"ديربالج من الحمام، يتباوسن بيه"، وتُهم أخرى للاختلاف المظهري

ضيّ أحمد

23 كانون الأول 2025

هذه القصة لم تُكتب لكي أقول إنني ضد المثلية، ولا لكي أقول إن المظهر المُختلف محصور بالأشخاص المُغايرين فقط. هذه القصة لأقول إن الاختلاف المظهري ليس حكراً على أحد، بل قرار يتخذه المرء، سواء كان مثلياً أو لم يكن. لم أكتبها لأكون، مثل آخرين كُثر، بعيدة عن اتهامات المثلية، لأنني لا أعتبرها تُهمة، ولأنها ليست تهمة، إلا في العراق، حيث قرر الجميع أنها كذلك.

كان الكون ثقيلاً علي جداً حين أدركتُ أنني لا أستطيع أن أخوض امتحانات الدور الثاني للسادس إعدادي، وأن إعادة السنة هي آخر حلولي. أُصيبت أمي بالجلطة حينها، لم تتحمل قراري، ولامني الجميع على احتمال موتها. خسرتُ الطائر الذي أحبه بعد ذلك، إذ لم يكن جيداً لأمي أن يوجد طائر في المنزل، بسبب ريشه وكل ما يُرافق وجوده.

كان كل شيء لا يُحتمل، كل شيء يضغط علي، لذلك قررت قص شعري. لم أقصَّ شعري منذ أكثر من عامين حينها، نما ووصل لنهاية كتفي تقريباً. لكنني سعيتُ للشعور بالخِفة، أردتُ أن أتخلص من كل شيء، حتى لو “كل شيء” شمل شعري أيضاً.

بعد ساعتين من خروجي من “الصالون”، بشعر “ولادي” كما تكره أن تعترف أمي، توفيت جدتي.

سخرية القدر ليست الفكرة هنا، لكن أمي التي غضبت مني، لأنني قررتُ قص شعري قبل ساعتين من وفاة جدتي. “هسه يشوفونج بالعزا وشيكولون؟ مسترجلة!” وعليه، ارتديتُ الحجاب طيلة أيام العزاء، في الوقت الذي لم ترتدي فيه بناتُ عمومتي الحجاب، ولا أقاربي من النساء، كنتُ الوحيدة من أهل المنزل التي ترتدي الحجاب، وكلما سألتني واحدة من النساء “إلمن لابسته؟” أتحجج أنني قد أتحدث مع أحد رجال العائلة خارج المنزل، ولذا أوفر على نفسي العناء.

توفيت جدتي قبل أسبوعٍ من بداية العام الدراسي، أنهيتُ اليوم الثالث من عزائها يوم الخميس، وذهبتُ إلى الدوام الجديد يوم الأحد. وقتها قررتُ الانتقال لمدرسة جديدة، لعلي أهربُ من صدمة السادس الأولى.

كان كل شيء عادياً، لم أكن مثيرة للفضول حينها، وانتقلت صديقتي معي، لذلك لم تكن هناك حاجة حقيقية لتكوين صداقات جديدة، وعليه، لم أتقرب من الأخريات، وهن بدورهن تركنني “بحالي” باعتباري “عايدة وبالضيم”.

لم أتلقَّ منهن تعليقاً سوى من فتاة واحدة، آثرت أن تكون هي مُرشدتي، لذا أثناء وقوفي في الممرات في الفُسحة، نقرت على كتفي، وحين التفتُّ قالت: “ديربالج من الحمام، البنات يتباوسن بيه، لزموا اثنين قبل فترة”، ورحلت دون تفسير. لم أدرك الحاجة المهمة لهذه الملاحظة، لكنني لم أعلق، رحلت قبل أن أحصل على فرصة للتعليق على أي حال.

تغير كل شيء حين كان الجو حاراً، وقررت خلع الحجاب في الصف. كانت مدرسة مُعدة للبنات ولا رجل فيها، ما عدا أستاذ الفيزياء، يأتي مرتين أسبوعياً لتدريسنا ونعرف مواعيده.

