"الدرويش والسلطان".. علاقة الصوفيّة بالسياسة في العراق 

مروان الجبوري

10 سبتمبر 2023

ضيَّق الفكر السلفي الخناق على الصوفية، وحرمهم من مكاسب كانوا يحوزونها عبر سدانة بعض الأضرحة المنسوبة لأولياء صالحين، وأضعف حضور شيوخهم الروحي في المجتمع.. لكن كيف بدأت رحلة الصوفيين إلى السياسة و"الأمن" وإلامَ انتهت؟

في الخامس من تموز الماضي، امتلأت شوارع مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار غربي العراق، بمئات المتظاهرين من المحافظة وخارجها، احتجاجاً على “الفساد” ودعماً لجهود محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، في محاربته، وذلك بحسب تصريحات القائمين على التظاهرة، الذين رددوا هتافات ورفعوا رايات مرتبطة بالطريقة الصوفية الكسنزانية وزعيمها نهرو محمد عبد الكريم. 

مشهد الجموع المحتشدة أعاد الحديث عن الدور الذي تلعبه الطرق والتجمعات الصوفية بشكل عام، والكسنزانية خاصة، في الحياة السياسية في العراق، بعد قرون على نشأتها، ومداومة شيوخها على اعتزال الحياة العامة والانكفاء في التكايا لممارسة تديّن طقوسي اتخذ موقفاً سلبياً من السياسة والمنخرطين فيها. 

وقد شهدت الحياة السياسية في العراق حضوراً للتصوف، وصار كثيفاً بعد عام 2003، حين ظهرت مجموعات تحت لافتات صوفية، اقتحمت المجال العام، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وحظيت بتأثير شعبي متفاوت في مناطق مختلفة من المحافظات السنية. 

ومع الانخراط في العمل السياسي، نشأت شبكات علاقات واسعة محلية وإقليمية ودولية، ومصالح اقتصادية ضخمة، ضخت الدماء في عروق تلك المجموعات، ووسّعت حضورها الشعبي، ما منحها نوعاً من المشروعية التي تؤهلها للحضور ولعب أدوار مختلفة في البلاد. 

المؤسسون والسياسة 

مبكّراً، كان العراق مهداً رئيساً لنشأة التصوف الإسلامي، لاسيما في ظل حكم العباسيين، وما نتج عنه من دعة وترف، وظهور لنزعات مادية موغلة في المجون. 

كان التصوف، آنذاك، بمثابة صرخة احتجاج ضد الانخراط المبالغ فيه بالترف والملذات الدنيوية، وحملت كتب التراث كثيراً من المقولات المنسوبة إلى رجال التصوف الأوائل مثل الحسن البصري ومعروف الكرخي والسري السقطي وأبو بكر الشبلي والجنيد البغدادي ورابعة العدوية وغيرهم؛ تذمُّ “الدنيا وأهلها”، وتدعو للزهد والتخلي عن حظوظ النفس ومسامحة الخلق والتطلع إلى الآخرة. 

وبعد الانهيار العباسي وما تلاه، تزايدت الطرق الصوفية وباتت تنشطر بشكل متسارع، خاصة مع انتشارها في أرجاء العالم الإسلامي شرقاً وغرباً. وعلى الرغم من صعوبة الاتصال والتواصل في تلك الأزمنة، لكنها احتفظت جميعها بمسافة تفصلها عن السياسة والشأن العام، بمقدمات استندت إلى سرديات دينية، ووصايا للآباء المؤسسين، نُقلت من خلال كتبهم، أو عبر مريديهم. 

لكن التصوّفَ بدأ يتطوّر “مؤسساتياً” بعد ذلك، فظهرت الطرق الصوفية المرتبطة بمن عرفوا لاحقاً بـ”الأقطاب”، وهم كبار مشايخ الصوفية الذين اشتهروا بـ”علمهم ومجاهداتهم وكراماتهم”. 

وبعد الانتشار الكبير الذي حققته؛ بدأ الحكام والسلاطين يخطبون ود المتصوفة، ويغدقون عليهم العطايا، ويسهمون في إنشاء وتوسّع تكاياهم وزواياهم، كنوع من التودّد لهم، لما يحظون به من تأثير شعبي، جعل من تلك الهِبات أدوات لكسب المشروعية لدى الجماهير. 

كما تزامن ذلك كلّه مع ظهور نزعات فلسفية اعتنقها بعض المتصوفة، لكنها لم تصبح متبنّيات رسمية لدى أتباع الطرق، ويمكن التعرف على آثارها في كتابات وأشعار الحلاج وابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، وغيرهم. 

“الفاكهة المحرّمة” 

على الرغم من مَيل الصوفية إلى اعتزال الحياة السياسية في تاريخها المبكر، إلا أنها مرّت بفترات انخرطت فيها بمعارك مسلحة لتحرير بلدانها من الغزاة، كما حدث في الجزائر مع الأمير عبد القادر الجزائري، وفي داغستان على يد الشيخ شامل الداغستاني، وبعض بقاع إفريقيا وآسيا. 

كانت السياسة، والحال هذه، “فاكهة محرّمة” لدى عموم الصوفية، وشاعت بينهم مقولات من مثل “أقام العباد في ما أراد” و”دع الملك للمالك”، وهي نزعات كانت توصف بـ”السلبية” لدى طبقة الفقهاء عموماً، على اعتبار أنها تتخلى عن “مقارعة الباطل ومغالبته”، وتترك “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. 

