من يُعطّل "جباية الضرائب"؟ جردة بالمتهرّبين والمتلاعبين والمقصّرين 

سلام زيدان

21 كانون الثاني 2024

الأحزاب السياسية التي تقود النظام تعمل جاهدة على إبقاء النظام الضريبي معطَّلاً، فهي المستفيد الأكبر منه، من خلال الرشاوى، أو عبر التهرّب من دفع أموال أرباح الجامعات والمدارس والمطاعم والفنادق.. هنا جردة بالمتهرّبين والمتلاعبين والمقصرين..

شكّلت الضريبة 60 بالمئة من إيرادات الدولة العراقيّة خلال العهد الملكي، أُنفِقت على رواتب موظفي الوزارات واحتياجاتها الأخرى، بينما ذهبت أموال النفط إلى تطوير البنية التحتية، من خلال مجلس الإعمار، إلا أن الحكومات العراقية فقدت الاهتمام بملف الضرائب تدريجياً، بعد إعلان تأسيس الجمهورية عام 1958، إلى أن وصلت لمرحلة اللامبالاة بعد عام 2003، وأصبح العراق يُصنَّف من الدول المعطَّلة ضريبياً، لعدم فاعلية الجهاز الضريبي نتيجة الفساد المالي والإداري وضعف الرقابة، بالإضافة الى عدم قدرة السياسيين على فرض مزيد من الضرائب على السلع والخدمات، خوفاً من احتراقهم شعبياً، وعدم تكرار تجربة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي فرض عدداً من الضرائب والرسوم، وحتى اليوم يدفع ثمنها سياسياً. 

كي نفهمها 

تساهم الضرائب حاليا بـ1 بالمئة من الناتج القومي العراقي، النسبة التي تنحدر بتصنيف العراق ضمن الأقل مردوداً ضريبياً في المنطقة العربية والعالم، على الرغم من أن عدداً كبيراً من الشركات الأجنبية والمحلية تعمل في المدن العراقية، وقوى العمل في البلاد تصل إلى أكثر من 12 مليون شخص، ومن المفترض أنهم جميعهم ملزمون بدفع ضريبة الدخل. 

ولفهم الضرائب أكثر، فإنها في العراق تنقسم إلى نوعين، الأول؛ الضريبة المباشرة، مثل الدخل والعقار والشركات، والثاني؛ الضرائب غير المباشرة مثل المبيعات والخدمات في المطاعم والفنادق وغيرها.  

تتجزأ ضريبة الدخل إلى ثلاثة اقسام، اثنان جاء بهما تحديث عام 1982-آخر تحديث-، من خلال تعديل قانون رقم 113، القسم الأول على الافراد، وكالتالي: على كل شخص لا يتجاوز دخله السنوي 250 ألف دينار، دفع ضريبة قدرها 3 بالمئة، والذي يتراوح دخله بين 250 ألفاً – 500 ألف دينار سنوياً يدفع ضريبة 5 بالمئة، ومن 500 ألف – مليون دينار سنوياً، يدفع ضريبة 10 بالمئة، ومن يتعدى دخله المليون تكون 15 بالمئة. 

أما القسم الثاني، فهو ضريبة الدخل على الشركات، والتي تبلغ 15 بالمئة من إجمالي الأرباح السنوية، والقسم الأخير، الذي استحدث عام 2010 بعد إبرام جولات التراخيص النفطية، تُفرض بموجبه ضريبة 35 بالمئة على إجمالي الدخل للشركات النفطية المتعاقدة للعمل في العراق، وهو يشكل النسبة الأكبر من إيرادات دائرة الضرائب، إلّا أن معظم الشركات تتهرب من دفع هذه الضريبة. 