بدا المشهد سينمائياً، خلعتُ الحجاب، كان شعري قصيراً جداً، لم أكن بحاجة إلى ربطة شعر أو مشط، مررتُ أصابعي خلاله ورتبته. أثناء هذه العملية التي لم تستغرق سوى 10 ثوان، نظر إلي الجميع. أستاذة المادة، والطالبات، وصديقتي. كنتُ في الرحلة الأخيرة، مكتئبة وناجية من وفاة جدة وجلطة أم وإعادة سادس، طبيعي أن أجلس في الرحلة الأخيرة. فهمتُ فوراً ما المشكلة، شعري.

لم يتحدث أحد معي بشكل مُباشر بعدها، سِوى طالبتين، واحدة كانت مسيحية بشعر أطول قليلاً من شعري، وأخرى كانت بطول شعر مشابه لطول شعري، إلا أن شعرها كان مجعداً. حسناء*، وهي الفتاة ذات الشعر المجعد، كانت رسامة، وأحبت الأغاني التي أحببتها، كما أحبت المسلسلات والأفلام نفسها التي أحب. وجدتُ فيها عزاءً خاصاً، لم تعرفني حسناء، لم تعرف بشكل مباشر ما معنى جلطة أمي أو وفاة جدتي، أحببتُ صداقتنا، وأمضينا الكثير من أوقات الفراغ النادرة سوياً، نتبادل الكتب (أحبت حسناء روايات الرعب، وفضلتُ أنا الدراما)، والأحاديث عن كل شيء.

لم تكن هذه الصداقة مصدر راحة للآخرين، كثيراً ما لاحظت الآخرين وهم ينظرون لنا بطريقة غريبة. لم يجرؤ أحد أن يقول شيئاً مباشراً لنا، لكن ذات يوم، قررتْ إحدى الطالبات أن تسألني أمام عشر طالبات أخريات، بعد أن ذهبت حسناء لشراء الماء من الحانوت.

“ضيّ أنتِ مَثَلية؟” سألتني بشجاعة، مع المُحافظة على مسافة متر بيننا، في حال كنت مَثَلية فهي لا تريد أن تنتقل العدوى لها. ضحكتُ، كان أمراً طريفاً بالنسبة لي رغم خطورته، “اسمها مِثلية، ولا، ليش؟ لأن شعري قصير وحسناء هم؟”

كانت صديقتي تجلس قريباً منا، تابعت الحديث وهي تنظر لي برعب، وأشارت لي برأسها ألا أخوض كثيراً في الحديث، لكنني نادراً ما فهمتُ معنى الخطر. “أي، مبينة مَثَلية”، أعادت الكلمة، مُشددة على كل حرف، وهي تفصل بين الحروف وتضيف الحركات الخطأ.

لم تكن وحدها من تعتقد ذلك، سرعان ما فهمت أن معظم طالبات الصف اعتقدن أنني مثلية بسبب قصر شعري، وشاركتهن المُدرسّات الرأي، وهذا ما فسّر لاحقاً الطريقة التي تابعني بها الجميع أينما ذهبت ومهما فعلت.

هذه التجربة، التي لربما تكون طريفة أو غريبة، هي جزء مُصغر من تجربة أوسع تخوضها كل فتاة ذات شعر قصير، وكل شاب ذو شعر طويل أو يضع حلق أذن، جزء مُصغر من نظرة نمطية أوسع. المُختلف لا ينتمي إلى أحد سوى مجتمع الميم عين+ برأي الجميع، وإذا لم ينتمِ، أو أثبت أنه لا ينتمي، سيبقى في دائرة الشك، حتى يطول شعر الفتاة ويقصر شعر الشاب.

هذه القصة لم تُكتب لكي أقول إنني ضد المثلية، ولا لكي أقول إن المظهر المُختلف محصور بالأشخاص المُغايرين فقط. هذه القصة لأقول إن الاختلاف المظهري ليس حكراً على أحد، بل قرار يتخذه المرء، سواء كان مثلياً أو لم يكن. لم أكتبها لأكون، مثل آخرين كُثر، بعيدة عن اتهامات المثلية، لأنني لا أعتبرها تُهمة، ولأنها ليست تهمة، إلا في العراق، حيث قرر الجميع أنها كذلك.