ورغم ذلك، فقد قام أعلامٌ من الصوفية بأدوار إصلاحية شعبية، كالشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي يعد أحد ألمع وأهم أعلام التصوف، وقد كان على مذهب الإمام أحمد بن حنبل المنتمي لمدرسة أهل الحديث بما عرفت به من حرفية واتباع للأثر، رغم ما ارتبط بالتصوف من نزعات “تأويلية” في أوقات لاحقة. 

كان الشيخ عبد القادر حنبليّاً، رغم أن كثيراً من المنتسبين إليه من بعده جنحوا بعيداً عن منهجه في الاعتقاد والسلوك، وظل الجيلاني الشخصية الأكثر تأثيراً على الشارع البغدادي في نهايات العصر العباسي، فخرجت بغداد جميعها لتشييعه يوم وفاته ٥٦١هـ. 

بعد ذلك، بقي التصوف حبيس التكايا في العراق، إذ انكفأ الصوفيون على حلقاتهم الخاصة، حتى جاءت “الحملة الإيمانية” في تسعينيات القرن الماضي، حيث تحوّل البعث وقادته من الأفكار العلمانية إلى الأفكار الإسلامية. 

مغانم “الحملة الإيمانية” 

تبنّى عزت الدوري، نائب رئيس صدام حسين في ذلك العقد المكثف بأحداثه وتحولاته، الطريقة الكسنزانية ودعمها بشكل كبير، على حساب المجموعات الدينية الأخرى، صوفية أم غيرها. 

وفي أكثر أيام الحصار حلكة على العراق، كانت تكايا الكسنزانية تقيم الولائم وتوفر الطعام للمريدين على مدار اليوم، فيما قام المنتمون للطريقة بتصفية خصوماتهم مع مناوئيهم من السلفيين، عن طريق كتابة تقارير تتهمهم بتبني “الفكر الوهابي”، وهي تهمة أوصلت العشرات منهم إلى السجون، مع ما رافقها من اتهامات بالتبعية للمملكة العربية السعودية، في ظل خصومة مع الدولة الجارة. 

ورغم ما وفره نظام البعث لهم، تواطأ بعض منتسبيهم بالتخابُر مع القوات الأمريكية أيام الغزو الأولى، وقامت أجهزة النظام السابق بتصفية عناصر منهم خلال أيام الحرب. 

ومع الهزّات التي تعرّض لها المجتمع العراقي عقب الغزو الأمريكي، بدأت الطرق الصوفية بلملمة شتاتها، وأعادت تشكيل صفوفها، لممارسة أدوار مختلفة في مناطق عدة في العراق. 

لكن التحدي الأكبر الذي واجهته تلك الطرق، هو انحسار الإيمان بالتصوف وتراجع تأثيره وحضوره بين الشباب بشكل خاص، مقابل صعود لافت للتوجهات السلفية عموماً بمختلف مدارسها، فصار هذا التوجه ومسلحوه، يحارب الصوفية في حواضنهم التقليدية، كبغداد والفلوجة والحويجة وديالى. 

ضيّق الفكر السلفي الخناق على الصوفية، وحرمهم من مكاسب كانوا يحوزونها عبر سدانة بعض الأضرحة المنسوبة لأولياء صالحين، وأضعف حضور شيوخهم الروحي في المجتمع، مما سلبهم كثيراً من مصادر قوتهم وتأثيرهم، وجعلهم موضع “سخرية” واتهام في أوساط ليست بالقليلة. 

مسلحون ودراويش 

كان الظهور الأبرز للصوفية عقِب 2003 عبر “الطريقة النقشبندية” التي مثلت الجناح المسلح الأهم لحزب البعث، بحسب البيانات الرسمية للجيش العراقي، والتي كانت تدافع بشراسة عن “شرعية النظام السابق”، وترفع راية العداء للنظام الجديد “الذي صنعه الاحتلال”. 

قدّم النقشبنديون أنفسهم كمدافعين عن الهوية العربية الإسلامية للعراق، ورافضين لنظام المحاصصة الطائفية، بحسب إصداراتهم ومنصاتهم الرسمية. 

تمركز نشاط هذه المجموعة في صلاح الدين وديالى ونينوى وكركوك بشكل رئيس، واستطاعت استقطاب أعداد ليست بالقليلة من ضباط الجيش السابق، مستثمرةً خبراتهم فقاموا بتطوير بعض الأسلحة البدائية التي بحوزتهم، وأعادوا تنظيم صفوف المقاتلين بطريقة أكثر تنسيقاً وترتيباً. 

كان خطاب النقشبندية المسلح موجهاً بالأساس نحو الأمريكيين، ولم يتبنوا فكرة الصدام مع الجيش الجديد بشكل علني، لكن الأمور سارت بهم بعد ذلك نحو معارك في مناطق عدة مع عناصر الجيش والشرطة الاتحادية، ما كلّفهم الكثير من الخسائر. 

لكن أقسى الضربات التي تلقتها الجماعة كانت على يد تنظيم “داعش”، الذي اتهمهم بالكفر والرِّدة والعمالة للحكومة، وعمل على ملاحقة عناصرهم بعد سيطرته على الموصل في حزيران 2014، وأعدم العشرات منهم، ليدفعهم نحو الانسحاب من الحياة العامة والصمت حتى تحرير المدينة من التنظيم الإرهابي. 

