تاريخ نفط العراق وحاضره: منحة الطبيعة ومحنة التاريخ 

إبراهيم الشاهد

30 تشرين الأول 2023

تساؤلات عديدة يمكن أن تثار بعد أكثر من قرن على ولادة "العراق النفطي": هل جاءت منحة النفط إلى العراقيين في وقت كانوا مستعدين فيه للتعامل معها بطريقة مناسبة؟ ومع تصاعد وتيرة الخلافات بين بغداد وإقليم كردستان، والنزاعات المحمومة حول قانون النفط والغاز منذ عام 2007، وعمليات الفساد والسرقات التي يعلن عن اكتشافها بين حين وآخر وتتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، حيث يمثل النفط العامل المشترك الوحيد بين كل تلك القضايا الشائكة، هل يمثل النفط بالنسبة للعراقيين منحة أم محنة؟

في البدء كانت كركوك. قرب بابا كركر أو “النار الأزلية” كما تعرف باللغة الكردية، شعلة لم تنطفئ منذ قرون تحوم حولها حكايات تمتد إلى نحو أربعة آلاف عام، كأنها شارة دلالة إلى ما هو مخبأ تحتها. 

خليط هائل من الكربون والهيدروجين والكبريت يصارع بعضه بعضاً في انتظار اللحظة المناسبة، كي يخرج المارد الأسود من محبسه ويفك أحدهم سر طلسمه. 

اختلفت الألسن في تسميته، فهو لدى العرب الزيت (حلابة جبل في قعر بئر تولد منه النار)، وفي اللاتينية هو البترول (Petroleum)، تركيب لاتيني قديم من شقين: Petra أي الصخر وOleum ومعناها الزيت، أما النفط Neft فهي كلمة في اللغات السامية تدل على البترول الخام1. 

في أواسط تشرين الأول 1927 كان الدفق الأول. شهور من الحفر المستمر بأيد إنجليزية، انتهت بخروج المارد ذي الرائحة الغريبة، وعند تلك اللحظة، تغير وجه كركوك ومعها وجه العراق كله. 

هناك، يقضي صلاح (70 عاماً) سنوات تقاعده الحالية بعد أربعة عقود من العمل في القطاع النفطي، حيث سارت حياته بمحطاتها الحافلة جنباً إلى جنب مع خطوط النفط المتوازية التي تمتد من شمال العراق إلى جنوبه، وامتزجت مع الذهب الأسود الذي كان يحث الخطى جرياً عبر تلك الأنابيب فضية اللون، وحرارة تلك الشعلة الوهاجة التي تنفث نارها المستعرة نحو السماء. 

خروج المارد الأسود 

عرّف العراق نفسه بلداً نفطياً مع مطلع القرن العشرين، وباهتمام ألماني في البداية، من خلال بعثات عدة تم إيفادها إلى العراق بين عامي 1871 و1902. كانت تقارير تلك البعثات تشير بوضوح إلى أن حقول نفط شمال العراق مدهشة ولا تقدر، وأن كركوك وضواحيها منطقة نفطية هائلة، وعلى الحكومة الألمانية التعجيل بتطويرها2. 

في تلك الفترة، كان العراق تحت حكم دولة وصلت بحكم الأقدار إلى مرحلة الشيخوخة التامة. الدولة العثمانية، أو كما عرفت بـ”الرجل المريض” في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لم تكن تملك إلا أن تجاري ضعفها في الوقوف بوجه العيون الأمريكية والبريطانية والألمانية الناظرة بلهفة إلى خزائن الذهب الأسود التي تستوطن جوف الأراضي العراقية. 

تحولت دفة القدر بشكل حاسم مع تحول وقود الأسطول البريطاني الأقوى في العالم حينها من الفحم إلى النفط، وهو ما ترتب عليه أن يبذل التاج البريطاني قصارى جهده لتأمين الوقود الجديد لإدامة أسطوله الذي كان يجوب قارات العالم آنذاك. 

منحت الدولة العثمانية موافقتها المبدئية لبريطانيا على التنقيب عن النفط في ولايتي بغداد والموصل، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يمهل ذلك الاتفاق طويلاً. 

بمصير مشابه لما يحدث لتركة المتوفي بعد موته، تم اقتسام تركة الرجل المريض العثماني، وأصبح العراق تحت الانتداب البريطاني. 

لم يكن النفط يشغل بال العراقيين بشكل عام، لأن الزراعة وامتلاك الأراضي كانت هي صاحبة الكعب الأعلى في التنافس المحموم بين طبقات المجتمع في ذلك الوقت. 

بحلول عشرينيات القرن العشرين، أصبح العراق بلداً يحكمه تاج حجازي على رأس الملك فيصل الأول، وترتب على الوضع الجديد أن يعاد التنقيب عن النفط. 

لم يكن للدولة العراقية الوليدة أن تنازع الأسد الشرس في لندن وتتفاوض معه على قدم المساواة المفترضة بين دولتين، فكانت النتيجة قبول أن يكون امتياز التنقيب محصوراً بما جاء في الموافقة العثمانية بشرط استثناء ولاية البصرة والأراضي المتداخلة حدودياً مع إيران، وأن لا تتجاوز مدة الامتياز أكثر من ستين سنة من تاريخ التوقيع على الاتفاقية. 

خضعت الحكومة العراقية عام 1925 لما لم تكن لتقبله في الظروف الاعتيادية، فعندما أطلت أزمة تقرير مصير ولاية الموصل -التي تمثل حالياً الثلث الشمالي العراقي بأكمله بضمنها كركوك- والتي أحيل النزاع العراقي-التركي عليها إلى لجنة تابعة لعصبة الأمم، قبلت بغداد على مضض بمنح شركة النفط التركية امتياز التنقيب عن النفط في الولاية المتنازع عليها كشرط لحسم النزاع حول السيادة عليها لمصلحة العراق. 

ولم يكن أدلّ على هذا المعنى في حينه، من تقديم وزير المواصلات مزاحم الباججي استقالته ثم سحبه إياها نزولاً عند رغبة رئيس الوزراء ياسين الهاشمي، الذي أكد له أن رفض الامتياز سيعرض العراق لكارثة كبرى هي ضياع ولاية الموصل، وأن التضحية المالية من عدم المشاركة في أسهم الشركة يهون أمام ضياع الموصل، وقد كان هذا أيضاً رأي وزير المالية ساسون حزقيل3. 

مزاحم الباججي – المصدر: من الانترنت 

لم يكن ذلك هو الصراع الوحيد، فالعيون الأجنبية الأخرى كانت ما تزال تنظر بشراهة إلى ما تخبئه أرض العراق من خزائن الذهب الأسود. 

وبعد شد وجذب، أصبحت الثروة النفطية العراقية تدار من خلال “شركة نفط العراق” المقسمة إلى حصص متساوية بين بريطانيا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة (23.75 بالمئة لكل طرف)، إضافة إلى 5 بالمئة تُمنح إلى رجل الأعمال الأرمني المعروف كالوست سركيس كولبنكيان الذي أصبح بعد تلك النسبة يعرف بلقب “مستر خمسة بالمئة”. 

سارت الأمور على وفق ما خطت لها أقدارها، واستمرت شركة نفط العراق تدير عملية تنقيب واستخراج وبيع النفط العراقي في وقت لم يكن ليشكل فيه النفع المادي المتحقق من تلك العملية شيئاً ملفتاً للنظر بالنسبة لبغداد حتى منتصف القرن الماضي. 