عن تبعات الاختلاف

حلق عمار* (38 عاماً) شعره بالكامل قبل عودته من سوريا إلى بغداد للمرة الأولى بعد غيابٍ لسنوات. حذّره أقاربه من العودة بشعر طويل، وسمع كلامهم في المرة الأولى، لكن في المرة الثانية ترك شعره مثلما هو، شعر مُجعد وطويل، وحينها، بدأت المضايقات.

يقول عمار: “إذا مو كي، فيتعاملون وياك كطنطة”. كان يدرك أن تخمين الآخرين لميوله اعتمد على عوامل عدة، شعره طويل لكنه طويل القامة، لم يكن جسده ناعماً، ولا صوته. فهِم أن خشونة صوته وجسده ساعدت على منع المضايقات من أن تصل لعنفٍ جسدي، واكتفت بكونها مضايقات لفظية فقط.

العنف تجاه الأفراد المُختلفين ليس جديداً في العراق، أنا وعمار كنا محظوظين كفاية لتكون المضايقات لفظية فقط، لكن آخرون تعرضوا لعنف لفظي أشد حِدة، أو جسدي، أو جنسي، أو حتى لقتل، فقط لأن مظهرهم مُغاير لما هو مُعتاد.

الفكرة الأولى للمُعنِف أن الشخص المختلف ينتمي لمجتمعات الميم عين+، بسبب اختلاف طول الشعر فقط، أو لوضع قرط في الأذن، أو ارتداء قلادة، أو ملابس رجالية ترتديها النساء. هذه الفكرة يعتبرها كثيرون مبرراً لإيذاء الشخص أو حتى قتله، ويبرر البعض وجودها بـ”صوجهم” و”ليش لابسين هيج؟” تبعاً لثقافة لوم الضحية في العراق.

عام 2017، وجدت السلطات جثة الممثل المسرحي كرار نوشي بعد يومين من اختطافه في بغداد. كانت جثته مرمية بلا مبالاة في شارع فلسطين. تلقى كرار تهديدات قتل كثيرة بسبب مظهره المختلف، إذ كان ذا شعر أشقر مصبوغ طويل، وأحّب أن يرتدي ملابس غير معتادة في الشارع العراقي. وقتها، ذكر الشهود أن جثة كرار تلقت العديد من الطعنات، ونُشِرت صور لجثته، ما تزال على الإنترنت في كل مكان بلا تحرك رقابي لحِفظ كرامته في لحظاته الأخيرة.

أوقف الضابط الموجود في الباب ياسر* (16 عاماً) حينها، قبل أن يسمح له بالدخول لمستشفى الجمهوري في البصرة، لأنه كان يرتدي أقراطاً (تراجي). “شنو هاي الي لابسهن؟ تراجي؟” يتذكر ياسر نبرة الضابط العنيفة والغاضبة، بقي الضابط يحقق معه ويسأله عن اسمه الكامل، ومن أي قضاء أو منطقة هو، وما سبب زيارته للمستشفى، وفي النهاية، سأله عن دينه وإن كان مسيحياً. ارتبك ياسر حينها، وأخبر الضابط أنه مسيحي، رغم أن اسمه الثلاثي يدل على انحداره من عائلة مسلمة.

صورة لقرط ياسر، المصدر: الكاتبة.

لم يكن الضابط راضياً عن أقراط ياسر، مثلما لم يرضَ قتلة كرار عن شعره، مثلما لم يرضَ أقارب عمار، مثلما لم ترضَ أمي، والعامل المُشترك هو المظهر المُغاير.

الإيمو، الـ”مُخنث” المُقنع

نهاية عام 2011 وحتى نهاية 2012، ظهرت ثقافة الـ”إيمو”. كلمة مُشتقة من الكلمة الإنجليزية Emotional، التي تعني عاطفي أو حساس، ويصف المصطلح فئة تنجذب لموسيقى الروك والأغاني الصاخبة، مع ذوق يميل إلى الون الأسود والإكسسوارات في الملابس.