وعلى النقيض من النقشبندية الذين انغمسوا في الشأن العام والسلاح، كانت الطريقة “الرِفاعية” توغِل في العزلة عن الحياة العامة، وتتوسع في الطقوسية؛ تأثراً ربما بمحيطها الشيعي، فثقلها الأكبر يوجد في مناطق مختلطة في بغداد والجنوب، وضريح مؤسسها يقع في ناحية تحمل اسمه في محافظة ميسان (٤٠٢ كلم جنوب بغداد). 

اشتهرت الطريقة الرفاعية ببعض الطقوس الغريبة، كالضرب بالسيف و”الشيش” وأكل الزجاج، والمشي فوق الجمر، كنوع من إثبات “كرامات” المنتسبين إليها. 

وبشكل عام، لم تعد الرفاعية تلقى رواجاً داخل الأوساط السنية، مع تزايد المد السلفي، وانكفاء دراويش الطريقة على طقوسهم وأورادهم، فيما تحول قبر الرفاعي إلى مزار يأتيه العديد من أتباع الصوفية من داخل العراق وخارجه. 

حلفاء المنتصر 

مع التحوّلات التي شهدتها المحافظات السنية عقب هزيمة “داعش” ظهرت إلى السطح عدة جماعات دينية وسياسية، كان من بينها “مجلس علماء الرباط المحمدي”، الذي ربطته بفصائل الحشد الشعبي علاقات وثيقة، جعلت أعضاءه يتولون مناصب عدة في الهيئة، فضلاً عن حضورهم في لجان “محاربة التطرف” الحكومية. 

ويمتد نشاط المجلس اليوم من الموصل حتى البصرة، حيث يسعى –كما يقول الكثيرون- للسيطرة على أكبر عدد من المساجد، وتوظيفها لصالح خطابه، الذي يُعلن عداءه للفكر السلفي و”الوهابية”. 

وخلال سنوات، ظل المجلس حاضراً في بعض المؤسسات الحكومية بالأنبار ونينوى والبصرة، لكنه لم يعلن إنشاء أو دعم جسم تنظيمي يخوض به غمار السياسة، رغم تحالفاته الممتدة مع أطراف حكومية وغير حكومية في محافظات عدة. 

وإلى جانب هذا المجلس، نشأت مجموعات صوفية صغيرة متفرقة، لكنها غير مؤثرة أو فاعلة في الساحة، ولا تحظى بتأييد شعبي كبير، باستثناء الحالة التي يمكن وصفها بـ”الفريدة” للطريقة الكسنزانية، والتي باتت تتوسّع بشكل بطيء أفقياً وعمودياً، داخل إقليم كردستان –حيث يقيم مرشدها الروحي- وخارجه. 

لم تغبْ هذه الطريقة عن الساحة العراقية رغم كل التحوّلات التي مرت بها، وعملت على لعب أدوار سياسية واقتصادية واجتماعية عدة بعد عام 2003، لكنها ما زالت تواجه عقبات كثيرة، في مقدمتها عدم الارتياح الذي تواجَه به داخل الأوساط الدينية السنية عموماً، والحديث الذي يدور عن علاقات غير واضحة المعالم تربطها بالنظام الإيراني والولايات المتحدة في آنٍ واحد. 

تصوّف سياسي 

في الرابع من تموز عام 2020 توفي الزعيم الروحي للطريقة الكسنزانية الشيخ محمد عبد الكريم في الولايات المتحدة، حيث كان يتلقى العلاج هناك، ليرثه في منصبه التنفيذي والروحي ابنه نهرو، الذي سبق وأن مارس بعض الأدوار السياسية والدينية في سنوات ما بعد 2003. 

يحمل نهرو محمد عبد الكريم عدداً من الشهادات من داخل العراق وخارجه، كما تقول سيرته الذاتية المنشورة على المنصات التابعة للطريقة، وقد عرف بسيرته المثيرة للجدل، وعلاقاته الوطيدة بالجانبين الأمريكي والإيراني على حد سواء، ومحاولته “تجديد” الطريقة، وتوسيع دائرة المنتمين إليها، وتقديمها بشكل أكثر حداثة وعصرية مما عرفت به سابقاً. 

يقول الكسنزانيون إنهم عارضوا النظام السابق، وأسسوا عام 1991 ما أسموه “تجمع الوحدة الوطنية”، الذي ظهر إلى العلن بعد عام 2003، وأطلق جريدة “المشرق” ذائعة الصيت، ثم محطة المشرق الفضائية، التي أغلقت لاحقا لأسباب مالية، كما قيل وقتها. 

كما أسست أسرة الكسنزان عدداً من المنظمات والمراكز، وكلية حملت اسم “كلية السلام الجامعة” في بغداد، والتي أصبحت لاحقاً أحد مراكز تمويل نشاطاتهم. 

ورغم الصلات الوثيقة التي كانت تجمعهم بعزت الدوري وتبنيه لطريقتهم ودعمها على حساب الآخرين، يحاول أتباع الطريقة النأي بأنفسهم عن نظام صدام حسين، واتهامه باضطهادهم واعتقال بعض رموزهم. 

تتحدث تقارير لصحف غربية عن امتلاك أسرة نهرو مصالح اقتصادية ضخمة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، بينها شركات أمنية وتجارية وحقول نفطية، حازتها الأسرة عبر تاريخ طويل من العلاقات التي جمعتها بمراكز القوة والتأثير داخل واشنطن ولندن. 