الانتقال إلى الأيادي العراقية 

بحلول منتصف القرن الماضي، كان صلاح يطلق صرخات ولادته الأولى بالتزامن مع ولادة مجلس الإعمار في بغداد. 

ارتبط اسم ذلك المجلس مع عودة النفط لتصدر الواجهة من جديد، خاصة مع تزايد الاكتشافات النفطية في منطقة الخليج، وتوصل الطرف العراقي إلى اتفاق لتعديل حصة البلاد من نفطها المستخرج بريطانياً لتصبح ستة شلنات ذهب للطن الواحد بدلاً من الحصة المقررة سابقاً (4 شلنات) اعتباراً من كانون الثاني 1950، وهو ما مثل دخلاً مالياً للعراق يتجاوز 17 مليون دينار آنذاك، وهو رقم انعكس إيجاباً نوعاً ما على تفكير الحكومة العراقية في الاستفادة من النفط للمرة الأولى من خلال سلسلة مشاريع المجلس التي توالى افتتاحها أواسط القرن المنصرم، حيث أعلنت الحكومة تخصيص 70 بالمئة من عائدات النفط لتنفيذ مشاريع خدمية عدة في البلاد، توالى افتتاحها خلال السنوات الأخيرة من الحكم الملكي4. 

أبرز تلك المشاريع يراها العراقيون يومياً وهم يستنشقون رائحة الغاز في الوقت الحالي أثناء مرورهم بالطريق السريع المؤدي إلى جنوب العاصمة بغداد. 

هناك، حيث يدور نهر دجلة من ثلاث جهات، استقرت أسس إنشاء مصفى النفط المعروف في منطقة الدورة، والذي يغذى من نفط حقول كركوك بواسطة خط من الأنابيب. 

افتتح المصفى رسمياً أواخر عام 1955 بحضور ملك البلاد فيصل الثاني. حينها، كان صلاح يطوي سنوات طفولته المبكرة، وكأنه يرتب لنفسه موعداً مثيراً يتسابق فيه مع جريان الذهب الأسود على امتداد مساحة العراق. 

الملك فيصل، أثناء افتتاح مصفى الدورة عام 1955. المصدر: من pinterest. 

بعد مرور نصف قرن على اكتشاف النفط في العراق، دارت دفة القدر مجدداً، هذه المرة باتجاه الشرق. 

بينما كان صلاح يعيش سنوات الفتوة، خلع العراق عن نفسه التاج الهاشمي على يد الجيش في تموز 1958 واتجهت بوصلته نحو الشرق حيث القطب السوفيتي الذي يرفع لواء الاشتراكية وأممية الثورة العمالية. 

في العقد الستيني من القرن العشرين، اجتاحت العراق والمنطقة شعارات استرداد الثروات المنهوبة وحق الشعب في استغلالها كما يشاء. 

توجت حكومة عبد الكريم قاسم تلك الشعارات بصدور القانون رقم 80 لعام 1961 بعد مباحثات ماراثونية مع الشركات الأجنبية، حيث أصبحت 99.5 بالمئة من الأراضي غير المستثمرة الممنوحة للشركات الأجنبية عائدة إلى السلطة العراقية5. 

لكن رياح الستينيات العاتية لم تمهل قاسم طويلاً، فبعد انهيار نظامه في شباط 1963، تمكنت حكومة خلفه عبد السلام عارف من توقيع اتفاق مع شركة نفط العراق اعتمد على مبدأ “الفوز لكل الأطراف”، حيث حاز قانون رقم 80 في عهد قاسم على الاعتراف بالشركات الأجنبية المنضوية تحت شركة نفط العراق في مقابل زيادة حصتها من الأراضي غير المستثمرة خاصة في الرميلة، بينما تقوم بتدريب كوادر شركة النفط الوطنية حديثة التأسيس. 

إلا أن هذا الاتفاق لم يكتب له أيضاً أن يستمر طويلاً، فمع مجيء حزب البعث إلى السلطة عام 1968 تغير كل شيء بصدور قانون تأميم عمليات شركة نفط العراق في حزيران 1972، حيث كانت فترة امتياز التنقيب عن النفط التي تم توقيعها في العهد الملكي تشرف على نهايتها. 

النفط يضخّم التوظيف 

اقترب صلاح من أواسط العشرينيات من عمره، وبتخرجه من معهد النفط أواسط السبعينيات، وبنظام التعيين المركزي للمعهد، بدأ عمله في شركة الحفر العراقية في أقصى جنوب البلاد عام 1974، حيث حقل الرميلة الشمالي في البصرة التابع لشركة نفط الجنوب، ليكون جزءاً من الكوادر التي تقارع الجيولوجيا سعياً وراء الذهب الأسود على عمق يتجاوز ثلاثة آلاف متر. 

في تلك الفترة، توجهت حكومة البعث نحو المعسكر السوفيتي مع توقيع اتفاقية التعاون بين البلدين عام 1969 واتفاقية الصداقة عام 1972. وكان من الطبيعي أن تستعين وزارة النفط بالخبرات الروسية لتهيئة الكوادر العراقية الفتية بدلاً من الشركات الغربية. 

يومها، كان العراق يعيش فترة زهوه الاقتصادي بعد ارتفاع أسعار النفط. ومع وفرة المال المتدفق بفعل تصاعد الأسعار، تعزز تأثير الحكومة في البنية الاجتماعية وسيطرتها على قطاع الصناعة والزراعة والنقل، وليس انتهاء بقطاع التعليم، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد مكاتب الحكومة وموظفيها من الرسميين وشبه الرسميين، وازداد حجم التوظيف منذ عام 1972 وصولاً إلى اضطرار الحكومة لتشغيل كل العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات بموجب قرار صدر عام 1974، فأصبحت للعراق طبقة تعرف بـ”الوسطى” لها وزنها الكمي في التركيبة الاجتماعية والسكانية العراقية6، وكان هذا بداية طريق آخر في تفكير المواطن وصانع القرار العراقيين. 

لم يكن لصلاح ولا لغالبية المواطنين العراقيين أن يتوقعوا أن سنوات الزهو المعدودة تلك ستعقبها سنوات أخرى مختلفة تماماً. 

مع مطلع الثمانينيات، انخرط العراق في صراع دموي استمر ثماني سنوات مع إيران، وبحكم الموقع والوظيفة، واصل صلاح عمله ضمن حقل الرميلة. 

جانب من الحرب العراقية الإيرانية. المصدر: القدس العربي 

لم تكد تمضي السنة الأولى من الحرب، حتى استدعي صلاح لخدمة الاحتياط في الجيش، واستمر فيها حتى تجاوزت الحرب عامها الرابع. 

“في الحرب تضاعفت الجهود واستنفرت كوادر الوزارة وشركاتها. في تلك الأيام أصبح الجميع ينخرط ضمن المجهود الحربي. كانت الجبهة بعيدة عن مواقعنا. استدعيت إلى الاحتياط، وكنت أرفد المعركة من خلال معامل تصليح العجلات والدبابات في قاطع البصرة بحكم اختصاصي الفني” يقول صلاح لـ”جمّار”. 

ويصف صلاح سنوات النصف الثاني من الحرب العراقية الإيرانية بـ”القاسية”، حيث اتسعت دائرة القتال لتشمل المدن والمنشآت الحيوية ومنها النفطية. 