كنتُ في العاشرة عام 2011، أتذكرُ بعض الصور لهم هنا وهناك كلما فتحت الفيسبوك على حاسوب والدي لألعب “المزرعة السعيدة”، لم يكونوا مُختلفين كثيراً. كان معظمهم بشعر أسود، لكن القصات كانت مختلفة، بأطوال غير متساوية عمداً، وملابس غالباً ما كانت سوداء مع قطعة مُخططة بالأبيض والأسود. لم أفهم لِم كانوا يسببون تهديداً حينها، كنتُ صغيرة، ومنشورات الفيسبوك العدائية كانت لغزاً بالنسبة لي آنذاك.

رافقت مُفردة الـ”إيمو” كلمة “مُخنث” و”شواذ”، ثلاث كلمات شكلت مثلث برمودا الخاص بي، لم أفهم واحدة منها، لكنني فهمتُ كفاية لأعرف أن سؤال والدي أو والدتي عن معنى واحدة منها سيسبب لي المشاكل.

اتبعت فصائل مُسلحة نهج القتل بالـ”بلوكة” (حجر) أو الشنق على الجسور مع شباب الـ”إيمو” باعتبارهم من عبدة الشيطان ومجتمع الميم عين+. أتذكر أخباراً عن شاب مقتول بـ”بلوكة” ومرمي في منطقةٍ ما، دون القبض على القاتل، ما زالت الصور عالقة في ذاكرتي.

تتضارب التقارير حول عدد ضحايا هذا النهج، إذ رفضت وزارة الداخلية آنذاك تصديق النمط الواضح وأشارت إليه بكونه “إشاعة مُغرضة”، كما وصفه العميد خالد المحنة، معاون المدير العام للعلاقات والإعلام في وزارة الداخلية العراقية آنذاك، في حديثه مع DW، واعتبرها مجموعة من الجرائم الفردية. وفي بيانٍ آخر لوزارة الداخلية، وصفت دافع جرائم القتل بأنه ثأري، واجتماعي، وإجرامي، وهو ما “يحدث دائماً”.

رغم عدم وجود إحصاءات رسمية عن ضحايا هذا النهج، إلا أن هناء البياتي، عضو لجنة محكمة بروكسل، وهي جزء من المحكمة العالمية حول العراق، التي تأسست عام 2004، أشارت في  تقرير صحفي إلى أن عدد الضحايا تراوح بين 90 و100 شخص، معظمهم صغار في السن، و14 فرداً منهم قُتلوا في العاصمة بغداد.

طالبت حينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية الحكومة العراقية بالتدخل لإيقاف هذا الاستهداف ومُحاسبة المتورطين. وقتها اعتبر جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، أن الحكومة العراقية ساهمت في تكوين أجواء الخوف التي سهّلت حصول هذه الحوادث. كما طالب السلطات بفتح تحقيقات بهذه الجرائم بدلاً من اعتبارها مُفبركة. 

 حسب وكالة رويترز في آذار عام 2012، فإن مجموعة من المنشورات وُزعت على عدد من المنازل مع أسماء مُحددة في منطقة البياع في بغداد، مع عبارة “نحذركم وبشدة، إلى كل فاجر وفاجرة، إذا لم تنتهوا من هذا العمل القذر وخلال أربعة أيام، فسوف ينزل عليكم عقاب الله وبيد المجاهدين”. بينما حمل منشور مشابه في مدينة الصدر في بغداد العبارة التالية: “نحن كتائب الغضب نحذركم إذا لم تعلنوا التوبة وتعودوا إلى طريق الصواب فسوف يكون مصيركم القتل”.

صورة لمنشور مشابه في مدينة الصدر، فيه أسماء الأشخاص المُستهدفين، المصدر: السوشال ميديا.