حالياً، يدفع الموظف في الدولة العراقية ضريبة الدخل، وهي على الراتب الإسمي فقط، وليس على إجمالي ما يتقاضاه من دخل كامل، ما يعني أن النسبة الأكبر من الموظفين يدفعون ضريبة قليلة جداً، بالمقارنة مع إجمالي الرواتب السنوية لأكثر من 4 ملايين موظف التي تبلغ 59 تريليون دينار.  

هيمنة الأحزاب 

يحتاج العراق الى إعادة النظر بملف الضرائب وإصلاحه، فالأحزاب السياسية التي تقود النظام الحاليّ منذ الاحتلال الأمريكي 2003، تعمل جاهدة على إبقائه معطَّلاً والالتفاف عليه بوسائل عدّة منها التشريعات، فمثلاً الجامعات والكليات الأهلية التي تتخطّى إيراداتها السنوية 10 مليارات دينار، معفيّة من الضرائب حسب قانون التعليم الأهلي، وهذا ينطبق على المدارس الأهلية، ولكن يستقطع من الموظفين فيها ضريبة الدخل والتي تستولى عليها إدارات الجامعات والكليات والمدارس ولم يسددوها إلى هيئة الضرائب، لأن أغلب هذه الجامعات والكليات تابعة للهيئات الاقتصادية للأحزاب السياسية، وتعتبر مموِلاً رئيساً لعملهم الحزبي. 

كما استغلت الأحزاب، قانون الاستثمار العراقي بتعديلاته الثلاثة، من خلال الإعفاءات الكبيرة للمستثمرين من الضرائب والتي وصلت إلى 15 عاماً، بهدف دعمهم وتشجيعهم على الدخول إلى العراق وإنشاء مشاريع استثمارية كبيرة، لا سيما مع صعوبة منح الإجازات الاستثمارية، وقام هؤلاء باستيراد سلع كبيرة هدفها الظاهري استخدامها في أعمال المشروع الاستثماري، إلّا أنهم يبيعونها في الأسواق، مما يقوّض المنافسة العادلة مع المستوردين الآخرين الذين يدفعون ضريبة، خصوصاً مع تعطّل جزء كبير من المشاريع الاستثمارية، فتحول المستثمرون إلى تجار يجلبون البضائع باسم المشروع، كاستيراد 1000 طن من حديد البناء “شيش التسليح”، من أجل المشروع لكنّه في الحقيقة يُباع بالأسواق، مما أثّر على معامل الحديد العراقية وأوقف إنتاجها، ويترافق ذلك مع سعر صرف الدولار المرتفع الذي يدعم المستورد على حساب المنتج المحليّ. 

أما الفنادق والمطاعم الراقية، التي بدأت تنتشر في عموم العراق، فتأخذ من زبائنها ضريبة 10 بالمئة من إجمالي الفاتورة، ولكنّها تتهرب من تسديدها إلى الدولة، مع عدم سيطرة دوائر الضريبة على الحسابات؛ ومرّة أخرى، فإن معظم المطاعم والفنادق الكبيرة تعود ملكيتها لمتنفذين في الدولة.  

وأجبرت الأحزاب السياسية الحكومات السابقة والكتل السياسية في البرلمان، على الموافقة على تشريع اتفاقيات الازدواج الضريبي مع عدد كبير من البلدان، وأعطتهم إعفاءً على ضرائب الدخل داخل العراق، باعتبارهم يدفعونها في البلدان التي أسسوا شركاتهم فيها وهي غالباً الأردن والإمارات وبريطانيا، ما جعل العراق يخسر ملايين الدولارات سنوياً، وانتبه الرأي العام مؤخراً لهذا الأمر، بعد إدراج البرلمان على جدول أعماله، تشريع اتفاقية منع الازدواج الضريبي بين الكويت والعراق، والذي يعطي إعفاءً للشركات الكويتية، خصوصا مع عدم امتلاك العراق شركات كبيرة تعمل خارجه. 

