهة التقاليد الاجتماعية التي تقيّد حركة المرأة، خصوصاً في هذا النشاط المليء بالمغامرة. 

“أنا واجهتُ الأمرين من أجل الاستمرار في ممارسة هذا النشاط، والآن كل تركيزي ينصب على الصعود نحو قمة الجبل التي منحتني الجرأة والقوة في مواجهة المعوقات بثقة أكبر”. 

وتشكل جبال إقليم كردستان 5.3 بالمئة من مساحة العراق، أو ما يعادل 23270 كيلومتراً مربعاً، وتتكون من مجموعة من السلاسل الجبلية يزيد ارتفاعها عن 1200 متر، وتبدأ بجبل “بخير” في الشمال الغربي قرب مدينة زاخو ثم الجبل الأبيض عند مدينة دهوك فجبل عقرة الذي تقع عليه مدينة عقرة ثم جبل صلاح الدين وهيبت سلطان وجبل سكرمة وقره داغ وتنتهي جنوب موقع سد دربندخان حيث يمتد جبل برانان باتجاه الحدود الإيرانية. 

أوائل المتسلقين 

يرجح نوري محمد علي، الصحفي الرياضي المتابع لرياضة تسلق الجبال، أن فعاليات التسلق في إقليم كردستان تعود إلى بداية أربعينيات القرن الماضي. 

وكانت هذه الفعاليات -وفقاً لعلي- محصورة بين الرجال من سكان القرى، ومن ثم انتشرت في المدن. 

“لهذه الرياضة أهمية بدنية وصحية كبيرة باعتبارها تمريناً لكامل الجسم من الرأس إلى القدمين، فضلاً عن أن هذه الرياضة تساهم في جوانب الترويح النفسي والترفيه، كما أنها تمنح المتسلق التركيز والتوازن والمرونة” يقول علي لـ”جمّار”. 

ويرى أن هذه الرياضة تساهم في تنشيط السياحة، إذ أن كثيراً من السياح يأتون إلى الإقليم من المناطق العراقية الأخرى لممارسة هذا النشاط. 

ويشدد على ضرورة أن تكون في حيازة المتسلق جميع الاحتياجات اللازمة كمواد الإسعافات الأولية والأحذية الرياضية والألبسة والمستلزمات الأخرى من حبال وعُدَد وأدوات ضرورية، فضلاً عن البوصلة والخرائط ليتمكن من الوصول إلى المواقع المستهدفة بسهولة. 

“مهما كان الثمن” 

لعل رغبة الشباب الكرد في تسلق الجبال نابعة من تعلق شخصية الفرد الكردي بها، إذ يرى أحمد محمود الخليل، باحث اجتماعي، أن الجبل هو العامل البيئي الأكثر تأثيراً في الشخصية الكردية. 

يقول الخليل في كتابه “الشخصية الكردية” إن “الكردي والجبل رفيقان متلازمان، كانا كذلك في العصور الحجرية، وظلا كذلك في العصور التالية، وما زالا كذلك إلى الآن، ويكفي أن تمرّ أمام عينيك مواطن الكرد في عصرنا هذا، لتجد أنهم يقيمون في الغالب حيث تكون الجبال أو سفوحها وسهولها”. 

وبالنسبة لبيمان، لا تنحصر فعاليات تسلق الجبال في الجانب الرياضي وتحسين اللياقة البدنية فحسب، وإنما هي نشاط اجتماعي وثقافي أيضاً يسهم في توطيد العلاقات بين الجنسين، على الرغم من أنها كانت تواجه انتقادات بشأن إشراك الرجال والنساء في أنشطتها. 

“لا أكترث بما يقوله البعض بشأن نشاطاتي. هدفي أن تجد المرأة مكانتها على قمم الجبال وتوطيد العلاقات بين المشاركين في أنشطتي من الرجال والنساء”. 

وبما أنها في الخمسين من عمرها، تتحدى الشبان في الصعود إلى قمم الجبال بكل ما يملكونه من قوة ولياقة. 

“سأواصل نشاطي مهما كان الثمن” تقول بيمان إزاء القيود الاجتماعية التي تمنع فتيات كثيرات من تحقيق رغبتهن في ممارسة هذه الرياضة.