الحياة في جبال كردستان.. عن الجمال والمشاكل والنزوح

رشيد صوفي

16 مارس 2023

الأحوال تتغيّر على سفوح جبال كردستان وفي تلالها، فالمساحات الخضراء والمرتفعات لم تعد تُغري الشبّان بالبقاء، والشِيب يخشون من اندثار نمط حياتهم، والتغير المناخي وافعال الإنسان بات تهديدها ملموساً.. رحلة طويلة بين سكان جبال كردستان..

حياة حامد علي ستكون أفضل وأجمل لو أن شبان قريته يكبحون رغبتهم في النزول إلى المدينة ومغادرة النمط المعيشي للأسلاف على سفوح الجبال.

كان حامد (61 عاماً) يأنس بأناس كثيرين عندما يتجول في قرية بناڤی على أحد سفوح جبل متين في دهوك -إحدى محافظات إقليم كردستان شمال العراق- لكن الحال تغير كثيراً منذ سنوات.

باتت أنظار الجيل الشاب تتجه نحو المدينة والوظائف المدنية أو العسكرية، ولم يعد راغباً بحياة القرى الجبلية المعتمدة على الزراعة وتربية المواشي والدواجن.

ولذلك تناقص عدد سكان تلك القرى بشكل كبير، وحامد الآن بالكاد يرى أحداً من جيرانه عندما يخرج من منزله في جولة عمل أو نزهة لاستنشاق الهواء العليل المفقود في زحامات المدن وأجوائها الملوثة.

“أكثر من 80 عائلة كانت تقطن هنا والآن بقي أقل من نصف هذا العدد” قال حامد لـ”جمّار”.

وعلى الرغم من تناقص المؤنسين، ما زال حامد يفضل البقاء في أحضان الجبال ووديانها وكهوفها وينابيعها وشلالاتها المتدفقة وأشجارها، ويشعر بوجود ارتباط وثيق بينه وبين الجبل الذي يوفر له المأكل والمأوى وكل ما يحتاج إليه.

“العيش وسط الجبال يشعرني بالقوة” أضاف الرجل الطامح إلى البقاء في أرضه حتى آخر نفس من أنفاسه.

قرى دهوك على الجبال / تصوير: رشيد صوفي

وهو يشخّص أيضاً روح التعاون العالية والعلاقات المتينة بين سكان الجبال، خلافاً لما هو سائد في المدينة، حيث الناس منشغلون بشؤونهم الخاصة ولا يعيرون اهتماماً كبيراً للأواصر الاجتماعية.

لكنه يقر أيضاً بأن الحياة في الجبال ليست سهلة ولا تخلو من المصاعب، خصوصاً في فصل الشتاء عندما تتراكم الثلوج ويشتد البرد، ما يؤدي إلى توقف الحياة بشكل ملحوظ.

يعوض ساكنو الجبال في فصول الربيع والصيف والخريف ما يحرمهم الشتاء منه، إذ تزداد الحياة جمالاً وثراءً وتُغطى الأرض بالخضار وتتدفق مياه الينابيع وتنضج الفواكه والأعشاب وتمتلئ القرى بأنواع الطيور والحيوانات البرية.

ويندر هناك العثور على شخص مصاب بمرض مزمن كالضغط أو السكري، فالناس في القرى الجبلية يسيرون يومياً آلاف الخطوات صعوداً ونزولاً أثناء أداء أعمالهم اليومية في تربية المواشي والزراعة والمهام الأخرى، لذلك يتمتعون بلياقة وقوة بدنية وصحة جيدة.

إلا أن الأوضاع لا تخلو من شوائب.

يعاني السكان من عدم الاستقرار الأمني في المناطق الجبلية الواقعة على الشريط الحدودي العراقي التركي الإيراني بسبب الصراع المسلح بين مسلحي حزب العمال الكردستاني والجيش التركي الذي تسبب في تراجع ممارسة مهنة الزراعة وتربية المواشي.

كما ساهم تغير نمط الحياة في إفراغ المناطق الجبلية من قراها بشكل كبير، إذ توجه أغلب السكان إلى العيش في المدن وانخرطوا في الوظائف الحكومية والتطوع في المؤسسات الأمنية وممارسة الأعمال الحرة.

“من الصعب أن يتحمل جيل الشباب نمط حياة أجدادهم في العيش وسط الجبال وقسوة طبيعتها” قال صالح عبد الرحمن، أحد سكان قرية بناڤی.