توحّش الفساد 

يستفحل الفساد في دوائر الضريبة بدءاً من أعلى رأس، ودليل ذلك، ملف سرقة الأمانات الضريبية للشركات، والتي بلغت 3.7 تريليون دينار، حيثُ رُتِبَ وخُطط لها داخل المباني الحكومية والحزبية، وهذه الأمانات هي استقطاع من قبل دائرة الضريبة من المستوردين والشركات النفطية وشركات الدولة ومنفذي مشاريع الدولة وغيرها، وفي حالة عدم مراجعتهم على تسوية الملف الضريبي، تتحول إلى إيراد للخزينة العامة بعد 5 أعوام، والتي نفذتها حكومة العبادي عام 2015 عندما كانت الدولة تعاني من أزمة مالية وتوسع الانفاق العسكري لمحاربة داعش.  

الحال هذه، ينهش الملفَ الضريبي فسادٌ كبير، يعود الى ضعف الرقابة الحكومية، وتهرّب السكّان من دفع الضريبة من خلال دفع الرشاوى، وهم بالأساس لا يملك أغلبهم رقماً ضريبياً كما هو معمول في دول العالم؛ فالضريبة اليوم معطلة، وتذهب إيراداتها التي تقدر بأكثر من 10 تريليونات دينار سنوياً إلى الموظفين، من خلال الرشاوى، وتقليل الدفعات، كما أن الموظفين الذين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة غير قادرين على فرض الضرائب وتطبيقها على المكلّفين، بسبب الرفض الشعبي لها، واستخدام الأحزاب، المسلحة وغير المسلحة، لنفوذها في تهريب أفراد ومشاريع من مسؤولياتهم الضريبية. 

تؤشر هيئة النزاهة أن دوائر الضريبة هي المكان الأكثر تقاضيا للرشاوى، والتلاعب بالميزانيات المالية للشركات بهدف تقليل الضريبة، إذ شخصت أن مدير هيئة الضرائب السابق 2020-2021 تلقّى مبالغ مالية مقابل خفض الضريبة على شركات الاتصالات التي تصل أرباحها السنوية أكثر من 600 مليار دينار، وعليها بالمقابل تسديد 90 مليار دينار كضرائب.  

كما أن ضريبة نقل ملكية العقار، التي تساهم بنسبة كبيرة بعد ضريبة الشركات النفطية في الإيرادات الضريبية، تتعرّض لفساد فاحش وابتزاز للمواطنين، اذ يتلاعب “المخمّنون” بأريحية بقيمتها نتيجة لعدم توفر بيانات دقيقة وشاملة لعمليات بيع وشراء الملكيات العقارية، لكن بالاعتماد على مبادرة المصرف العقاري، يتجاوز حجم المبيعات التي تُجرى وفقها 5 تريليونات دينار سنوياً.  

وفي سوق رشاوى “المخمنين”، فإن تخفيض ضريبة 5 ملايين دينار إلى 2.5 مليون دينار، تكلّف المواطن 100 ألف دينار، يتقاضاها الموظف “المخمّن”، وهذا مثال لتسعيرات الرشاوى في عالم الضرائب العراقية، تسعيرات ترتفع وتنخفض حسب حجم الاستحقاق الضريبي والتفاوض بين الراشي والمرتشي، اللذين سينتهيان في النهاية إلى قضم شيء من المال العام. 

كما تتلاعب بعض الشركات المدرجة في سوق العراق للأوراق المالية، بالحسابات المالية والميزانيات الفصلية والسنوية، فتظهر خاسرة رغم أنها تحقق إيرادات كبيرة، وذلك بهدف التهرّب من دفع الضرائب، وهذا يجري من خلال المساهمين الكبار، مما يمنع المساهمين الصغار من أي أرباح، وهو يمثل استيلاء وتهرّباً ضريبياً في آن واحد.  