وقد ظهر ذلك بشكل واضح خلال زيارة نهرو للولايات المتحدة عام 2018، وقضائه 26 يوما في فندق “ترامب” التابع لمجموعة شركات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؛ بحسب صحيفة “واشنطن بوست”. 

الصحيفة أكدت أيضاً أن نهرو بعث رسالة في تموز من عام 2018 إلى جون بولتون، مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، و مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، يؤكد فيها دعمه لجهود الولايات المتحدة في إضعاف النظام الديني بإيران، والقضاء على سطوته في المنطقة. 

صفقات واتهامات 

يرفع الكسنزانيون شعار فصل الدين عن السياسة، وقد كانوا حاضرين في العملية السياسية الجديدة منذ اليوم الأول، لكنهم لم يكونوا جزءاً من صفقات مؤثرة؛ بسبب ضعف تأثيرهم الشعبي، وعجزهم عن الحصول على مقاعد ذات وزن في البرلمان. 

لكنهم رغم ذلك، وفي إطار صفقات سياسية مع قوى شيعية متنفذة، نالوا حصتهم في حكومة حيدر العبادي عام 2014، عن طريق ملاس محمد عبد الكريم الكسنزاني، شقيق نهرو وأحد قادة حزبه، والذي تولى حقيبة التجارة، ممثلاً عن التحالف الكردستاني. 

لم يطل الأمر بالوزير الجديد حتى أدين بالفساد وأقيل عام 2015، بعد أن لاحقته هو واثنين من المسؤولين في وزارته تهمة اختلاس 14.3 مليون دولار، لكنه ظل خارج قبضة الحكومة والقضاء. 

وسبق لملاس نفسه أن اتهم بقضايا أخرى، دفعت مجلس القضاء الأعلى لإصدار كتاب في الـ27 من شباط عام 2014، يقضي بمنعه من خوض الانتخابات البرلمانية، لكونه محكوماً سابقاً بالسجن لمدة 10 سنوات وفق أحكام المادة (289) من قانون العقوبات، وذلك لتزويره مستندات رسمية. 

وفي انتخابات 2021 فاز مرشحهم المتحالف مع تحالف (تقدم) غاندي الكسنزاني ” -شقيق نهرو أيضاً- عن الدائرة 12 في بغداد، والتي تضم عدداً من مناطق الكرخ، بينها المنصور واليرموك وحي الجامعة والقادسية والخضراء والعامرية. 

لكنَّ العلاقة بين الطرفين تشي بالتوتر مؤخراً، خصوصاً بعدما اختارت قيادة الطريقة الانحياز إلى جانب خصوم رئيس البرلمان محمد الحلبوسي. 

وفيما يبدو وكأنه عملية حفظ للتوازن أو لعب على الحبال بين واشنطن وطهران، تحتفظ مشيخة الكسنزانية في السليمانية بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني، عززها وجود مئات الألوف من مريدي الطريقة على الجانب الآخر من الحدود، في المناطق الكردية بإيران. 

وفي كل مناسبة دينية تخص الطريقة، تستقبل المراكز الحدودية مع إيران آلاف المريدين بشعورهم الطويلة وأزيائهم التقليدية، ممن يحرصون على الحضور من داخل الأرضي الإيرانية إلى مقر التكية في السليمانية، للمشاركة في طقوس الطريقة والتبرّك بمقابلة شيخها. 

القادم 

قد لا تكون عملية رسم خريطة للقوى الصوفية وحجمها ووزنها في العراق اليوم أمراً يسيراً، فالموضوع يشوبه الكثير من التعقيد والتفاصيل الدقيقة المسكوت عنها، والتي لا يمكن قياسها بشكل واضح. 

لكن استقراء التاريخ المعاصر للعراق، ومتابعة أحداثه في العقود الأخيرة، يقود إلى عدد من النتائج بهذا الخصوص، في مقدمتها انحسار التصوف بشكل عام عن المناطق السنية، وتراجع حضوره وتأثيره، في مقابل صعود نجم تيارات دينية أخرى، أكثر ديناميكية وتأثيراً. 

جعلت هذه الخسارات المتتالية بعضَ الطرق الصوفية تحاول تعويضها عبر عقد تحالفات مع قوى مؤثرة على الأرض، ولعب أدوار هامة في العملية السياسية، رغم شعارات اجتناب السياسة والنأي عنها. 

وقد حاولت جهات شيعية ذات سطوة على الأرض أن تنفخ الروح في جسد الجماعات الصوفية بالمناطق المحررة، عبر دعمها مادياً، وتغطيتها سياسياً وأمنياً، كي تكون بديلاً عن الجماعات السلفية التي تتبنى مواقف حادة تجاه التشيُع، لكن تلك الجهود لم تثمر حتى الآن عن تكوين تيارات شعبية ذات ثقل جماهيري في تلك المناطق. 

وبشكل عام، لا يمكن وضع الجماعات الصوفية في سلة واحدة، أو قياسها بالمسطرة ذاتها، فالتباين الفكري والمنهجي بينها كان واضحاً خلال السنوات الفائتة، وربما تسهم بعض الأحداث في عودة بعضها للواجهة مرة أخرى، بما تقدمه من تديّن “مرن” ومواقف أقل حدّة تجاه المختلفين معها دينيا وزهدٍ شعبيّ عن السياسة وأمورها. 