ولم يعد المغادرون يأتون إلى الجبل إلا بقصد الاستجمام الصيفي والتنزه وليس العيش فيه.

دفع هذا الحال كثيراً من أصحاب الأغنام والمواشي في المناطق الجبلية إلى استئجار رعاة عرب من المحافظات الوسطى والجنوبية لرعي مواشيهم.

خمسة بالمئة من العراق

تشكل جبال إقليم كردستان 5.3 بالمئة من مساحة العراق، أو ما يعادل 23270 كيلومتراً مربعاً، وتتكون من مجموعة من السلاسل الجبلية يزيد ارتفاعها عن 1200 متر، وتبدأ بجبل “بخير” في الشمال الغربي قرب مدينة زاخو ثم الجبل الأبيض عند مدينة دهوك فجبل عقرة الذي تقع عليه مدينة عقرة ثم جبل صالح الدين وهيبت سلطان وجبل سكرمة وقره داغ وتنتهي جنوب موقع سد دربندخان حيث يمتد جبل برانان باتجاه الحدود الإيرانية.

ولصلابة صخور هذه الجبال بقيت شاهقة وعارية من التربة. وأعلى جبل فيها هو حصاروست قرب مدينة سيده كان الذي يبلغ ارتفاع قمته 3607 أمتار فوق مستوى سطح البحر.

وتنتشر بين هذه الجبال ينابيع حارة ومعدنية تشكل مراكز لعلاج العديد من الأمراض الجلدية والروماتيزيم وغيرها بسب توفر مصادر جيدة من النفط والغاز الطبيعي كمواد هايدروكاربونية.

“جيولوجيا جبال كردستان توفر تنوعاً جغرافياً وبيولوجياً جعلها بيئة صالحة للعيش والاستيطان” قال رمضان حمزة، خبير جيولوجي.

استراحة وسط الجبال / تصوير: رشيد صوفي

وتعد جبال إقليم كردستان العراق ملجأ آمناً وسنداً صلباً للكرد عبر التاريخ، حيث انطلقت من أحضانها العديد من الثورات وحركات التحرر القومية الكردية، وكان سكان القرى التي تقع وسط الجبال يوفرون لتلك الحركات والثورات المقاتلين والملاذ الآمن والذخائر والمؤن على مدار عشرات السنوات.

وكانت جبال كردستان المنطقة الأكثر ثراء بالبيئة الريفية في العراق حتى أواخر الثمانينيات.

وعلى الرغم من عمليات الأنفال التي نفذها نظام صدام حسين في العام 1988 وتدمير آلاف القرى، بدأت الحياة تدب فيها مجدداً. وكانت المناطق الجبلية عامرة بمئات القرى والملايين من سكانها، وكانوا ينتجون مختلف أنواع حاجاتهم حتى في ظل الحصار الاقتصادي على العراق.

“قبل أكثر من نصف قرن كان 66 بالمئة من سكان كردستان يسكنون القرى، وأغلبهم كانوا يقطنون المناطق الجبلية، في حين تشكل نسبة سكان المناطق الجبلية حالياً أقل من 15 بالمئة من مجموع سكان الإقليم” قال حسين حمة كريم، خبير زراعي.

أدى تراجع عدد السكان إلى انخفاض الإنتاج المحلي في القرى الجبلية، وخصوصاً في القطاعين الزراعي والحيواني بشكل ملحوظ.

ويعزو كريم ذلك التراجع إلى تغيير نمط الحياة والحروب التي شنتها الأنظمة العراقية السابقة على كردستان، والتي تسببت في تدمير نحو خمسة آلاف قرية وتهجير سكانها، وخاصة القاطنين في المناطق الجبلية الواقعة على الحدود العراقية التركية الإيرانية.

زائرون مخلصون

يشير بيار بافي، باحث اجتماعي، إلى أن هجرة سكان القرى إلى المدن أثرت سلباً على التركيب الديموغرافي وخلقت مشاكل اقتصادية واجتماعية.

“العيش في المدن يفرض نمطاً حياتياً مغايراً لحياة القرى يفتقد روح التعاون في مواجهة الكوارث والأزمات والعمل الجماعي والاهتمام بالبيئة” قال بافي لـ”جمّار”.

ومع أن نسبة سكان القرى تراجعت إلى حد كبير، إلا أن جبال كردستان ما زالت تجتذب السياح من مختلف المناطق العراقية لقضاء أوقات الاستراحة والاستمتاع بمناظرها الطبيعية.