وبهذا، تضيع فرصة أن يلعب النظام الضريبي دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وسحب الكتلة النقدية من المواطنين من أجل الحد من ارتفاع الأسعار، والمحافظة على مستويات تضخم محدّدة، وإيقاف هدر المال العام والثروات الوطنية، وتحويل الضرائب الى شريك رئيسي للنفط، واستثمارها في تطوير البنية التحتية لقطاعات الصناعة والزراعة والنقل والخدمات وغيرها، والحد من الاقتراض الداخلي والخارجي، ورفع الناتج المحلي الإجمالي.  

محاولات إصلاح النظام الضريبي 

حاولت حكومات ما بعد 2003، مرتين، إصلاح النظام الضريبي، الأولى في حكومة حيدر العبادي، عندما بدأت بتنظيم المكلفين بالضريبة، ولكنها فشلت في ذلك، ففُرِضَت ضريبة مبيعات 20 بالمئة من بطاقات تعبئة الموبايل، وكذلك 25 ألف دينار على كل تذكرة طيران، وأعادت حكومة مصطفى الكاظمي، محاولة إصلاح ملف الضريبة، من خلال العمل على تشريع قانون الضريبة الموحد، يتضمن فترة سماح مع الابتعاد عن الاجتهادات الحكومية، التي تفرض ضرائب عبر الموازنة، مثل ضريبة البنزين وبطاقات تعبئة الموبايل وغيرها، لأن هذه تعتبر غير قانونية وتنفذ لعام واحد فقط، ويمكن التلاعب بها، من خلال تقليل المبيعات في حسابات الشركة التي تقدم إلى دائرة الضريبة، كما أن مشروع القانون الذي مازال في وزارة المالية ولم يخطُ خطوة نحو البرلمان، ينظم ضريبة الدخل للموظفين والقطاع الخاص والقطاع الموازي، ويحاول الحدّ من التهرب. 

ومن أشكال تعقيد ملف الضرائب، امتناع العديد من التجّار والمستوردين عن فتح حسابات مصرفية، للحصول على سعر صرف الدولار الرسمي البالغ 1320 ديناراً، خوفا من الضرائب، لذلك يتطلب الإصلاح إعطاء فترة سماح تصل الى 5 سنوات، وخلال هذه الفترة يجب تطوير البنى التحتية لهيئة الضرائب، من خلال إنشاء منصة تضم جميع الوزارات والجهات غير الحكومية، وإدراج الشركات والمكلَّفين، ويكون الاستقطاع عبر الدفع الالكتروني، مع إصدار قانون موحد للضرائب، يشمل الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وإجبار جميع المنشآت المرخصة وغير المرخصة على استخدام الدفع الالكتروني، والحد من القطاع الموازي الذي يعمل فيه 80 بالمئة من المنشآت في قطاعات التجارة والصحة والخدمات وغيرها، حسب البنك الدولي، وذلك من خلال ترخيصهم واعتبارهم شركات، وإجبارهم على  تسجيل العاملين في الضمان الاجتماعي ودفع ضريبة دخل، بالإضافة الى المهن الأخرى مثل المحامين والصحفيين والمهندسين والأطباء الذين يفتتحون مكاتبَ من دون أيّ ترخيص، وكذلك تفعيل الرقم الوطني في الضرائب، بدلاً من الاعتماد على الأسماء، وإجبار جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على عدم منح أي ترخيص أو إجازة إلّا بعد الحصول على براءة الذمة، والسيطرة على المنافذ الحدودية الرسمية أو غير الرسمية والتي تسيطر عليها بعض الأحزاب والفصائل المسلحة والعشائر، والتي تدخل منها 65 بالمئة من إجمالي البضائع التي يستوردها العراق، حسب وزير المالية الأسبق علي عبد الأمير علاوي، وإنهاء الفساد في المنافذ الحدودية، من خلال إيقاف التلاعب بالرسوم الجمركية عبر تغيير جنس البضاعة، إذ تعتمد دائرة الضريبة على المنافذ الحدودية في تحديد نوع الضريبة، فمثلاً استوردت شركة معينة هواتف نقالة سعر الواحد منها 500 دولار، بينما قام المنفذ الحدودي بتسجيله إكسسوارات موبايل سعر الوحدة 1 دولار ما يقلل نسبة الضريبة. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”    