تمثل هذه الجرائم مثالاً للعنف الذي يصل إلى الموت وتشويه الجثث بناءً على أحكام تمييزية سابقة على المظهر، إذ تعتبر الفصائل المُسلحة كل ما هو مُختلِف إشارة للمثلية. وفي وقت انتشار هذه الجرائم، وصف مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الإيمو بأنهم “مجانين وآفة المجتمع” وطالب بإنهاء هذه الظاهرة عن طريق المختصين قانونياً. ليعود بعد خمسة أيام من هذا الوصف، لينفي تورط التيار بهذه الجرائم، واعتبرها عملاً “لا يرضي الله”، بينما اعتبرها عبد الرحيم الركابي، ممثل علي السيستاني آنذاك، المرجع الشيعي الأعلى، بأنها هجمات إرهابية، وأن هذه الظاهرة يجب أن تُعالج “بطرق سلمية، وليس عن طريقة التصفية الجسدية”.

التمييز السياسي والمُجتمعي

العنف ضد الاختلاف في العراق ليس جديداً، ولم يبدأ منذ 2012. يذكر أخيم رود في ورقته البحثية بعنوان: المثليون، وذوو اللبس المُغاير، والإيمو: أشكال الرجولة غير النمطية في العراق العسكري (2016)، حديث لصدام حسين، رئيس النظام العراقي السابق، وهو يقترح نحر أي رجل يصبغ شعره بالأخضر أو الأحمر، أو أي لون مختلف. ووصف الرجال ذوي الشعر الملون بالـ”مُخنثين” واعتبرهم عاراً على العراق والدين على حد سواء. 

لم يكن صدام رجلاً متديناً، وكان يوصف كحاكم “علماني” إلى حدٍ ما، لكنه استخدم النظرة النمطية فيما يخص “الرجولة” لتبرير قتل “الغوغائيين”، وهو وصف أطلقه على كل من شارك بالمظاهرات ضده. لم يتحدث صدام آنذاك عن التظاهر أو خيانة النظام، بل توجه للطريق الأسهل، وهو انتقاد المظهر المختلف، واعتباره مخالفاً للشريعة الإسلامية أولاً، والمجتمع العراقي ثانياً.

في حديثه، يذكر أن العار الحقيقي هو ترك أصحاب الشعر الملون أحياءً، إذ شجع زعماء العشائر المحلية على التخلص من المختلفين، وأكد أنه سيتحمل مسؤولية موتهم. واستشهد بفتوى إسلامية من الإمام علي بأن “المنحرفين” يجب رميهم من مكانٍ عالي.

لا فرق بين صدام والفصائل المُسلحة التي هاجمت مُجتمع الإيمو، الطرفان استغلا ظهور مجموعة جديدة مُختلفة عما هو “سائد” للهجوم عليها، وتعزيز الموقف السياسي، أو لترهيب الآخرين، وتوضيح أن الاختلاف غير مقبول في العراق، وإن كان مظهرياً فقط.

لكن الأمر لا يتوقف هنا. في السنوات الست الأخيرة، انبثقت تسمية “العطواني” على فئة من سكان مدينة الصدر في بغداد، بسبب المصور زهير العطواني، الذي يصور أعراس بعض سكان المدينة، وينشرها على منصات التواصل.

أغلب الأعراس التي يصورها العطواني تتمحور حول “عريس” قاصر، غالباً بين الـ14 وحتى الـ17، وفي أحيانٍ أخرى، يكون قد تجاوز السن القانونية، لكن الطابع الغالب هو عريس قاصر. هذا، لم يلفت نظر المشاهدين.

ما لفت نظر الجميع، سواء كانوا من العراقيين أو من جنسياتٍ أخرى، هي قصات الشعر، والاهتمام بنظافة الوجه ونعومته عن طريق وضع “خلطات” أو “كريمات” أو حتى مورّد خدود. كل ذلك اعتبروه إشارة واضحة واعترافاً مباشراً بالمثلية، أو على الأقل، دعمها.

هذا التوجه الفكري نتجت عنه عزلة اجتماعية لمن يصورهم العطواني، الذين يُسمّون بالعطوانيين الآن، نسبة للمصور نفسه. العنف اللفظي الذي يتعرض له “العطوانيين” على منصات التواصل يصل حد التهديد بالقتل، وكثيراً ما تنسب التعليقات الفضل لصدام حسين، لأنه لم يكن يسمح بوجود مثل هذه “المخلوقات” على حد تعبير البعض.