لكن جميع ذلك يظل مجرد احتمالات لا يوجد ما يؤيدها على أرض الواقع، خصوصاً وأن المؤسسات الدينية السنية في العراق لم تعد تثق بتلك الطرق أو تتعاون معها أو تسعى لاحتوائها؛ بعد تجارب لم تكن مثمرة بما يكفي لمنحها تلك الثقة والتأييد، وفق ما يرى خصومها. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويب؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في الخامس من تموز الماضي، امتلأت شوارع مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار غربي العراق، بمئات المتظاهرين من المحافظة وخارجها، احتجاجاً على “الفساد” ودعماً لجهود محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء، في محاربته، وذلك بحسب تصريحات القائمين على التظاهرة، الذين رددوا هتافات ورفعوا رايات مرتبطة بالطريقة الصوفية الكسنزانية وزعيمها نهرو محمد عبد الكريم. 

مشهد الجموع المحتشدة أعاد الحديث عن الدور الذي تلعبه الطرق والتجمعات الصوفية بشكل عام، والكسنزانية خاصة، في الحياة السياسية في العراق، بعد قرون على نشأتها، ومداومة شيوخها على اعتزال الحياة العامة والانكفاء في التكايا لممارسة تديّن طقوسي اتخذ موقفاً سلبياً من السياسة والمنخرطين فيها. 

وقد شهدت الحياة السياسية في العراق حضوراً للتصوف، وصار كثيفاً بعد عام 2003، حين ظهرت مجموعات تحت لافتات صوفية، اقتحمت المجال العام، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وحظيت بتأثير شعبي متفاوت في مناطق مختلفة من المحافظات السنية. 

ومع الانخراط في العمل السياسي، نشأت شبكات علاقات واسعة محلية وإقليمية ودولية، ومصالح اقتصادية ضخمة، ضخت الدماء في عروق تلك المجموعات، ووسّعت حضورها الشعبي، ما منحها نوعاً من المشروعية التي تؤهلها للحضور ولعب أدوار مختلفة في البلاد. 

المؤسسون والسياسة 

مبكّراً، كان العراق مهداً رئيساً لنشأة التصوف الإسلامي، لاسيما في ظل حكم العباسيين، وما نتج عنه من دعة وترف، وظهور لنزعات مادية موغلة في المجون. 

كان التصوف، آنذاك، بمثابة صرخة احتجاج ضد الانخراط المبالغ فيه بالترف والملذات الدنيوية، وحملت كتب التراث كثيراً من المقولات المنسوبة إلى رجال التصوف الأوائل مثل الحسن البصري ومعروف الكرخي والسري السقطي وأبو بكر الشبلي والجنيد البغدادي ورابعة العدوية وغيرهم؛ تذمُّ “الدنيا وأهلها”، وتدعو للزهد والتخلي عن حظوظ النفس ومسامحة الخلق والتطلع إلى الآخرة. 

وبعد الانهيار العباسي وما تلاه، تزايدت الطرق الصوفية وباتت تنشطر بشكل متسارع، خاصة مع انتشارها في أرجاء العالم الإسلامي شرقاً وغرباً. وعلى الرغم من صعوبة الاتصال والتواصل في تلك الأزمنة، لكنها احتفظت جميعها بمسافة تفصلها عن السياسة والشأن العام، بمقدمات استندت إلى سرديات دينية، ووصايا للآباء المؤسسين، نُقلت من خلال كتبهم، أو عبر مريديهم. 

لكن التصوّفَ بدأ يتطوّر “مؤسساتياً” بعد ذلك، فظهرت الطرق الصوفية المرتبطة بمن عرفوا لاحقاً بـ”الأقطاب”، وهم كبار مشايخ الصوفية الذين اشتهروا بـ”علمهم ومجاهداتهم وكراماتهم”. 

وبعد الانتشار الكبير الذي حققته؛ بدأ الحكام والسلاطين يخطبون ود المتصوفة، ويغدقون عليهم العطايا، ويسهمون في إنشاء وتوسّع تكاياهم وزواياهم، كنوع من التودّد لهم، لما يحظون به من تأثير شعبي، جعل من تلك الهِبات أدوات لكسب المشروعية لدى الجماهير. 

كما تزامن ذلك كلّه مع ظهور نزعات فلسفية اعتنقها بعض المتصوفة، لكنها لم تصبح متبنّيات رسمية لدى أتباع الطرق، ويمكن التعرف على آثارها في كتابات وأشعار الحلاج وابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، وغيرهم. 

“الفاكهة المحرّمة” 

على الرغم من مَيل الصوفية إلى اعتزال الحياة السياسية في تاريخها المبكر، إلا أنها مرّت بفترات انخرطت فيها بمعارك مسلحة لتحرير بلدانها من الغزاة، كما حدث في الجزائر مع الأمير عبد القادر الجزائري، وفي داغستان على يد الشيخ شامل الداغستاني، وبعض بقاع إفريقيا وآسيا. 

كانت السياسة، والحال هذه، “فاكهة محرّمة” لدى عموم الصوفية، وشاعت بينهم مقولات من مثل “أقام العباد في ما أراد” و”دع الملك للمالك”، وهي نزعات كانت توصف بـ”السلبية” لدى طبقة الفقهاء عموماً، على اعتبار أنها تتخلى عن “مقارعة الباطل ومغالبته”، وتترك “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. 

ورغم ذلك، فقد قام أعلامٌ من الصوفية بأدوار إصلاحية شعبية، كالشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي يعد أحد ألمع وأهم أعلام التصوف، وقد كان على مذهب الإمام أحمد بن حنبل المنتمي لمدرسة أهل الحديث بما عرفت به من حرفية واتباع للأثر، رغم ما ارتبط بالتصوف من نزعات “تأويلية” في أوقات لاحقة. 