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

شكّلت الضريبة 60 بالمئة من إيرادات الدولة العراقيّة خلال العهد الملكي، أُنفِقت على رواتب موظفي الوزارات واحتياجاتها الأخرى، بينما ذهبت أموال النفط إلى تطوير البنية التحتية، من خلال مجلس الإعمار، إلا أن الحكومات العراقية فقدت الاهتمام بملف الضرائب تدريجياً، بعد إعلان تأسيس الجمهورية عام 1958، إلى أن وصلت لمرحلة اللامبالاة بعد عام 2003، وأصبح العراق يُصنَّف من الدول المعطَّلة ضريبياً، لعدم فاعلية الجهاز الضريبي نتيجة الفساد المالي والإداري وضعف الرقابة، بالإضافة الى عدم قدرة السياسيين على فرض مزيد من الضرائب على السلع والخدمات، خوفاً من احتراقهم شعبياً، وعدم تكرار تجربة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي فرض عدداً من الضرائب والرسوم، وحتى اليوم يدفع ثمنها سياسياً. 

كي نفهمها 

تساهم الضرائب حاليا بـ1 بالمئة من الناتج القومي العراقي، النسبة التي تنحدر بتصنيف العراق ضمن الأقل مردوداً ضريبياً في المنطقة العربية والعالم، على الرغم من أن عدداً كبيراً من الشركات الأجنبية والمحلية تعمل في المدن العراقية، وقوى العمل في البلاد تصل إلى أكثر من 12 مليون شخص، ومن المفترض أنهم جميعهم ملزمون بدفع ضريبة الدخل. 

ولفهم الضرائب أكثر، فإنها في العراق تنقسم إلى نوعين، الأول؛ الضريبة المباشرة، مثل الدخل والعقار والشركات، والثاني؛ الضرائب غير المباشرة مثل المبيعات والخدمات في المطاعم والفنادق وغيرها.  

تتجزأ ضريبة الدخل إلى ثلاثة اقسام، اثنان جاء بهما تحديث عام 1982-آخر تحديث-، من خلال تعديل قانون رقم 113، القسم الأول على الافراد، وكالتالي: على كل شخص لا يتجاوز دخله السنوي 250 ألف دينار، دفع ضريبة قدرها 3 بالمئة، والذي يتراوح دخله بين 250 ألفاً – 500 ألف دينار سنوياً يدفع ضريبة 5 بالمئة، ومن 500 ألف – مليون دينار سنوياً، يدفع ضريبة 10 بالمئة، ومن يتعدى دخله المليون تكون 15 بالمئة. 

أما القسم الثاني، فهو ضريبة الدخل على الشركات، والتي تبلغ 15 بالمئة من إجمالي الأرباح السنوية، والقسم الأخير، الذي استحدث عام 2010 بعد إبرام جولات التراخيص النفطية، تُفرض بموجبه ضريبة 35 بالمئة على إجمالي الدخل للشركات النفطية المتعاقدة للعمل في العراق، وهو يشكل النسبة الأكبر من إيرادات دائرة الضرائب، إلّا أن معظم الشركات تتهرب من دفع هذه الضريبة. 

حالياً، يدفع الموظف في الدولة العراقية ضريبة الدخل، وهي على الراتب الإسمي فقط، وليس على إجمالي ما يتقاضاه من دخل كامل، ما يعني أن النسبة الأكبر من الموظفين يدفعون ضريبة قليلة جداً، بالمقارنة مع إجمالي الرواتب السنوية لأكثر من 4 ملايين موظف التي تبلغ 59 تريليون دينار.  