ويتذكر صلاح جيداً كيف كانت تُقصف البصرة وضواحيها بالمدفعية بعد أن دخلت الحرب مرحلة “حرب المدن”. 

بإنهائه خدمة الاحتياط وعودته إلى عمله في الرميلة، كان إنتاج النفط العراقي قد انخفض بسبب تحول المنفذ العراقي الوحيد في الخليج إلى ساحة حرب، على الرغم من محاولة تلافي تلك الأوضاع بمد خط مشترك مع الحكومة السعودية يمر عبر أراضيها وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. 

شأنه شأن بقية العراقيين، لم تقف سنوات الحرب عائقاً أمام صلاح في تكوين أسرته الخاصة التي كانت تعيش على مقربة من عمله في الرميلة ضمن دور إسكان الموظفين. 

بزوجة وأربعة أولاد وبنتين توالت مواليدهم خلال سنوات الحرب وبعدها، تشكلت ملامح أسرة صلاح التي ستختار فيما بعد السير على خطاه في دخول كليات الهندسة والعمل في القطاع النفطي أيضاً، فكانوا في أغلبهم من مواليد ذلك الجيل من الحرب الذي حفرت أصوات صافرات الإنذار ودوي المدافع ندوبها العميقة في ذاكرة طفولته. 

ترسيخ الاقتصاد الأحادي 

بنهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، انتهى فصل من رحلة صلاح الطويلة، وانتقلت بوصلة عمله من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، حيث مقر شركة نفط الشمال بالقرب من حقول بابا كركر، موطن الدفق الأول للنفط العراقي. 

في تلك الفترة، بات واضحاً أن الاقتصاد العراقي أصبح أحادي المورد باعتماده على النفط بنسبة تقارب 95 بالمئة وبملامح مشوهة، فصار مرتهناً بتقلبات سوق النفط العالمية التي يمكن أن تطيح به في حال انخفاض الأسعار بصورة حادة أو وجود كميات فائضة عن حاجة السوق، وقد بانت بوادر ذلك مع انخفاض أسعار النفط عام 1987، وهو الأمر الذي دفع صانع القرار العراقي نحو سياسات مهلكة توجت بغزو الكويت صيف عام 1990. 

خلال الشهر الأول من الغزو، صدرت توجيهات رسمية بإيفاد كل وزارة عدداً من متخصصيها لكي يذهبوا إلى ما سماها نظام صدّام حسين “المحافظة التاسعة عشرة” ويطلعوا على ما تحتويه من موارد يمكن الاستفادة منها. 

كان صلاح ضمن الكادر الفني التابع لوزارة النفط الذي ذهب إلى الكويت لمعرفة موارد ومعدات القطاع النفطي الكويتي. 

“صحيح أن الخلاف كان حاداً وبانت الأزمة بسبب أسعار النفط مع الكويت، لكن لم يكن هناك أحد منا يتوقع أننا سندخل الكويت عسكرياً. ذهبنا كمجموعة فنية إلى الكويت لمدة أسبوعين لنقيّم الرقعة الجغرافية القريبة على البصرة. كان هناك مواقع عدة وأبراج حفر بمعدات غربية أبرزها الأميركية. كانت الكويت مدينة عادية والجيش منتشر في جميع أرجاء البلاد”. 

دبابة كويتية أثناء الغزو العراقي للكويت، المصدر: ويكبيديا 

برأي صلاح، لم تكن آثار الحصار الاقتصادي قد بانت بوادرها بُعيد غزو الكويت. كان هناك نوع من الاكتفاء الذاتي في البلاد على الرغم من أن قرار الحصار استهدف بشكل أساس إيقاف صادرات النفط العراقية بشكل كامل. 

مرة أخرى دخل المجهود الحربي على الخط، ولكن هذه المرة ضمن هيئة التصنيع العسكري، بعد أن تضررت بعض المواقع في شركة نفط الشمال ضمن بقية قطاعات البلاد بفعل حرب الخليج الثانية 1991. 

وما تزال ذاكرة صالح عامرة بشواهد عن تلك المرحلة: “لقد أبدع العراقيون حينها. كانت هناك عملية مناورة واسعة بمجهود الدولة وكوادرها لإصلاح الأضرار وإعادة مختلف القطاعات الحيوية إلى العمل. هذه شهادة يجب أن نعتز بها بغض النظر عن طبيعة الوضع السياسي. كان الجسر المعلق في بغداد رمزاً لنا عندما كنا في مرحلة الشباب. أحسسنا بالفخر الكبير عندما أعيد إعماره بعد أن تهاوى بفعل القصف الجوي الأميركي”. 

سنوات الحصار   

دخل العراق مرحلة النفق المظلم مع انقشاع رماد ثاني المغامرات العسكرية في الخليج. وبينما كان العالم يطوي العقد الأخير من القرن العشرين، انحدر المستوى الاقتصادي والاجتماعي في البلاد إلى مستويات غير متوقعة. 

في أغلب القطاعات الحكومية، لم يكن لراتب الدولة الشهري أهمية تذكر. انخرط كثير من الموظفين ضمن أعمال ومهن أخرى إلى جانب وظيفتهم الحكومية في محاولة لتخفيف الوقع القاسي لشظف العيش خلال الحصار. 

يرى صلاح أن تلك المرحلة لها ملامحها المختلفة، وفيها تبرز أهمية القيم التي تتحلى بها الأسرة لمواجهة قسوة الحصار، حين أصبح الراتب الشهري الذي تقدمه الدولة لا يكاد يكفي لسد أبسط متطلبات الأسرة العراقية. 

في وقت متزامن، توصل العراق إلى اتفاق مع الأمم المتحدة يسمح له ببيع جزء من نفطه في إطار مذكرة التفاهم المعروفة باسم “النفط مقابل الغذاء والدواء”، والتي مثلت قبلة الحياة بالنسبة للعراق دولة وشعباً، فكانت فترة التسعينيات، الهادئة سياسياً والقاسية اقتصادياً، هي الفترة التي كان العراق فيها يتسمّر في مكانه بفعل اليد الأمريكية التي كانت تمسك بخناقه وتتحفز بانتظار اللحظة المناسبة. 

ثمانية يحرسون عشرة ملايين 

بينما كانت أمريكا تتأهب لاجتياح العراق أوائل آذار 2003، تم إيفاد صلاح ضمن مجموعة فنية من قبل وزارة النفط للذهاب إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، حيث يبلغ النفط العراقي نقطته الأخيرة في رحلة التصدير قبل أن يتم خزنه وبيعه إلى دول العالم التي تمخر بواخرها عباب البحار. 

كان يفترض أن تكون مدة الإيفاد 45 يوماً، لكن الأقدار كتبت لصلاح ومجموعته دوراً مختلفاً تماماً. 

بينما كانت القوات الأميركية تجتاز المدينة تلو الأخرى في مسيرها نحو بغداد، كان صلاح وزملاؤه يتابعون الحرب عبر الشاشات من مسكنهم في ميناء جيهان. 

هناك، كان نفط العراق المصدر من داخل البلاد قد وصل إلى نحو عشرة ملايين برميل موزعة على ما يقرب من سبعة خزانات سعة كل منها تتجاوز مليون برميل من النفط، ويفترض بها أن تنقل إلى بواخر المشترين. 