تتمتع جبال كردستان بأجواء طبيعية خلابة تمنح إحساساً بالهدوء والراحة، لذا تُشاهد فيها دائماً جموع الزائرين القادمة لقضاء أوقات للراحة والاستجمام.

وتوجد وسط جبال ووديان كردستان مئات من الشلالات التي تتدفق مياهها من القمم والأعالي، مثل شلال “كلي علي بك” و”بيخال” في أربيل و”هورامان” في السليمانية و”شرانش” في دهوك وبحيرتي “بيكوديان” و”فيلاو” في أربيل.

وتتموضع بحيرة بيكوديان كعين زرقاء وسط منطقة محاطة بالجبال على مسافة 160 كم شمال شرق مركز محافظة أربيل وعلى ارتفاع 3151 متراً عن سطح البحر، ما يجعلها أعلى مسطح مائي في العراق.

“تقع البحيرة في منطقة جبلية وعرة يتم الوصول إليها خلال مدة 7 ساعات مشياً على الأقدام” قال نادر روستاي الخبير السياحي في كردستان.

كما أن بحيرة فيلاو التي تقع في منطقة قريبة من بحيرة بيكوديان تعد واحدة من أشهر البحيرات، ويقصدها السياح طوال فصلي الشتاء والربيع.

استخدام البغال لحمل الأثقال في الجبال / تصوير: رشيد صوفي

وهناك العديد من الكهوف الكبيرة التي تحتضنها جبال كردستان أبرزها كهف بيستون الواقع وسط جبل برادوست (37 كم شمال أربيل) وتبلغ مساحته الداخلية أكثر من كيلومتر مربع، ويحتوي على أعمدة من الترسبات الكلسية شبيهة بالكريستال، ما يمنح جمالاً مميزاً داخله.

كما أن كهف كمتیار في محافظة السليمانية من الكهوف الكبيرة، وتتفرع في داخله عدد من الطرق ومن الصعب أن يتجول المرء فيه من دون دليل.

وتوجد أماكن كثيرة بين الجبال تحتوي على شلالات وكهوف وبحيرات، لكن الناس لم يصلوها بسبب شدة وعورة الطرق المؤدية إليها.

البلوط يحترق

تغطي الغابات مساحات واسعة من جبال إقليم كردستان، ويشكل البلوط نسبة 80 بالمئة من أشجارها. ويتخذ الكرد من شجرة البلوط رمزاً قومياً ووطنياً، وهي من الأشجار القوية والمقاومة، إذ أن جزءاً منها يتجاوز عمره 100 عام.

وتفيد مصادر حكومية في إقليم كردستان بتعرض مساحات كبيرة من الغابات الطبيعية للحرق والتدمير خلال الأعوام العشرة الماضية بسبب سوء الأوضاع الأمنية في الجبال اقليم.

“هناك مناطق واسعة مزروعة بالألغام والمتفجرات، وهذا يصعّب حماية الغابات والتنوع البيئي في الجبال” قال رزاق خيلاني المتحدث باسم هيأة البيئة في كردستان.

وبحسب خيلاني، تم تدمير نحو مليون دونم من الأراضي المزروعة بالغابات خلال الأعوام العشرة الماضية بسبب الحروب والتجاوزات على البيئة.

وحددت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2003 يوماً خاصاً لتسليط الضوء على أهمية التنمية المستدامة في الجبال، وتقرر أن يكون اليوم هو 11 كانون الأول ديسمبر من كل عام.

وشجعت الجمعية العامة المجتمع الدولي على تنظيم فعاليات على جميع المستويات في ذلك اليوم، لتسليط الضوء على أهمية التنمية المستدامة للجبال.

ويعود تاريخ اليوم الدولي للجبال إلى سنة 1992، وذلك عند اعتماد الفصل 13 من جدول أعمال القرن الحادي والعشرين بشأن “إدارة النظم الإيكولوجية الهشة: التنمية المستدامة للجبال” في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية.

وكان لذلك دور كبير في تسليط الضوء على الجبال والسعي لجعل إحدى أيام السنة يوما للجبل، ويتم الاحتفال باليوم الدولي للجبال كل عام بعنوان مختلف يتعلق بالتنمية المستدامة للجبال.

ومنظمة “فاو” التابعة للأمم المتحدة هي المكلفة بتنظيم هذا اليوم والاحتفال به.

لا يتابع حامد باهتمام الاحتفال الأممي بالجبال، غير أنه يأمل في أن يحتفل بعودة السكان الأصليين إلى جبال منطقته في ظل أوضاع أمنية واقتصادية مستقرة.