هيمنة الأحزاب 

يحتاج العراق الى إعادة النظر بملف الضرائب وإصلاحه، فالأحزاب السياسية التي تقود النظام الحاليّ منذ الاحتلال الأمريكي 2003، تعمل جاهدة على إبقائه معطَّلاً والالتفاف عليه بوسائل عدّة منها التشريعات، فمثلاً الجامعات والكليات الأهلية التي تتخطّى إيراداتها السنوية 10 مليارات دينار، معفيّة من الضرائب حسب قانون التعليم الأهلي، وهذا ينطبق على المدارس الأهلية، ولكن يستقطع من الموظفين فيها ضريبة الدخل والتي تستولى عليها إدارات الجامعات والكليات والمدارس ولم يسددوها إلى هيئة الضرائب، لأن أغلب هذه الجامعات والكليات تابعة للهيئات الاقتصادية للأحزاب السياسية، وتعتبر مموِلاً رئيساً لعملهم الحزبي. 

كما استغلت الأحزاب، قانون الاستثمار العراقي بتعديلاته الثلاثة، من خلال الإعفاءات الكبيرة للمستثمرين من الضرائب والتي وصلت إلى 15 عاماً، بهدف دعمهم وتشجيعهم على الدخول إلى العراق وإنشاء مشاريع استثمارية كبيرة، لا سيما مع صعوبة منح الإجازات الاستثمارية، وقام هؤلاء باستيراد سلع كبيرة هدفها الظاهري استخدامها في أعمال المشروع الاستثماري، إلّا أنهم يبيعونها في الأسواق، مما يقوّض المنافسة العادلة مع المستوردين الآخرين الذين يدفعون ضريبة، خصوصاً مع تعطّل جزء كبير من المشاريع الاستثمارية، فتحول المستثمرون إلى تجار يجلبون البضائع باسم المشروع، كاستيراد 1000 طن من حديد البناء “شيش التسليح”، من أجل المشروع لكنّه في الحقيقة يُباع بالأسواق، مما أثّر على معامل الحديد العراقية وأوقف إنتاجها، ويترافق ذلك مع سعر صرف الدولار المرتفع الذي يدعم المستورد على حساب المنتج المحليّ. 

أما الفنادق والمطاعم الراقية، التي بدأت تنتشر في عموم العراق، فتأخذ من زبائنها ضريبة 10 بالمئة من إجمالي الفاتورة، ولكنّها تتهرب من تسديدها إلى الدولة، مع عدم سيطرة دوائر الضريبة على الحسابات؛ ومرّة أخرى، فإن معظم المطاعم والفنادق الكبيرة تعود ملكيتها لمتنفذين في الدولة.  

وأجبرت الأحزاب السياسية الحكومات السابقة والكتل السياسية في البرلمان، على الموافقة على تشريع اتفاقيات الازدواج الضريبي مع عدد كبير من البلدان، وأعطتهم إعفاءً على ضرائب الدخل داخل العراق، باعتبارهم يدفعونها في البلدان التي أسسوا شركاتهم فيها وهي غالباً الأردن والإمارات وبريطانيا، ما جعل العراق يخسر ملايين الدولارات سنوياً، وانتبه الرأي العام مؤخراً لهذا الأمر، بعد إدراج البرلمان على جدول أعماله، تشريع اتفاقية منع الازدواج الضريبي بين الكويت والعراق، والذي يعطي إعفاءً للشركات الكويتية، خصوصا مع عدم امتلاك العراق شركات كبيرة تعمل خارجه. 