من المنطقي أن نفطاً بهذا الحجم الضخم والعائد لبلد أصبح خلال ثلاثة أسابيع تحت الاحتلال الأمريكي، لن يجد من يحافظ عليه أو يهتم لأمره، مع انسحاب ممثل الأمم المتحدة حينها الذي كان يراقب عملية البيع طبقاً لمذكرة التفاهم، لكن صلاح وزملاءه كان لهم رأي آخر. 

“كان الجميع من حولنا يقولون لنا إنه لا فائدة من بقائكم هنا. لقد أصبح بلدكم تحت الاحتلال ووزارتكم التي قامت بإيفادكم لم يعد لها وجود، لكن مسؤوليتنا الأخلاقية منعتنا من ترك مواقعنا. كنا منقطعين عن عوائلنا ونراقب بلدنا وهو يسقط بيد الغزاة. لم يكن أحد ليتوقع أن ثمانية موظفين عراقيين ما زالوا قابعين في ميناء جيهان، أو أن تلك الملايين العشرة من براميل النفط ما زالت موجودة”. 

عند حديثه عن تلك الفترة، يذكر صلاح بعرفان كبير تعامل الأتراك في جيهان والمدن الأخرى مع مجموعته طوال الأشهر العشرة التي أعقبت سقوط النظام الحاكم في نيسان 2003، حيث مكث هو ورفاقه لأداء المهمة. كان احتواؤهم وتعاملهم الإنساني محط تقدير صلاح ورفاقه، وما زال يحمل لهم في ذاكرته محبة واحتراماً كبيرين. 

بعد تشكيل مجلس الحكم العراقي الانتقالي وتشكيل حكومة مؤقتة، زار ميناء جيهان وفد من وزارة النفط الجديدة بصحبة وفد أميركي. كوفئ صلاح ومجموعته بعد أن أمضوا عشرة أشهر في تركيا لحماية النفط العراقي ريثما عاد العمل الإداري في وزارة النفط إلى مساره. 

عندما عاد صلاح ومجموعته إلى عوائلهم في كركوك أواخر عام 2003، تم استقبالهم بالدبكات والزغاريد وكأنها حفلة زفاف كما وصفها صلاح بعد أن ارتسمت على معالم وجهه ابتسامة عريضة، بالإضافة إلى تكريمهم من قبل شركتهم. 

نيسان عام2003 ، الجيش الأمريكي بالقرب من حقل الرميلة. المصدر: ويكيبديا. 

محنة أم منحة؟ 

أصدر مجلس الأمن قراره برفع الحصار الاقتصادي عن العراق منتصف 2003، ودارت دفة الأقدار مجدداً مع السنوات الأولى من القرن الحالي لتعود كما بدأت مع مطلع القرن المنصرم، حيث عادت الشركات الاجنبية تتسابق عبر جولات التراخيص النفطية لاستكشاف وتطوير الحقول المنتشرة في أنحاء البلاد. 

اليوم، ومنذ 50 عاماً، يمثل النفط شريان الحياة الأوحد للاقتصاد العراقي. تضخم دور الدولة مقارنة بما كانت عليه في السبعينيات، وأصبحت تمزج بين دور الأب والأم بالنسبة للمواطنين. تضاعفت أعداد موظفيها بشكل أثار حفيظة ومخاوف كثير من الخبراء الاقتصاديين الذين يطرقون منذ سنوات أجراس الإنذار بالخطر جراء تلك السياسة. 

أخذت سنوات الرخاء الاقتصادي التي عاشها العراق خلال عقد السبعينيات تمثل حاجزاً نفسياً وفكرياً ما يزال تجاوزه صعباً حتى اليوم بالنسبة لعدد من النخب العراقية وحتى على مستوى المواطنين. يبدو أن تلك السنوات قد خدّرت ذهن أصحاب القرار السياسي العراقي حتى بعد الغزو الأميركي للبلاد في نيسان 2003، وجعلتها أسيرة لمفهوم “الدولة الريعية ذات المصدر الواحد”. 

وعلى الرغم من أن العراق قد عايش تجربة الازدهار في ارتفاع أسعار النفط مجدداً خلال العشرية الأولى من القرن الحالي، إلا أن الفارق يكمن في تحول ذلك إلى عامل ساهم في تجمد التفكير السياسي عند خط أحادي يتمثل في إثقال كاهل الجهاز الإداري للدولة بعدد مهول من الموظفين وتصفير موارد العراق الأخرى، أو في أحسن الأحوال تبديدها في مشاريع وهمية وتسخيرها لمصالح خاصة عكستها طبيعة النظام السياسي العراقي الحالي القائم على تقاسم كل شيء بدءاً بثروات البلاد وليس انتهاءً بمستقبلها، من دون خضوع ذلك لأي رقابة أو حتى مساءلة أو استيضاح في أضعف الأحوال. 

يمتطي العراقيون اليوم نمراً هائجاً يتمثل في مزاجية أسعار النفط التي تخضع لتقلبات حادة. وفي كل الأحوال، فالوصفة السحرية تتلخص في قيام الدولة باستغلال واردات النفط لامتصاص المواطنين العاطلين عن العمل عبر إدخالهم في مؤسسات الدولة، ليصبح اعتمادهم عليها أسلوب حياة تتحدد بموجبه فرصتهم في العيش ومكانتهم الاجتماعية. إنها العلاقة “الزبائنية” القائمة على الراعي والزبون، في دولة تدار بالنظام “البتروقراطي” أو “سلطوية النفط”7. 

بدخول تنظيم داعش إلى الموصل وسيطرته عليها عام 2014، كان صلاح ينهي مسيرته الوظيفية التي امتدت لأربعة عقود بعد أن تقاعد من الخدمة. 

وعلى الرغم من أنه يعبّر عن تحفظه على ربط التقاعد بشرط بلوغ عمر محدد، ويحث على الاستفادة من الخبرات التي تمتد لأعوام طويلة، إلا أنه لا ينسى التنبيه إلى أن واجبه أملى عليه تهيئة الكوادر الصاعدة حديثاً وتدريبها لتكون مؤهلة لاستلام زمام العمل. 

تساؤلات عديدة يمكن أن تثار بعد أكثر من قرن على ولادة “العراق النفطي”: هل جاءت منحة النفط إلى العراقيين في وقت كانوا مستعدين فيه للتعامل معها بطريقة مناسبة؟ ومع تصاعد وتيرة الخلافات بين بغداد وإقليم كردستان، والنزاعات المحمومة حول قانون النفط والغاز منذ عام 2007، وعمليات الفساد والسرقات التي يعلن عن اكتشافها بين حين وآخر وتتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، حيث يمثل النفط العامل المشترك الوحيد بين كل تلك القضايا الشائكة، هل يمثل النفط بالنسبة للعراقيين منحة أم محنة؟ 

في مقال نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية خلال شهر أيلول 2021، أكد المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول أن الطلب العالمي على النفط سيحتاج إلى الانخفاض إلى أقل من 25 مليون برميل بحلول عام 2050، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض بنسبة 75 بالمئة في صافي عائدات النفط للدول التي تعتمد عليه كمورد رئيس. 