اليوم، يُشارك العراقيون في التنمر على تصوير العطواني وفيديوهات الأعراس، للهرب من الوصمة الاجتماعية التي فرضتها جنسيات عربية أخرى. إذا ما وجدنا أي فيديو من تلك الفيديوهات، فمن الممكن أن نخمن أن التعليقات عليه ستكون كالآتي:

شخص عربي: “هذول العراقيين!”

شخص عراقي: “لا! إحنا هم ما نريدهم!”

أو في تعليق آخر:

شخص عراقي: “الله يرحمك صدام، لو موجود ميصير هيج”.

شخص عراقي آخر: “أبناء السفارات والمثلية، الله ينتقم منكم”.

متناسين أن معظم الذين يظهرون في مثل هذه الفيديوهات، إذا كانوا من الحضور، تتراوح أعمارهم ما بين الـ10 وحتى الـ18، وهو العمر الذي يُفترض أن يكتشف فيه كل إنسان نفسه وهويته وطريقة تعبيره عن نفسه. لكن الخوف من الاتهام بالمثلية قد يصل حد أن يرفض شعب كاملٌ حياً صغيراً في العاصمة بسبب تورّد الخد.

حسب فاطمة قائد، وهي مرشدة نفسية: “إن العراقي لا يملك مفهوم “العزل”، بحيث يقر ويتعامل وفق مبدأ الآخر بمعزل عني، أي فرد من المجتمع الي ينتمي إله يسوي شيء مخل للثقافة الاجتماعية حيحس بعار وخجل منه”. لكن المسألة، كما تضيف قائد، أن شرف العائلة لا يتوقف عند العائلة فقط، بل يتوسع، ويصبح مفهوماً أكبر شمولية، ليكون “شرف المجتمع”. مما يجعل “العطوانية” وصمة مُخلة بمجتمع الفرد بالنسبة للمجتمع العراقي، “وبما أنُ المجتمع يساوي أفراده، فما يجري على المجتمع -هو بالضرورة- يجري على فرده”.

الجندر ليس حاجزاً

لم تتعرض مريم (25 عاماً) للمضايقات أثناء المشي في شوارع بغداد بشعرها الطويل، لكن كل شيء اختلف حين حلقته بالكامل. تقول: “من كمت أطلع وشعري تقريباً ماكو، هواي جانوا يتعرضولي، هواي أسمع حجاية هذا ولد لو بنية؟ حتى من آني حاطة حمرة”.

تضيف: “بس لأن جان مظهري غريب، أحس هالشي أنطاهم عذر أو حافز أنو يتعرضولي”. لم تتخلص مريم من التحرش اللفظي والأذى إلا بعد أن طال شعرها، وصار مظهرها “مقبولاً” اجتماعياً.

توضح فاطمة قائد أن النبذ الاجتماعي يُلاحق كل من له مظهر مختلف أو مميز في المجتمعات المُحافظة، ويصاحب هؤلاء الأفراد خوف وتردد من التصرف وإظهار حقيقتهم أمام الآخرين. يمكن للعنف الذي يتعرض له المختلفون أن يكون سبب آلام  نفسية، واكتئاب، وانسحاب اجتماعي أحياناً.

في النجف، نُبِذ رامي* بسبب شعره الطويل، وملابسه ذات الألوان الفاتحة. لذلك عندما طلب الأمن الوطني قائمة بكل من تشتبه الجامعة بانتمائه لمُجتمع الميم عين+ أو الترويج له، قدمت الجامعة رامي كأضحية.

ظن رامي أن المحامي سيكون الحل المناسب، وبعد أن شرح له المشكلة، وافق المحامي، ووعد رامي برفع قضية تشويه سمعة على الجامعة. سأله رامي عن أتعابه فطلب جنساً فموياً، لأنه مثل الآخرين، اعتقد أن رامي مثلي فقط بسبب مظهره.

فيما بعد، رفض المحامي المضي بالقضية، وأخبر رامي أن القضية ستشوه سمعته، ولا يريد التورط مع شخص مثلي.