توحّش الفساد 

يستفحل الفساد في دوائر الضريبة بدءاً من أعلى رأس، ودليل ذلك، ملف سرقة الأمانات الضريبية للشركات، والتي بلغت 3.7 تريليون دينار، حيثُ رُتِبَ وخُطط لها داخل المباني الحكومية والحزبية، وهذه الأمانات هي استقطاع من قبل دائرة الضريبة من المستوردين والشركات النفطية وشركات الدولة ومنفذي مشاريع الدولة وغيرها، وفي حالة عدم مراجعتهم على تسوية الملف الضريبي، تتحول إلى إيراد للخزينة العامة بعد 5 أعوام، والتي نفذتها حكومة العبادي عام 2015 عندما كانت الدولة تعاني من أزمة مالية وتوسع الانفاق العسكري لمحاربة داعش.  

الحال هذه، ينهش الملفَ الضريبي فسادٌ كبير، يعود الى ضعف الرقابة الحكومية، وتهرّب السكّان من دفع الضريبة من خلال دفع الرشاوى، وهم بالأساس لا يملك أغلبهم رقماً ضريبياً كما هو معمول في دول العالم؛ فالضريبة اليوم معطلة، وتذهب إيراداتها التي تقدر بأكثر من 10 تريليونات دينار سنوياً إلى الموظفين، من خلال الرشاوى، وتقليل الدفعات، كما أن الموظفين الذين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة غير قادرين على فرض الضرائب وتطبيقها على المكلّفين، بسبب الرفض الشعبي لها، واستخدام الأحزاب، المسلحة وغير المسلحة، لنفوذها في تهريب أفراد ومشاريع من مسؤولياتهم الضريبية. 

تؤشر هيئة النزاهة أن دوائر الضريبة هي المكان الأكثر تقاضيا للرشاوى، والتلاعب بالميزانيات المالية للشركات بهدف تقليل الضريبة، إذ شخصت أن مدير هيئة الضرائب السابق 2020-2021 تلقّى مبالغ مالية مقابل خفض الضريبة على شركات الاتصالات التي تصل أرباحها السنوية أكثر من 600 مليار دينار، وعليها بالمقابل تسديد 90 مليار دينار كضرائب.  

كما أن ضريبة نقل ملكية العقار، التي تساهم بنسبة كبيرة بعد ضريبة الشركات النفطية في الإيرادات الضريبية، تتعرّض لفساد فاحش وابتزاز للمواطنين، اذ يتلاعب “المخمّنون” بأريحية بقيمتها نتيجة لعدم توفر بيانات دقيقة وشاملة لعمليات بيع وشراء الملكيات العقارية، لكن بالاعتماد على مبادرة المصرف العقاري، يتجاوز حجم المبيعات التي تُجرى وفقها 5 تريليونات دينار سنوياً.  

وفي سوق رشاوى “المخمنين”، فإن تخفيض ضريبة 5 ملايين دينار إلى 2.5 مليون دينار، تكلّف المواطن 100 ألف دينار، يتقاضاها الموظف “المخمّن”، وهذا مثال لتسعيرات الرشاوى في عالم الضرائب العراقية، تسعيرات ترتفع وتنخفض حسب حجم الاستحقاق الضريبي والتفاوض بين الراشي والمرتشي، اللذين سينتهيان في النهاية إلى قضم شيء من المال العام. 

كما تتلاعب بعض الشركات المدرجة في سوق العراق للأوراق المالية، بالحسابات المالية والميزانيات الفصلية والسنوية، فتظهر خاسرة رغم أنها تحقق إيرادات كبيرة، وذلك بهدف التهرّب من دفع الضرائب، وهذا يجري من خلال المساهمين الكبار، مما يمنع المساهمين الصغار من أي أرباح، وهو يمثل استيلاء وتهرّباً ضريبياً في آن واحد.  

وبهذا، تضيع فرصة أن يلعب النظام الضريبي دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وسحب الكتلة النقدية من المواطنين من أجل الحد من ارتفاع الأسعار، والمحافظة على مستويات تضخم محدّدة، وإيقاف هدر المال العام والثروات الوطنية، وتحويل الضرائب الى شريك رئيسي للنفط، واستثمارها في تطوير البنية التحتية لقطاعات الصناعة والزراعة والنقل والخدمات وغيرها، والحد من الاقتراض الداخلي والخارجي، ورفع الناتج المحلي الإجمالي.  