في مثل هذه الإحصاءات وغيرها الكثير، إشارات تستحق أن يقف عندها من يدير دفة القرار والتفكير السياسي والاقتصادي في العراق، وأن يتدارس مضامينها بعمق، ليصل من خلالها إلى معالجات تتيح للأجيال الحالية أن تشعر بنوع من الاطمئنان على مستقبل من سيخلفها في الحياة على هذه الأرض، وأن لا يكون تجاهل مثل تلك الإشارات دافعاً للمواطن العادي كي يبدأ في البحث عن خيارات عيش بديلة، ربما في مكان آخر يتم فيه احترام ظواهر الحاضر والمستقبل وأحكامهما. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في البدء كانت كركوك. قرب بابا كركر أو “النار الأزلية” كما تعرف باللغة الكردية، شعلة لم تنطفئ منذ قرون تحوم حولها حكايات تمتد إلى نحو أربعة آلاف عام، كأنها شارة دلالة إلى ما هو مخبأ تحتها. 

خليط هائل من الكربون والهيدروجين والكبريت يصارع بعضه بعضاً في انتظار اللحظة المناسبة، كي يخرج المارد الأسود من محبسه ويفك أحدهم سر طلسمه. 

اختلفت الألسن في تسميته، فهو لدى العرب الزيت (حلابة جبل في قعر بئر تولد منه النار)، وفي اللاتينية هو البترول (Petroleum)، تركيب لاتيني قديم من شقين: Petra أي الصخر وOleum ومعناها الزيت، أما النفط Neft فهي كلمة في اللغات السامية تدل على البترول الخام1. 

في أواسط تشرين الأول 1927 كان الدفق الأول. شهور من الحفر المستمر بأيد إنجليزية، انتهت بخروج المارد ذي الرائحة الغريبة، وعند تلك اللحظة، تغير وجه كركوك ومعها وجه العراق كله. 

هناك، يقضي صلاح (70 عاماً) سنوات تقاعده الحالية بعد أربعة عقود من العمل في القطاع النفطي، حيث سارت حياته بمحطاتها الحافلة جنباً إلى جنب مع خطوط النفط المتوازية التي تمتد من شمال العراق إلى جنوبه، وامتزجت مع الذهب الأسود الذي كان يحث الخطى جرياً عبر تلك الأنابيب فضية اللون، وحرارة تلك الشعلة الوهاجة التي تنفث نارها المستعرة نحو السماء. 

خروج المارد الأسود 

عرّف العراق نفسه بلداً نفطياً مع مطلع القرن العشرين، وباهتمام ألماني في البداية، من خلال بعثات عدة تم إيفادها إلى العراق بين عامي 1871 و1902. كانت تقارير تلك البعثات تشير بوضوح إلى أن حقول نفط شمال العراق مدهشة ولا تقدر، وأن كركوك وضواحيها منطقة نفطية هائلة، وعلى الحكومة الألمانية التعجيل بتطويرها2. 

في تلك الفترة، كان العراق تحت حكم دولة وصلت بحكم الأقدار إلى مرحلة الشيخوخة التامة. الدولة العثمانية، أو كما عرفت بـ”الرجل المريض” في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لم تكن تملك إلا أن تجاري ضعفها في الوقوف بوجه العيون الأمريكية والبريطانية والألمانية الناظرة بلهفة إلى خزائن الذهب الأسود التي تستوطن جوف الأراضي العراقية. 

تحولت دفة القدر بشكل حاسم مع تحول وقود الأسطول البريطاني الأقوى في العالم حينها من الفحم إلى النفط، وهو ما ترتب عليه أن يبذل التاج البريطاني قصارى جهده لتأمين الوقود الجديد لإدامة أسطوله الذي كان يجوب قارات العالم آنذاك. 

منحت الدولة العثمانية موافقتها المبدئية لبريطانيا على التنقيب عن النفط في ولايتي بغداد والموصل، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يمهل ذلك الاتفاق طويلاً. 

بمصير مشابه لما يحدث لتركة المتوفي بعد موته، تم اقتسام تركة الرجل المريض العثماني، وأصبح العراق تحت الانتداب البريطاني. 

لم يكن النفط يشغل بال العراقيين بشكل عام، لأن الزراعة وامتلاك الأراضي كانت هي صاحبة الكعب الأعلى في التنافس المحموم بين طبقات المجتمع في ذلك الوقت. 

بحلول عشرينيات القرن العشرين، أصبح العراق بلداً يحكمه تاج حجازي على رأس الملك فيصل الأول، وترتب على الوضع الجديد أن يعاد التنقيب عن النفط. 

لم يكن للدولة العراقية الوليدة أن تنازع الأسد الشرس في لندن وتتفاوض معه على قدم المساواة المفترضة بين دولتين، فكانت النتيجة قبول أن يكون امتياز التنقيب محصوراً بما جاء في الموافقة العثمانية بشرط استثناء ولاية البصرة والأراضي المتداخلة حدودياً مع إيران، وأن لا تتجاوز مدة الامتياز أكثر من ستين سنة من تاريخ التوقيع على الاتفاقية. 

خضعت الحكومة العراقية عام 1925 لما لم تكن لتقبله في الظروف الاعتيادية، فعندما أطلت أزمة تقرير مصير ولاية الموصل -التي تمثل حالياً الثلث الشمالي العراقي بأكمله بضمنها كركوك- والتي أحيل النزاع العراقي-التركي عليها إلى لجنة تابعة لعصبة الأمم، قبلت بغداد على مضض بمنح شركة النفط التركية امتياز التنقيب عن النفط في الولاية المتنازع عليها كشرط لحسم النزاع حول السيادة عليها لمصلحة العراق. 

ولم يكن أدلّ على هذا المعنى في حينه، من تقديم وزير المواصلات مزاحم الباججي استقالته ثم سحبه إياها نزولاً عند رغبة رئيس الوزراء ياسين الهاشمي، الذي أكد له أن رفض الامتياز سيعرض العراق لكارثة كبرى هي ضياع ولاية الموصل، وأن التضحية المالية من عدم المشاركة في أسهم الشركة يهون أمام ضياع الموصل، وقد كان هذا أيضاً رأي وزير المالية ساسون حزقيل3. 

مزاحم الباججي – المصدر: من الانترنت 

لم يكن ذلك هو الصراع الوحيد، فالعيون الأجنبية الأخرى كانت ما تزال تنظر بشراهة إلى ما تخبئه أرض العراق من خزائن الذهب الأسود. 

وبعد شد وجذب، أصبحت الثروة النفطية العراقية تدار من خلال “شركة نفط العراق” المقسمة إلى حصص متساوية بين بريطانيا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة (23.75 بالمئة لكل طرف)، إضافة إلى 5 بالمئة تُمنح إلى رجل الأعمال الأرمني المعروف كالوست سركيس كولبنكيان الذي أصبح بعد تلك النسبة يعرف بلقب “مستر خمسة بالمئة”. 

سارت الأمور على وفق ما خطت لها أقدارها، واستمرت شركة نفط العراق تدير عملية تنقيب واستخراج وبيع النفط العراقي في وقت لم يكن ليشكل فيه النفع المادي المتحقق من تلك العملية شيئاً ملفتاً للنظر بالنسبة لبغداد حتى منتصف القرن الماضي. 

الانتقال إلى الأيادي العراقية 

بحلول منتصف القرن الماضي، كان صلاح يطلق صرخات ولادته الأولى بالتزامن مع ولادة مجلس الإعمار في بغداد. 