“البقاء في قرانا مستقبلاً مرهون بانتشار قوات الحرس الحدودي العراقي لتوفير الأمن والاستقرار” ختم حامد حديثه.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويب؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

حياة حامد علي ستكون أفضل وأجمل لو أن شبان قريته يكبحون رغبتهم في النزول إلى المدينة ومغادرة النمط المعيشي للأسلاف على سفوح الجبال.

كان حامد (61 عاماً) يأنس بأناس كثيرين عندما يتجول في قرية بناڤی على أحد سفوح جبل متين في دهوك -إحدى محافظات إقليم كردستان شمال العراق- لكن الحال تغير كثيراً منذ سنوات.

باتت أنظار الجيل الشاب تتجه نحو المدينة والوظائف المدنية أو العسكرية، ولم يعد راغباً بحياة القرى الجبلية المعتمدة على الزراعة وتربية المواشي والدواجن.

ولذلك تناقص عدد سكان تلك القرى بشكل كبير، وحامد الآن بالكاد يرى أحداً من جيرانه عندما يخرج من منزله في جولة عمل أو نزهة لاستنشاق الهواء العليل المفقود في زحامات المدن وأجوائها الملوثة.

“أكثر من 80 عائلة كانت تقطن هنا والآن بقي أقل من نصف هذا العدد” قال حامد لـ”جمّار”.

وعلى الرغم من تناقص المؤنسين، ما زال حامد يفضل البقاء في أحضان الجبال ووديانها وكهوفها وينابيعها وشلالاتها المتدفقة وأشجارها، ويشعر بوجود ارتباط وثيق بينه وبين الجبل الذي يوفر له المأكل والمأوى وكل ما يحتاج إليه.

“العيش وسط الجبال يشعرني بالقوة” أضاف الرجل الطامح إلى البقاء في أرضه حتى آخر نفس من أنفاسه.

قرى دهوك على الجبال / تصوير: رشيد صوفي

وهو يشخّص أيضاً روح التعاون العالية والعلاقات المتينة بين سكان الجبال، خلافاً لما هو سائد في المدينة، حيث الناس منشغلون بشؤونهم الخاصة ولا يعيرون اهتماماً كبيراً للأواصر الاجتماعية.

لكنه يقر أيضاً بأن الحياة في الجبال ليست سهلة ولا تخلو من المصاعب، خصوصاً في فصل الشتاء عندما تتراكم الثلوج ويشتد البرد، ما يؤدي إلى توقف الحياة بشكل ملحوظ.

يعوض ساكنو الجبال في فصول الربيع والصيف والخريف ما يحرمهم الشتاء منه، إذ تزداد الحياة جمالاً وثراءً وتُغطى الأرض بالخضار وتتدفق مياه الينابيع وتنضج الفواكه والأعشاب وتمتلئ القرى بأنواع الطيور والحيوانات البرية.

ويندر هناك العثور على شخص مصاب بمرض مزمن كالضغط أو السكري، فالناس في القرى الجبلية يسيرون يومياً آلاف الخطوات صعوداً ونزولاً أثناء أداء أعمالهم اليومية في تربية المواشي والزراعة والمهام الأخرى، لذلك يتمتعون بلياقة وقوة بدنية وصحة جيدة.

إلا أن الأوضاع لا تخلو من شوائب.

يعاني السكان من عدم الاستقرار الأمني في المناطق الجبلية الواقعة على الشريط الحدودي العراقي التركي الإيراني بسبب الصراع المسلح بين مسلحي حزب العمال الكردستاني والجيش التركي الذي تسبب في تراجع ممارسة مهنة الزراعة وتربية المواشي.

كما ساهم تغير نمط الحياة في إفراغ المناطق الجبلية من قراها بشكل كبير، إذ توجه أغلب السكان إلى العيش في المدن وانخرطوا في الوظائف الحكومية والتطوع في المؤسسات الأمنية وممارسة الأعمال الحرة.

“من الصعب أن يتحمل جيل الشباب نمط حياة أجدادهم في العيش وسط الجبال وقسوة طبيعتها” قال صالح عبد الرحمن، أحد سكان قرية بناڤی.

ولم يعد المغادرون يأتون إلى الجبل إلا بقصد الاستجمام الصيفي والتنزه وليس العيش فيه.

دفع هذا الحال كثيراً من أصحاب الأغنام والمواشي في المناطق الجبلية إلى استئجار رعاة عرب من المحافظات الوسطى والجنوبية لرعي مواشيهم.