كان الشيخ عبد القادر حنبليّاً، رغم أن كثيراً من المنتسبين إليه من بعده جنحوا بعيداً عن منهجه في الاعتقاد والسلوك، وظل الجيلاني الشخصية الأكثر تأثيراً على الشارع البغدادي في نهايات العصر العباسي، فخرجت بغداد جميعها لتشييعه يوم وفاته ٥٦١هـ. 

بعد ذلك، بقي التصوف حبيس التكايا في العراق، إذ انكفأ الصوفيون على حلقاتهم الخاصة، حتى جاءت “الحملة الإيمانية” في تسعينيات القرن الماضي، حيث تحوّل البعث وقادته من الأفكار العلمانية إلى الأفكار الإسلامية. 

مغانم “الحملة الإيمانية” 

تبنّى عزت الدوري، نائب رئيس صدام حسين في ذلك العقد المكثف بأحداثه وتحولاته، الطريقة الكسنزانية ودعمها بشكل كبير، على حساب المجموعات الدينية الأخرى، صوفية أم غيرها. 

وفي أكثر أيام الحصار حلكة على العراق، كانت تكايا الكسنزانية تقيم الولائم وتوفر الطعام للمريدين على مدار اليوم، فيما قام المنتمون للطريقة بتصفية خصوماتهم مع مناوئيهم من السلفيين، عن طريق كتابة تقارير تتهمهم بتبني “الفكر الوهابي”، وهي تهمة أوصلت العشرات منهم إلى السجون، مع ما رافقها من اتهامات بالتبعية للمملكة العربية السعودية، في ظل خصومة مع الدولة الجارة. 

ورغم ما وفره نظام البعث لهم، تواطأ بعض منتسبيهم بالتخابُر مع القوات الأمريكية أيام الغزو الأولى، وقامت أجهزة النظام السابق بتصفية عناصر منهم خلال أيام الحرب. 

ومع الهزّات التي تعرّض لها المجتمع العراقي عقب الغزو الأمريكي، بدأت الطرق الصوفية بلملمة شتاتها، وأعادت تشكيل صفوفها، لممارسة أدوار مختلفة في مناطق عدة في العراق. 

لكن التحدي الأكبر الذي واجهته تلك الطرق، هو انحسار الإيمان بالتصوف وتراجع تأثيره وحضوره بين الشباب بشكل خاص، مقابل صعود لافت للتوجهات السلفية عموماً بمختلف مدارسها، فصار هذا التوجه ومسلحوه، يحارب الصوفية في حواضنهم التقليدية، كبغداد والفلوجة والحويجة وديالى. 

ضيّق الفكر السلفي الخناق على الصوفية، وحرمهم من مكاسب كانوا يحوزونها عبر سدانة بعض الأضرحة المنسوبة لأولياء صالحين، وأضعف حضور شيوخهم الروحي في المجتمع، مما سلبهم كثيراً من مصادر قوتهم وتأثيرهم، وجعلهم موضع “سخرية” واتهام في أوساط ليست بالقليلة. 

مسلحون ودراويش 

كان الظهور الأبرز للصوفية عقِب 2003 عبر “الطريقة النقشبندية” التي مثلت الجناح المسلح الأهم لحزب البعث، بحسب البيانات الرسمية للجيش العراقي، والتي كانت تدافع بشراسة عن “شرعية النظام السابق”، وترفع راية العداء للنظام الجديد “الذي صنعه الاحتلال”. 

قدّم النقشبنديون أنفسهم كمدافعين عن الهوية العربية الإسلامية للعراق، ورافضين لنظام المحاصصة الطائفية، بحسب إصداراتهم ومنصاتهم الرسمية. 

تمركز نشاط هذه المجموعة في صلاح الدين وديالى ونينوى وكركوك بشكل رئيس، واستطاعت استقطاب أعداد ليست بالقليلة من ضباط الجيش السابق، مستثمرةً خبراتهم فقاموا بتطوير بعض الأسلحة البدائية التي بحوزتهم، وأعادوا تنظيم صفوف المقاتلين بطريقة أكثر تنسيقاً وترتيباً. 

كان خطاب النقشبندية المسلح موجهاً بالأساس نحو الأمريكيين، ولم يتبنوا فكرة الصدام مع الجيش الجديد بشكل علني، لكن الأمور سارت بهم بعد ذلك نحو معارك في مناطق عدة مع عناصر الجيش والشرطة الاتحادية، ما كلّفهم الكثير من الخسائر. 

لكن أقسى الضربات التي تلقتها الجماعة كانت على يد تنظيم “داعش”، الذي اتهمهم بالكفر والرِّدة والعمالة للحكومة، وعمل على ملاحقة عناصرهم بعد سيطرته على الموصل في حزيران 2014، وأعدم العشرات منهم، ليدفعهم نحو الانسحاب من الحياة العامة والصمت حتى تحرير المدينة من التنظيم الإرهابي. 

وعلى النقيض من النقشبندية الذين انغمسوا في الشأن العام والسلاح، كانت الطريقة “الرِفاعية” توغِل في العزلة عن الحياة العامة، وتتوسع في الطقوسية؛ تأثراً ربما بمحيطها الشيعي، فثقلها الأكبر يوجد في مناطق مختلطة في بغداد والجنوب، وضريح مؤسسها يقع في ناحية تحمل اسمه في محافظة ميسان (٤٠٢ كلم جنوب بغداد). 