ارتبط اسم ذلك المجلس مع عودة النفط لتصدر الواجهة من جديد، خاصة مع تزايد الاكتشافات النفطية في منطقة الخليج، وتوصل الطرف العراقي إلى اتفاق لتعديل حصة البلاد من نفطها المستخرج بريطانياً لتصبح ستة شلنات ذهب للطن الواحد بدلاً من الحصة المقررة سابقاً (4 شلنات) اعتباراً من كانون الثاني 1950، وهو ما مثل دخلاً مالياً للعراق يتجاوز 17 مليون دينار آنذاك، وهو رقم انعكس إيجاباً نوعاً ما على تفكير الحكومة العراقية في الاستفادة من النفط للمرة الأولى من خلال سلسلة مشاريع المجلس التي توالى افتتاحها أواسط القرن المنصرم، حيث أعلنت الحكومة تخصيص 70 بالمئة من عائدات النفط لتنفيذ مشاريع خدمية عدة في البلاد، توالى افتتاحها خلال السنوات الأخيرة من الحكم الملكي4. 

أبرز تلك المشاريع يراها العراقيون يومياً وهم يستنشقون رائحة الغاز في الوقت الحالي أثناء مرورهم بالطريق السريع المؤدي إلى جنوب العاصمة بغداد. 

هناك، حيث يدور نهر دجلة من ثلاث جهات، استقرت أسس إنشاء مصفى النفط المعروف في منطقة الدورة، والذي يغذى من نفط حقول كركوك بواسطة خط من الأنابيب. 

افتتح المصفى رسمياً أواخر عام 1955 بحضور ملك البلاد فيصل الثاني. حينها، كان صلاح يطوي سنوات طفولته المبكرة، وكأنه يرتب لنفسه موعداً مثيراً يتسابق فيه مع جريان الذهب الأسود على امتداد مساحة العراق. 

الملك فيصل، أثناء افتتاح مصفى الدورة عام 1955. المصدر: من pinterest. 

بعد مرور نصف قرن على اكتشاف النفط في العراق، دارت دفة القدر مجدداً، هذه المرة باتجاه الشرق. 

بينما كان صلاح يعيش سنوات الفتوة، خلع العراق عن نفسه التاج الهاشمي على يد الجيش في تموز 1958 واتجهت بوصلته نحو الشرق حيث القطب السوفيتي الذي يرفع لواء الاشتراكية وأممية الثورة العمالية. 

في العقد الستيني من القرن العشرين، اجتاحت العراق والمنطقة شعارات استرداد الثروات المنهوبة وحق الشعب في استغلالها كما يشاء. 

توجت حكومة عبد الكريم قاسم تلك الشعارات بصدور القانون رقم 80 لعام 1961 بعد مباحثات ماراثونية مع الشركات الأجنبية، حيث أصبحت 99.5 بالمئة من الأراضي غير المستثمرة الممنوحة للشركات الأجنبية عائدة إلى السلطة العراقية5. 

لكن رياح الستينيات العاتية لم تمهل قاسم طويلاً، فبعد انهيار نظامه في شباط 1963، تمكنت حكومة خلفه عبد السلام عارف من توقيع اتفاق مع شركة نفط العراق اعتمد على مبدأ “الفوز لكل الأطراف”، حيث حاز قانون رقم 80 في عهد قاسم على الاعتراف بالشركات الأجنبية المنضوية تحت شركة نفط العراق في مقابل زيادة حصتها من الأراضي غير المستثمرة خاصة في الرميلة، بينما تقوم بتدريب كوادر شركة النفط الوطنية حديثة التأسيس. 

إلا أن هذا الاتفاق لم يكتب له أيضاً أن يستمر طويلاً، فمع مجيء حزب البعث إلى السلطة عام 1968 تغير كل شيء بصدور قانون تأميم عمليات شركة نفط العراق في حزيران 1972، حيث كانت فترة امتياز التنقيب عن النفط التي تم توقيعها في العهد الملكي تشرف على نهايتها. 

النفط يضخّم التوظيف 

اقترب صلاح من أواسط العشرينيات من عمره، وبتخرجه من معهد النفط أواسط السبعينيات، وبنظام التعيين المركزي للمعهد، بدأ عمله في شركة الحفر العراقية في أقصى جنوب البلاد عام 1974، حيث حقل الرميلة الشمالي في البصرة التابع لشركة نفط الجنوب، ليكون جزءاً من الكوادر التي تقارع الجيولوجيا سعياً وراء الذهب الأسود على عمق يتجاوز ثلاثة آلاف متر. 

في تلك الفترة، توجهت حكومة البعث نحو المعسكر السوفيتي مع توقيع اتفاقية التعاون بين البلدين عام 1969 واتفاقية الصداقة عام 1972. وكان من الطبيعي أن تستعين وزارة النفط بالخبرات الروسية لتهيئة الكوادر العراقية الفتية بدلاً من الشركات الغربية. 

يومها، كان العراق يعيش فترة زهوه الاقتصادي بعد ارتفاع أسعار النفط. ومع وفرة المال المتدفق بفعل تصاعد الأسعار، تعزز تأثير الحكومة في البنية الاجتماعية وسيطرتها على قطاع الصناعة والزراعة والنقل، وليس انتهاء بقطاع التعليم، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد مكاتب الحكومة وموظفيها من الرسميين وشبه الرسميين، وازداد حجم التوظيف منذ عام 1972 وصولاً إلى اضطرار الحكومة لتشغيل كل العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات بموجب قرار صدر عام 1974، فأصبحت للعراق طبقة تعرف بـ”الوسطى” لها وزنها الكمي في التركيبة الاجتماعية والسكانية العراقية6، وكان هذا بداية طريق آخر في تفكير المواطن وصانع القرار العراقيين. 

لم يكن لصلاح ولا لغالبية المواطنين العراقيين أن يتوقعوا أن سنوات الزهو المعدودة تلك ستعقبها سنوات أخرى مختلفة تماماً. 

مع مطلع الثمانينيات، انخرط العراق في صراع دموي استمر ثماني سنوات مع إيران، وبحكم الموقع والوظيفة، واصل صلاح عمله ضمن حقل الرميلة. 

جانب من الحرب العراقية الإيرانية. المصدر: القدس العربي 

لم تكد تمضي السنة الأولى من الحرب، حتى استدعي صلاح لخدمة الاحتياط في الجيش، واستمر فيها حتى تجاوزت الحرب عامها الرابع. 

“في الحرب تضاعفت الجهود واستنفرت كوادر الوزارة وشركاتها. في تلك الأيام أصبح الجميع ينخرط ضمن المجهود الحربي. كانت الجبهة بعيدة عن مواقعنا. استدعيت إلى الاحتياط، وكنت أرفد المعركة من خلال معامل تصليح العجلات والدبابات في قاطع البصرة بحكم اختصاصي الفني” يقول صلاح لـ”جمّار”. 

ويصف صلاح سنوات النصف الثاني من الحرب العراقية الإيرانية بـ”القاسية”، حيث اتسعت دائرة القتال لتشمل المدن والمنشآت الحيوية ومنها النفطية. 

ويتذكر صلاح جيداً كيف كانت تُقصف البصرة وضواحيها بالمدفعية بعد أن دخلت الحرب مرحلة “حرب المدن”. 