في النهاية، لم يجد رامي حلاً سوى حلق شعره الطويل، وارتداء ملابس غامقة وأكثر “رجولية”، واكتساب الوزن، ليبدو رجلاً كما تريده الجامعة أن يكون، وليتخلص من ملاحقة الأمن الوطني له، ونبذ الكادر التدريسي والطلبة.

قد تبدو القضية بسيطة، إذا نبذك المجتمع بسبب طول شعرك، احلقه، وإذا لم يعجب أمي شعري القصير، الواجب أن أتوقف عن قصه، سهل، صحيح؟

لا.

نبذ الاختلاف المظهري يبدأ بطريقة بسيطة جداً، مثل احتقار زميلاتي لأحد زملائنا لأنه أحب أن يلبس طوق شعر بسبب شعره الطويل، وقرط إذن واحد أحياناً، ومن ثم يتحول الاحتقار إلى رفض وأذى لفظي، فلا تستطيع أن ترتاد بعض الأماكن أو تتمشى في الشوارع، وفي النهاية، يتطور الأذى اللفظي ويصبح جسدياً. لا يهم إن وصل الأذى الجسدي مرحلة الموت أو توقف القلب، في الحالتين، يترك أثراً نفسياً صعب الزوال، ويهدد مفهوم “الفردانية” في العراق.

الخطاب المجتمعي والسياسي، وحتى الديني، جميعهم ساهموا في تنمية هذا الخوف من الاتهام بالمثلية، أو حتى الإشارة لها، وصار مقبول مجتمعياً أن تؤذي الآخر، لكي توضح للجميع أنك بعيداً جداً عن المثلية، أنك لا تدعمها، ولا تقف معها، ولا تتحدث مع من ينتمي لمجتمع الميم عين+، حتى وإن لم ينتمِ، حتى وإن كان لم يفعل شيئاً سوى إطالة شعره، أو لبس قرطٍ ملون.

أتذكر أخي، عندما كان في الـ14، كنا نتحدث عن مدى التشابه بيني وبينه، وأمي تجلس معنا، أخبرته “أنتَ مثلي”، أي إنك تشبهني، لكنه سمعها “مثلي” أي “من أفراد مجتمع الميم عين+” ليجيب بسرعة، وببعض الرعب، “لا! أنا مو مثلي!”

حادثة طريفة، لكن يا تُرى، كم شخصاً كان مرعوباً مثله وهو يخبر الآخرين أنه ليس مثلياً؟

كثيراً ما تحاشى إخواني بعض أبناء الجيران أو الزملاء في أماكن الدراسة، لماذا؟ “ناعم، صوته مو خشن، شعره سرِح، خاف يكولون علينا سوا”، “خاف يكولون”، هي الجملة التي يُعزل بموجبها فردٌ جديد، لصفات جسدية غالباً ما تُحدد منذ الولادة، بسبب الجينات، أو البيئة، أو لأي سببٍ آخر.

* الأسماء الواردة في هذا النص مُستعارة، لكيلا يتهمهم أحد بشيء. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

كان الكون ثقيلاً علي جداً حين أدركتُ أنني لا أستطيع أن أخوض امتحانات الدور الثاني للسادس إعدادي، وأن إعادة السنة هي آخر حلولي. أُصيبت أمي بالجلطة حينها، لم تتحمل قراري، ولامني الجميع على احتمال موتها. خسرتُ الطائر الذي أحبه بعد ذلك، إذ لم يكن جيداً لأمي أن يوجد طائر في المنزل، بسبب ريشه وكل ما يُرافق وجوده.

كان كل شيء لا يُحتمل، كل شيء يضغط علي، لذلك قررت قص شعري. لم أقصَّ شعري منذ أكثر من عامين حينها، نما ووصل لنهاية كتفي تقريباً. لكنني سعيتُ للشعور بالخِفة، أردتُ أن أتخلص من كل شيء، حتى لو “كل شيء” شمل شعري أيضاً.

بعد ساعتين من خروجي من “الصالون”، بشعر “ولادي” كما تكره أن تعترف أمي، توفيت جدتي.