اشتهرت الطريقة الرفاعية ببعض الطقوس الغريبة، كالضرب بالسيف و”الشيش” وأكل الزجاج، والمشي فوق الجمر، كنوع من إثبات “كرامات” المنتسبين إليها. 

وبشكل عام، لم تعد الرفاعية تلقى رواجاً داخل الأوساط السنية، مع تزايد المد السلفي، وانكفاء دراويش الطريقة على طقوسهم وأورادهم، فيما تحول قبر الرفاعي إلى مزار يأتيه العديد من أتباع الصوفية من داخل العراق وخارجه. 

حلفاء المنتصر 

مع التحوّلات التي شهدتها المحافظات السنية عقب هزيمة “داعش” ظهرت إلى السطح عدة جماعات دينية وسياسية، كان من بينها “مجلس علماء الرباط المحمدي”، الذي ربطته بفصائل الحشد الشعبي علاقات وثيقة، جعلت أعضاءه يتولون مناصب عدة في الهيئة، فضلاً عن حضورهم في لجان “محاربة التطرف” الحكومية. 

ويمتد نشاط المجلس اليوم من الموصل حتى البصرة، حيث يسعى –كما يقول الكثيرون- للسيطرة على أكبر عدد من المساجد، وتوظيفها لصالح خطابه، الذي يُعلن عداءه للفكر السلفي و”الوهابية”. 

وخلال سنوات، ظل المجلس حاضراً في بعض المؤسسات الحكومية بالأنبار ونينوى والبصرة، لكنه لم يعلن إنشاء أو دعم جسم تنظيمي يخوض به غمار السياسة، رغم تحالفاته الممتدة مع أطراف حكومية وغير حكومية في محافظات عدة. 

وإلى جانب هذا المجلس، نشأت مجموعات صوفية صغيرة متفرقة، لكنها غير مؤثرة أو فاعلة في الساحة، ولا تحظى بتأييد شعبي كبير، باستثناء الحالة التي يمكن وصفها بـ”الفريدة” للطريقة الكسنزانية، والتي باتت تتوسّع بشكل بطيء أفقياً وعمودياً، داخل إقليم كردستان –حيث يقيم مرشدها الروحي- وخارجه. 

لم تغبْ هذه الطريقة عن الساحة العراقية رغم كل التحوّلات التي مرت بها، وعملت على لعب أدوار سياسية واقتصادية واجتماعية عدة بعد عام 2003، لكنها ما زالت تواجه عقبات كثيرة، في مقدمتها عدم الارتياح الذي تواجَه به داخل الأوساط الدينية السنية عموماً، والحديث الذي يدور عن علاقات غير واضحة المعالم تربطها بالنظام الإيراني والولايات المتحدة في آنٍ واحد. 

تصوّف سياسي 

في الرابع من تموز عام 2020 توفي الزعيم الروحي للطريقة الكسنزانية الشيخ محمد عبد الكريم في الولايات المتحدة، حيث كان يتلقى العلاج هناك، ليرثه في منصبه التنفيذي والروحي ابنه نهرو، الذي سبق وأن مارس بعض الأدوار السياسية والدينية في سنوات ما بعد 2003. 

يحمل نهرو محمد عبد الكريم عدداً من الشهادات من داخل العراق وخارجه، كما تقول سيرته الذاتية المنشورة على المنصات التابعة للطريقة، وقد عرف بسيرته المثيرة للجدل، وعلاقاته الوطيدة بالجانبين الأمريكي والإيراني على حد سواء، ومحاولته “تجديد” الطريقة، وتوسيع دائرة المنتمين إليها، وتقديمها بشكل أكثر حداثة وعصرية مما عرفت به سابقاً. 

يقول الكسنزانيون إنهم عارضوا النظام السابق، وأسسوا عام 1991 ما أسموه “تجمع الوحدة الوطنية”، الذي ظهر إلى العلن بعد عام 2003، وأطلق جريدة “المشرق” ذائعة الصيت، ثم محطة المشرق الفضائية، التي أغلقت لاحقا لأسباب مالية، كما قيل وقتها. 

كما أسست أسرة الكسنزان عدداً من المنظمات والمراكز، وكلية حملت اسم “كلية السلام الجامعة” في بغداد، والتي أصبحت لاحقاً أحد مراكز تمويل نشاطاتهم. 

ورغم الصلات الوثيقة التي كانت تجمعهم بعزت الدوري وتبنيه لطريقتهم ودعمها على حساب الآخرين، يحاول أتباع الطريقة النأي بأنفسهم عن نظام صدام حسين، واتهامه باضطهادهم واعتقال بعض رموزهم. 

تتحدث تقارير لصحف غربية عن امتلاك أسرة نهرو مصالح اقتصادية ضخمة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، بينها شركات أمنية وتجارية وحقول نفطية، حازتها الأسرة عبر تاريخ طويل من العلاقات التي جمعتها بمراكز القوة والتأثير داخل واشنطن ولندن. 

وقد ظهر ذلك بشكل واضح خلال زيارة نهرو للولايات المتحدة عام 2018، وقضائه 26 يوما في فندق “ترامب” التابع لمجموعة شركات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؛ بحسب صحيفة “واشنطن بوست”. 