بإنهائه خدمة الاحتياط وعودته إلى عمله في الرميلة، كان إنتاج النفط العراقي قد انخفض بسبب تحول المنفذ العراقي الوحيد في الخليج إلى ساحة حرب، على الرغم من محاولة تلافي تلك الأوضاع بمد خط مشترك مع الحكومة السعودية يمر عبر أراضيها وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. 

شأنه شأن بقية العراقيين، لم تقف سنوات الحرب عائقاً أمام صلاح في تكوين أسرته الخاصة التي كانت تعيش على مقربة من عمله في الرميلة ضمن دور إسكان الموظفين. 

بزوجة وأربعة أولاد وبنتين توالت مواليدهم خلال سنوات الحرب وبعدها، تشكلت ملامح أسرة صلاح التي ستختار فيما بعد السير على خطاه في دخول كليات الهندسة والعمل في القطاع النفطي أيضاً، فكانوا في أغلبهم من مواليد ذلك الجيل من الحرب الذي حفرت أصوات صافرات الإنذار ودوي المدافع ندوبها العميقة في ذاكرة طفولته. 

ترسيخ الاقتصاد الأحادي 

بنهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، انتهى فصل من رحلة صلاح الطويلة، وانتقلت بوصلة عمله من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، حيث مقر شركة نفط الشمال بالقرب من حقول بابا كركر، موطن الدفق الأول للنفط العراقي. 

في تلك الفترة، بات واضحاً أن الاقتصاد العراقي أصبح أحادي المورد باعتماده على النفط بنسبة تقارب 95 بالمئة وبملامح مشوهة، فصار مرتهناً بتقلبات سوق النفط العالمية التي يمكن أن تطيح به في حال انخفاض الأسعار بصورة حادة أو وجود كميات فائضة عن حاجة السوق، وقد بانت بوادر ذلك مع انخفاض أسعار النفط عام 1987، وهو الأمر الذي دفع صانع القرار العراقي نحو سياسات مهلكة توجت بغزو الكويت صيف عام 1990. 

خلال الشهر الأول من الغزو، صدرت توجيهات رسمية بإيفاد كل وزارة عدداً من متخصصيها لكي يذهبوا إلى ما سماها نظام صدّام حسين “المحافظة التاسعة عشرة” ويطلعوا على ما تحتويه من موارد يمكن الاستفادة منها. 

كان صلاح ضمن الكادر الفني التابع لوزارة النفط الذي ذهب إلى الكويت لمعرفة موارد ومعدات القطاع النفطي الكويتي. 

“صحيح أن الخلاف كان حاداً وبانت الأزمة بسبب أسعار النفط مع الكويت، لكن لم يكن هناك أحد منا يتوقع أننا سندخل الكويت عسكرياً. ذهبنا كمجموعة فنية إلى الكويت لمدة أسبوعين لنقيّم الرقعة الجغرافية القريبة على البصرة. كان هناك مواقع عدة وأبراج حفر بمعدات غربية أبرزها الأميركية. كانت الكويت مدينة عادية والجيش منتشر في جميع أرجاء البلاد”. 

دبابة كويتية أثناء الغزو العراقي للكويت، المصدر: ويكبيديا 

برأي صلاح، لم تكن آثار الحصار الاقتصادي قد بانت بوادرها بُعيد غزو الكويت. كان هناك نوع من الاكتفاء الذاتي في البلاد على الرغم من أن قرار الحصار استهدف بشكل أساس إيقاف صادرات النفط العراقية بشكل كامل. 

مرة أخرى دخل المجهود الحربي على الخط، ولكن هذه المرة ضمن هيئة التصنيع العسكري، بعد أن تضررت بعض المواقع في شركة نفط الشمال ضمن بقية قطاعات البلاد بفعل حرب الخليج الثانية 1991. 

وما تزال ذاكرة صالح عامرة بشواهد عن تلك المرحلة: “لقد أبدع العراقيون حينها. كانت هناك عملية مناورة واسعة بمجهود الدولة وكوادرها لإصلاح الأضرار وإعادة مختلف القطاعات الحيوية إلى العمل. هذه شهادة يجب أن نعتز بها بغض النظر عن طبيعة الوضع السياسي. كان الجسر المعلق في بغداد رمزاً لنا عندما كنا في مرحلة الشباب. أحسسنا بالفخر الكبير عندما أعيد إعماره بعد أن تهاوى بفعل القصف الجوي الأميركي”. 

سنوات الحصار   

دخل العراق مرحلة النفق المظلم مع انقشاع رماد ثاني المغامرات العسكرية في الخليج. وبينما كان العالم يطوي العقد الأخير من القرن العشرين، انحدر المستوى الاقتصادي والاجتماعي في البلاد إلى مستويات غير متوقعة. 

في أغلب القطاعات الحكومية، لم يكن لراتب الدولة الشهري أهمية تذكر. انخرط كثير من الموظفين ضمن أعمال ومهن أخرى إلى جانب وظيفتهم الحكومية في محاولة لتخفيف الوقع القاسي لشظف العيش خلال الحصار. 

يرى صلاح أن تلك المرحلة لها ملامحها المختلفة، وفيها تبرز أهمية القيم التي تتحلى بها الأسرة لمواجهة قسوة الحصار، حين أصبح الراتب الشهري الذي تقدمه الدولة لا يكاد يكفي لسد أبسط متطلبات الأسرة العراقية. 

في وقت متزامن، توصل العراق إلى اتفاق مع الأمم المتحدة يسمح له ببيع جزء من نفطه في إطار مذكرة التفاهم المعروفة باسم “النفط مقابل الغذاء والدواء”، والتي مثلت قبلة الحياة بالنسبة للعراق دولة وشعباً، فكانت فترة التسعينيات، الهادئة سياسياً والقاسية اقتصادياً، هي الفترة التي كان العراق فيها يتسمّر في مكانه بفعل اليد الأمريكية التي كانت تمسك بخناقه وتتحفز بانتظار اللحظة المناسبة. 

ثمانية يحرسون عشرة ملايين 

بينما كانت أمريكا تتأهب لاجتياح العراق أوائل آذار 2003، تم إيفاد صلاح ضمن مجموعة فنية من قبل وزارة النفط للذهاب إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، حيث يبلغ النفط العراقي نقطته الأخيرة في رحلة التصدير قبل أن يتم خزنه وبيعه إلى دول العالم التي تمخر بواخرها عباب البحار. 

كان يفترض أن تكون مدة الإيفاد 45 يوماً، لكن الأقدار كتبت لصلاح ومجموعته دوراً مختلفاً تماماً. 

بينما كانت القوات الأميركية تجتاز المدينة تلو الأخرى في مسيرها نحو بغداد، كان صلاح وزملاؤه يتابعون الحرب عبر الشاشات من مسكنهم في ميناء جيهان. 

هناك، كان نفط العراق المصدر من داخل البلاد قد وصل إلى نحو عشرة ملايين برميل موزعة على ما يقرب من سبعة خزانات سعة كل منها تتجاوز مليون برميل من النفط، ويفترض بها أن تنقل إلى بواخر المشترين. 

من المنطقي أن نفطاً بهذا الحجم الضخم والعائد لبلد أصبح خلال ثلاثة أسابيع تحت الاحتلال الأمريكي، لن يجد من يحافظ عليه أو يهتم لأمره، مع انسحاب ممثل الأمم المتحدة حينها الذي كان يراقب عملية البيع طبقاً لمذكرة التفاهم، لكن صلاح وزملاءه كان لهم رأي آخر. 