خمسة بالمئة من العراق

تشكل جبال إقليم كردستان 5.3 بالمئة من مساحة العراق، أو ما يعادل 23270 كيلومتراً مربعاً، وتتكون من مجموعة من السلاسل الجبلية يزيد ارتفاعها عن 1200 متر، وتبدأ بجبل “بخير” في الشمال الغربي قرب مدينة زاخو ثم الجبل الأبيض عند مدينة دهوك فجبل عقرة الذي تقع عليه مدينة عقرة ثم جبل صالح الدين وهيبت سلطان وجبل سكرمة وقره داغ وتنتهي جنوب موقع سد دربندخان حيث يمتد جبل برانان باتجاه الحدود الإيرانية.

ولصلابة صخور هذه الجبال بقيت شاهقة وعارية من التربة. وأعلى جبل فيها هو حصاروست قرب مدينة سيده كان الذي يبلغ ارتفاع قمته 3607 أمتار فوق مستوى سطح البحر.

وتنتشر بين هذه الجبال ينابيع حارة ومعدنية تشكل مراكز لعلاج العديد من الأمراض الجلدية والروماتيزيم وغيرها بسب توفر مصادر جيدة من النفط والغاز الطبيعي كمواد هايدروكاربونية.

“جيولوجيا جبال كردستان توفر تنوعاً جغرافياً وبيولوجياً جعلها بيئة صالحة للعيش والاستيطان” قال رمضان حمزة، خبير جيولوجي.

استراحة وسط الجبال / تصوير: رشيد صوفي

وتعد جبال إقليم كردستان العراق ملجأ آمناً وسنداً صلباً للكرد عبر التاريخ، حيث انطلقت من أحضانها العديد من الثورات وحركات التحرر القومية الكردية، وكان سكان القرى التي تقع وسط الجبال يوفرون لتلك الحركات والثورات المقاتلين والملاذ الآمن والذخائر والمؤن على مدار عشرات السنوات.

وكانت جبال كردستان المنطقة الأكثر ثراء بالبيئة الريفية في العراق حتى أواخر الثمانينيات.

وعلى الرغم من عمليات الأنفال التي نفذها نظام صدام حسين في العام 1988 وتدمير آلاف القرى، بدأت الحياة تدب فيها مجدداً. وكانت المناطق الجبلية عامرة بمئات القرى والملايين من سكانها، وكانوا ينتجون مختلف أنواع حاجاتهم حتى في ظل الحصار الاقتصادي على العراق.

“قبل أكثر من نصف قرن كان 66 بالمئة من سكان كردستان يسكنون القرى، وأغلبهم كانوا يقطنون المناطق الجبلية، في حين تشكل نسبة سكان المناطق الجبلية حالياً أقل من 15 بالمئة من مجموع سكان الإقليم” قال حسين حمة كريم، خبير زراعي.

أدى تراجع عدد السكان إلى انخفاض الإنتاج المحلي في القرى الجبلية، وخصوصاً في القطاعين الزراعي والحيواني بشكل ملحوظ.

ويعزو كريم ذلك التراجع إلى تغيير نمط الحياة والحروب التي شنتها الأنظمة العراقية السابقة على كردستان، والتي تسببت في تدمير نحو خمسة آلاف قرية وتهجير سكانها، وخاصة القاطنين في المناطق الجبلية الواقعة على الحدود العراقية التركية الإيرانية.

زائرون مخلصون

يشير بيار بافي، باحث اجتماعي، إلى أن هجرة سكان القرى إلى المدن أثرت سلباً على التركيب الديموغرافي وخلقت مشاكل اقتصادية واجتماعية.

“العيش في المدن يفرض نمطاً حياتياً مغايراً لحياة القرى يفتقد روح التعاون في مواجهة الكوارث والأزمات والعمل الجماعي والاهتمام بالبيئة” قال بافي لـ”جمّار”.

ومع أن نسبة سكان القرى تراجعت إلى حد كبير، إلا أن جبال كردستان ما زالت تجتذب السياح من مختلف المناطق العراقية لقضاء أوقات الاستراحة والاستمتاع بمناظرها الطبيعية.

تتمتع جبال كردستان بأجواء طبيعية خلابة تمنح إحساساً بالهدوء والراحة، لذا تُشاهد فيها دائماً جموع الزائرين القادمة لقضاء أوقات للراحة والاستجمام.