الصحيفة أكدت أيضاً أن نهرو بعث رسالة في تموز من عام 2018 إلى جون بولتون، مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، و مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، يؤكد فيها دعمه لجهود الولايات المتحدة في إضعاف النظام الديني بإيران، والقضاء على سطوته في المنطقة. 

صفقات واتهامات 

يرفع الكسنزانيون شعار فصل الدين عن السياسة، وقد كانوا حاضرين في العملية السياسية الجديدة منذ اليوم الأول، لكنهم لم يكونوا جزءاً من صفقات مؤثرة؛ بسبب ضعف تأثيرهم الشعبي، وعجزهم عن الحصول على مقاعد ذات وزن في البرلمان. 

لكنهم رغم ذلك، وفي إطار صفقات سياسية مع قوى شيعية متنفذة، نالوا حصتهم في حكومة حيدر العبادي عام 2014، عن طريق ملاس محمد عبد الكريم الكسنزاني، شقيق نهرو وأحد قادة حزبه، والذي تولى حقيبة التجارة، ممثلاً عن التحالف الكردستاني. 

لم يطل الأمر بالوزير الجديد حتى أدين بالفساد وأقيل عام 2015، بعد أن لاحقته هو واثنين من المسؤولين في وزارته تهمة اختلاس 14.3 مليون دولار، لكنه ظل خارج قبضة الحكومة والقضاء. 

وسبق لملاس نفسه أن اتهم بقضايا أخرى، دفعت مجلس القضاء الأعلى لإصدار كتاب في الـ27 من شباط عام 2014، يقضي بمنعه من خوض الانتخابات البرلمانية، لكونه محكوماً سابقاً بالسجن لمدة 10 سنوات وفق أحكام المادة (289) من قانون العقوبات، وذلك لتزويره مستندات رسمية. 

وفي انتخابات 2021 فاز مرشحهم المتحالف مع تحالف (تقدم) غاندي الكسنزاني ” -شقيق نهرو أيضاً- عن الدائرة 12 في بغداد، والتي تضم عدداً من مناطق الكرخ، بينها المنصور واليرموك وحي الجامعة والقادسية والخضراء والعامرية. 

لكنَّ العلاقة بين الطرفين تشي بالتوتر مؤخراً، خصوصاً بعدما اختارت قيادة الطريقة الانحياز إلى جانب خصوم رئيس البرلمان محمد الحلبوسي. 

وفيما يبدو وكأنه عملية حفظ للتوازن أو لعب على الحبال بين واشنطن وطهران، تحتفظ مشيخة الكسنزانية في السليمانية بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني، عززها وجود مئات الألوف من مريدي الطريقة على الجانب الآخر من الحدود، في المناطق الكردية بإيران. 

وفي كل مناسبة دينية تخص الطريقة، تستقبل المراكز الحدودية مع إيران آلاف المريدين بشعورهم الطويلة وأزيائهم التقليدية، ممن يحرصون على الحضور من داخل الأرضي الإيرانية إلى مقر التكية في السليمانية، للمشاركة في طقوس الطريقة والتبرّك بمقابلة شيخها. 

القادم 

قد لا تكون عملية رسم خريطة للقوى الصوفية وحجمها ووزنها في العراق اليوم أمراً يسيراً، فالموضوع يشوبه الكثير من التعقيد والتفاصيل الدقيقة المسكوت عنها، والتي لا يمكن قياسها بشكل واضح. 

لكن استقراء التاريخ المعاصر للعراق، ومتابعة أحداثه في العقود الأخيرة، يقود إلى عدد من النتائج بهذا الخصوص، في مقدمتها انحسار التصوف بشكل عام عن المناطق السنية، وتراجع حضوره وتأثيره، في مقابل صعود نجم تيارات دينية أخرى، أكثر ديناميكية وتأثيراً. 

جعلت هذه الخسارات المتتالية بعضَ الطرق الصوفية تحاول تعويضها عبر عقد تحالفات مع قوى مؤثرة على الأرض، ولعب أدوار هامة في العملية السياسية، رغم شعارات اجتناب السياسة والنأي عنها. 

وقد حاولت جهات شيعية ذات سطوة على الأرض أن تنفخ الروح في جسد الجماعات الصوفية بالمناطق المحررة، عبر دعمها مادياً، وتغطيتها سياسياً وأمنياً، كي تكون بديلاً عن الجماعات السلفية التي تتبنى مواقف حادة تجاه التشيُع، لكن تلك الجهود لم تثمر حتى الآن عن تكوين تيارات شعبية ذات ثقل جماهيري في تلك المناطق. 

وبشكل عام، لا يمكن وضع الجماعات الصوفية في سلة واحدة، أو قياسها بالمسطرة ذاتها، فالتباين الفكري والمنهجي بينها كان واضحاً خلال السنوات الفائتة، وربما تسهم بعض الأحداث في عودة بعضها للواجهة مرة أخرى، بما تقدمه من تديّن “مرن” ومواقف أقل حدّة تجاه المختلفين معها دينيا وزهدٍ شعبيّ عن السياسة وأمورها. 

لكن جميع ذلك يظل مجرد احتمالات لا يوجد ما يؤيدها على أرض الواقع، خصوصاً وأن المؤسسات الدينية السنية في العراق لم تعد تثق بتلك الطرق أو تتعاون معها أو تسعى لاحتوائها؛ بعد تجارب لم تكن مثمرة بما يكفي لمنحها تلك الثقة والتأييد، وفق ما يرى خصومها. 

* تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”