محاولات إصلاح النظام الضريبي 

حاولت حكومات ما بعد 2003، مرتين، إصلاح النظام الضريبي، الأولى في حكومة حيدر العبادي، عندما بدأت بتنظيم المكلفين بالضريبة، ولكنها فشلت في ذلك، ففُرِضَت ضريبة مبيعات 20 بالمئة من بطاقات تعبئة الموبايل، وكذلك 25 ألف دينار على كل تذكرة طيران، وأعادت حكومة مصطفى الكاظمي، محاولة إصلاح ملف الضريبة، من خلال العمل على تشريع قانون الضريبة الموحد، يتضمن فترة سماح مع الابتعاد عن الاجتهادات الحكومية، التي تفرض ضرائب عبر الموازنة، مثل ضريبة البنزين وبطاقات تعبئة الموبايل وغيرها، لأن هذه تعتبر غير قانونية وتنفذ لعام واحد فقط، ويمكن التلاعب بها، من خلال تقليل المبيعات في حسابات الشركة التي تقدم إلى دائرة الضريبة، كما أن مشروع القانون الذي مازال في وزارة المالية ولم يخطُ خطوة نحو البرلمان، ينظم ضريبة الدخل للموظفين والقطاع الخاص والقطاع الموازي، ويحاول الحدّ من التهرب. 

ومن أشكال تعقيد ملف الضرائب، امتناع العديد من التجّار والمستوردين عن فتح حسابات مصرفية، للحصول على سعر صرف الدولار الرسمي البالغ 1320 ديناراً، خوفا من الضرائب، لذلك يتطلب الإصلاح إعطاء فترة سماح تصل الى 5 سنوات، وخلال هذه الفترة يجب تطوير البنى التحتية لهيئة الضرائب، من خلال إنشاء منصة تضم جميع الوزارات والجهات غير الحكومية، وإدراج الشركات والمكلَّفين، ويكون الاستقطاع عبر الدفع الالكتروني، مع إصدار قانون موحد للضرائب، يشمل الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وإجبار جميع المنشآت المرخصة وغير المرخصة على استخدام الدفع الالكتروني، والحد من القطاع الموازي الذي يعمل فيه 80 بالمئة من المنشآت في قطاعات التجارة والصحة والخدمات وغيرها، حسب البنك الدولي، وذلك من خلال ترخيصهم واعتبارهم شركات، وإجبارهم على  تسجيل العاملين في الضمان الاجتماعي ودفع ضريبة دخل، بالإضافة الى المهن الأخرى مثل المحامين والصحفيين والمهندسين والأطباء الذين يفتتحون مكاتبَ من دون أيّ ترخيص، وكذلك تفعيل الرقم الوطني في الضرائب، بدلاً من الاعتماد على الأسماء، وإجبار جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على عدم منح أي ترخيص أو إجازة إلّا بعد الحصول على براءة الذمة، والسيطرة على المنافذ الحدودية الرسمية أو غير الرسمية والتي تسيطر عليها بعض الأحزاب والفصائل المسلحة والعشائر، والتي تدخل منها 65 بالمئة من إجمالي البضائع التي يستوردها العراق، حسب وزير المالية الأسبق علي عبد الأمير علاوي، وإنهاء الفساد في المنافذ الحدودية، من خلال إيقاف التلاعب بالرسوم الجمركية عبر تغيير جنس البضاعة، إذ تعتمد دائرة الضريبة على المنافذ الحدودية في تحديد نوع الضريبة، فمثلاً استوردت شركة معينة هواتف نقالة سعر الواحد منها 500 دولار، بينما قام المنفذ الحدودي بتسجيله إكسسوارات موبايل سعر الوحدة 1 دولار ما يقلل نسبة الضريبة. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”