وتوجد وسط جبال ووديان كردستان مئات من الشلالات التي تتدفق مياهها من القمم والأعالي، مثل شلال “كلي علي بك” و”بيخال” في أربيل و”هورامان” في السليمانية و”شرانش” في دهوك وبحيرتي “بيكوديان” و”فيلاو” في أربيل.

وتتموضع بحيرة بيكوديان كعين زرقاء وسط منطقة محاطة بالجبال على مسافة 160 كم شمال شرق مركز محافظة أربيل وعلى ارتفاع 3151 متراً عن سطح البحر، ما يجعلها أعلى مسطح مائي في العراق.

“تقع البحيرة في منطقة جبلية وعرة يتم الوصول إليها خلال مدة 7 ساعات مشياً على الأقدام” قال نادر روستاي الخبير السياحي في كردستان.

كما أن بحيرة فيلاو التي تقع في منطقة قريبة من بحيرة بيكوديان تعد واحدة من أشهر البحيرات، ويقصدها السياح طوال فصلي الشتاء والربيع.

استخدام البغال لحمل الأثقال في الجبال / تصوير: رشيد صوفي

وهناك العديد من الكهوف الكبيرة التي تحتضنها جبال كردستان أبرزها كهف بيستون الواقع وسط جبل برادوست (37 كم شمال أربيل) وتبلغ مساحته الداخلية أكثر من كيلومتر مربع، ويحتوي على أعمدة من الترسبات الكلسية شبيهة بالكريستال، ما يمنح جمالاً مميزاً داخله.

كما أن كهف كمتیار في محافظة السليمانية من الكهوف الكبيرة، وتتفرع في داخله عدد من الطرق ومن الصعب أن يتجول المرء فيه من دون دليل.

وتوجد أماكن كثيرة بين الجبال تحتوي على شلالات وكهوف وبحيرات، لكن الناس لم يصلوها بسبب شدة وعورة الطرق المؤدية إليها.

البلوط يحترق

تغطي الغابات مساحات واسعة من جبال إقليم كردستان، ويشكل البلوط نسبة 80 بالمئة من أشجارها. ويتخذ الكرد من شجرة البلوط رمزاً قومياً ووطنياً، وهي من الأشجار القوية والمقاومة، إذ أن جزءاً منها يتجاوز عمره 100 عام.

وتفيد مصادر حكومية في إقليم كردستان بتعرض مساحات كبيرة من الغابات الطبيعية للحرق والتدمير خلال الأعوام العشرة الماضية بسبب سوء الأوضاع الأمنية في الجبال اقليم.

“هناك مناطق واسعة مزروعة بالألغام والمتفجرات، وهذا يصعّب حماية الغابات والتنوع البيئي في الجبال” قال رزاق خيلاني المتحدث باسم هيأة البيئة في كردستان.

وبحسب خيلاني، تم تدمير نحو مليون دونم من الأراضي المزروعة بالغابات خلال الأعوام العشرة الماضية بسبب الحروب والتجاوزات على البيئة.

وحددت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2003 يوماً خاصاً لتسليط الضوء على أهمية التنمية المستدامة في الجبال، وتقرر أن يكون اليوم هو 11 كانون الأول ديسمبر من كل عام.

وشجعت الجمعية العامة المجتمع الدولي على تنظيم فعاليات على جميع المستويات في ذلك اليوم، لتسليط الضوء على أهمية التنمية المستدامة للجبال.

ويعود تاريخ اليوم الدولي للجبال إلى سنة 1992، وذلك عند اعتماد الفصل 13 من جدول أعمال القرن الحادي والعشرين بشأن “إدارة النظم الإيكولوجية الهشة: التنمية المستدامة للجبال” في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية.

وكان لذلك دور كبير في تسليط الضوء على الجبال والسعي لجعل إحدى أيام السنة يوما للجبل، ويتم الاحتفال باليوم الدولي للجبال كل عام بعنوان مختلف يتعلق بالتنمية المستدامة للجبال.

ومنظمة “فاو” التابعة للأمم المتحدة هي المكلفة بتنظيم هذا اليوم والاحتفال به.

لا يتابع حامد باهتمام الاحتفال الأممي بالجبال، غير أنه يأمل في أن يحتفل بعودة السكان الأصليين إلى جبال منطقته في ظل أوضاع أمنية واقتصادية مستقرة.

“البقاء في قرانا مستقبلاً مرهون بانتشار قوات الحرس الحدودي العراقي لتوفير الأمن والاستقرار” ختم حامد حديثه.