“كان الجميع من حولنا يقولون لنا إنه لا فائدة من بقائكم هنا. لقد أصبح بلدكم تحت الاحتلال ووزارتكم التي قامت بإيفادكم لم يعد لها وجود، لكن مسؤوليتنا الأخلاقية منعتنا من ترك مواقعنا. كنا منقطعين عن عوائلنا ونراقب بلدنا وهو يسقط بيد الغزاة. لم يكن أحد ليتوقع أن ثمانية موظفين عراقيين ما زالوا قابعين في ميناء جيهان، أو أن تلك الملايين العشرة من براميل النفط ما زالت موجودة”. 

عند حديثه عن تلك الفترة، يذكر صلاح بعرفان كبير تعامل الأتراك في جيهان والمدن الأخرى مع مجموعته طوال الأشهر العشرة التي أعقبت سقوط النظام الحاكم في نيسان 2003، حيث مكث هو ورفاقه لأداء المهمة. كان احتواؤهم وتعاملهم الإنساني محط تقدير صلاح ورفاقه، وما زال يحمل لهم في ذاكرته محبة واحتراماً كبيرين. 

بعد تشكيل مجلس الحكم العراقي الانتقالي وتشكيل حكومة مؤقتة، زار ميناء جيهان وفد من وزارة النفط الجديدة بصحبة وفد أميركي. كوفئ صلاح ومجموعته بعد أن أمضوا عشرة أشهر في تركيا لحماية النفط العراقي ريثما عاد العمل الإداري في وزارة النفط إلى مساره. 

عندما عاد صلاح ومجموعته إلى عوائلهم في كركوك أواخر عام 2003، تم استقبالهم بالدبكات والزغاريد وكأنها حفلة زفاف كما وصفها صلاح بعد أن ارتسمت على معالم وجهه ابتسامة عريضة، بالإضافة إلى تكريمهم من قبل شركتهم. 

نيسان عام2003 ، الجيش الأمريكي بالقرب من حقل الرميلة. المصدر: ويكيبديا. 

محنة أم منحة؟ 

أصدر مجلس الأمن قراره برفع الحصار الاقتصادي عن العراق منتصف 2003، ودارت دفة الأقدار مجدداً مع السنوات الأولى من القرن الحالي لتعود كما بدأت مع مطلع القرن المنصرم، حيث عادت الشركات الاجنبية تتسابق عبر جولات التراخيص النفطية لاستكشاف وتطوير الحقول المنتشرة في أنحاء البلاد. 

اليوم، ومنذ 50 عاماً، يمثل النفط شريان الحياة الأوحد للاقتصاد العراقي. تضخم دور الدولة مقارنة بما كانت عليه في السبعينيات، وأصبحت تمزج بين دور الأب والأم بالنسبة للمواطنين. تضاعفت أعداد موظفيها بشكل أثار حفيظة ومخاوف كثير من الخبراء الاقتصاديين الذين يطرقون منذ سنوات أجراس الإنذار بالخطر جراء تلك السياسة. 

أخذت سنوات الرخاء الاقتصادي التي عاشها العراق خلال عقد السبعينيات تمثل حاجزاً نفسياً وفكرياً ما يزال تجاوزه صعباً حتى اليوم بالنسبة لعدد من النخب العراقية وحتى على مستوى المواطنين. يبدو أن تلك السنوات قد خدّرت ذهن أصحاب القرار السياسي العراقي حتى بعد الغزو الأميركي للبلاد في نيسان 2003، وجعلتها أسيرة لمفهوم “الدولة الريعية ذات المصدر الواحد”. 

وعلى الرغم من أن العراق قد عايش تجربة الازدهار في ارتفاع أسعار النفط مجدداً خلال العشرية الأولى من القرن الحالي، إلا أن الفارق يكمن في تحول ذلك إلى عامل ساهم في تجمد التفكير السياسي عند خط أحادي يتمثل في إثقال كاهل الجهاز الإداري للدولة بعدد مهول من الموظفين وتصفير موارد العراق الأخرى، أو في أحسن الأحوال تبديدها في مشاريع وهمية وتسخيرها لمصالح خاصة عكستها طبيعة النظام السياسي العراقي الحالي القائم على تقاسم كل شيء بدءاً بثروات البلاد وليس انتهاءً بمستقبلها، من دون خضوع ذلك لأي رقابة أو حتى مساءلة أو استيضاح في أضعف الأحوال. 

يمتطي العراقيون اليوم نمراً هائجاً يتمثل في مزاجية أسعار النفط التي تخضع لتقلبات حادة. وفي كل الأحوال، فالوصفة السحرية تتلخص في قيام الدولة باستغلال واردات النفط لامتصاص المواطنين العاطلين عن العمل عبر إدخالهم في مؤسسات الدولة، ليصبح اعتمادهم عليها أسلوب حياة تتحدد بموجبه فرصتهم في العيش ومكانتهم الاجتماعية. إنها العلاقة “الزبائنية” القائمة على الراعي والزبون، في دولة تدار بالنظام “البتروقراطي” أو “سلطوية النفط”7. 

بدخول تنظيم داعش إلى الموصل وسيطرته عليها عام 2014، كان صلاح ينهي مسيرته الوظيفية التي امتدت لأربعة عقود بعد أن تقاعد من الخدمة. 

وعلى الرغم من أنه يعبّر عن تحفظه على ربط التقاعد بشرط بلوغ عمر محدد، ويحث على الاستفادة من الخبرات التي تمتد لأعوام طويلة، إلا أنه لا ينسى التنبيه إلى أن واجبه أملى عليه تهيئة الكوادر الصاعدة حديثاً وتدريبها لتكون مؤهلة لاستلام زمام العمل. 

تساؤلات عديدة يمكن أن تثار بعد أكثر من قرن على ولادة “العراق النفطي”: هل جاءت منحة النفط إلى العراقيين في وقت كانوا مستعدين فيه للتعامل معها بطريقة مناسبة؟ ومع تصاعد وتيرة الخلافات بين بغداد وإقليم كردستان، والنزاعات المحمومة حول قانون النفط والغاز منذ عام 2007، وعمليات الفساد والسرقات التي يعلن عن اكتشافها بين حين وآخر وتتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، حيث يمثل النفط العامل المشترك الوحيد بين كل تلك القضايا الشائكة، هل يمثل النفط بالنسبة للعراقيين منحة أم محنة؟ 

في مقال نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية خلال شهر أيلول 2021، أكد المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول أن الطلب العالمي على النفط سيحتاج إلى الانخفاض إلى أقل من 25 مليون برميل بحلول عام 2050، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض بنسبة 75 بالمئة في صافي عائدات النفط للدول التي تعتمد عليه كمورد رئيس. 

في مثل هذه الإحصاءات وغيرها الكثير، إشارات تستحق أن يقف عندها من يدير دفة القرار والتفكير السياسي والاقتصادي في العراق، وأن يتدارس مضامينها بعمق، ليصل من خلالها إلى معالجات تتيح للأجيال الحالية أن تشعر بنوع من الاطمئنان على مستقبل من سيخلفها في الحياة على هذه الأرض، وأن لا يكون تجاهل مثل تلك الإشارات دافعاً للمواطن العادي كي يبدأ في البحث عن خيارات عيش بديلة، ربما في مكان آخر يتم فيه احترام ظواهر الحاضر والمستقبل وأحكامهما.