سخرية القدر ليست الفكرة هنا، لكن أمي التي غضبت مني، لأنني قررتُ قص شعري قبل ساعتين من وفاة جدتي. “هسه يشوفونج بالعزا وشيكولون؟ مسترجلة!” وعليه، ارتديتُ الحجاب طيلة أيام العزاء، في الوقت الذي لم ترتدي فيه بناتُ عمومتي الحجاب، ولا أقاربي من النساء، كنتُ الوحيدة من أهل المنزل التي ترتدي الحجاب، وكلما سألتني واحدة من النساء “إلمن لابسته؟” أتحجج أنني قد أتحدث مع أحد رجال العائلة خارج المنزل، ولذا أوفر على نفسي العناء.

توفيت جدتي قبل أسبوعٍ من بداية العام الدراسي، أنهيتُ اليوم الثالث من عزائها يوم الخميس، وذهبتُ إلى الدوام الجديد يوم الأحد. وقتها قررتُ الانتقال لمدرسة جديدة، لعلي أهربُ من صدمة السادس الأولى.

كان كل شيء عادياً، لم أكن مثيرة للفضول حينها، وانتقلت صديقتي معي، لذلك لم تكن هناك حاجة حقيقية لتكوين صداقات جديدة، وعليه، لم أتقرب من الأخريات، وهن بدورهن تركنني “بحالي” باعتباري “عايدة وبالضيم”.

لم أتلقَّ منهن تعليقاً سوى من فتاة واحدة، آثرت أن تكون هي مُرشدتي، لذا أثناء وقوفي في الممرات في الفُسحة، نقرت على كتفي، وحين التفتُّ قالت: “ديربالج من الحمام، البنات يتباوسن بيه، لزموا اثنين قبل فترة”، ورحلت دون تفسير. لم أدرك الحاجة المهمة لهذه الملاحظة، لكنني لم أعلق، رحلت قبل أن أحصل على فرصة للتعليق على أي حال.

تغير كل شيء حين كان الجو حاراً، وقررت خلع الحجاب في الصف. كانت مدرسة مُعدة للبنات ولا رجل فيها، ما عدا أستاذ الفيزياء، يأتي مرتين أسبوعياً لتدريسنا ونعرف مواعيده.

بدا المشهد سينمائياً، خلعتُ الحجاب، كان شعري قصيراً جداً، لم أكن بحاجة إلى ربطة شعر أو مشط، مررتُ أصابعي خلاله ورتبته. أثناء هذه العملية التي لم تستغرق سوى 10 ثوان، نظر إلي الجميع. أستاذة المادة، والطالبات، وصديقتي. كنتُ في الرحلة الأخيرة، مكتئبة وناجية من وفاة جدة وجلطة أم وإعادة سادس، طبيعي أن أجلس في الرحلة الأخيرة. فهمتُ فوراً ما المشكلة، شعري.

لم يتحدث أحد معي بشكل مُباشر بعدها، سِوى طالبتين، واحدة كانت مسيحية بشعر أطول قليلاً من شعري، وأخرى كانت بطول شعر مشابه لطول شعري، إلا أن شعرها كان مجعداً. حسناء*، وهي الفتاة ذات الشعر المجعد، كانت رسامة، وأحبت الأغاني التي أحببتها، كما أحبت المسلسلات والأفلام نفسها التي أحب. وجدتُ فيها عزاءً خاصاً، لم تعرفني حسناء، لم تعرف بشكل مباشر ما معنى جلطة أمي أو وفاة جدتي، أحببتُ صداقتنا، وأمضينا الكثير من أوقات الفراغ النادرة سوياً، نتبادل الكتب (أحبت حسناء روايات الرعب، وفضلتُ أنا الدراما)، والأحاديث عن كل شيء.

لم تكن هذه الصداقة مصدر راحة للآخرين، كثيراً ما لاحظت الآخرين وهم ينظرون لنا بطريقة غريبة. لم يجرؤ أحد أن يقول شيئاً مباشراً لنا، لكن ذات يوم، قررتْ إحدى الطالبات أن تسألني أمام عشر طالبات أخريات، بعد أن ذهبت حسناء لشراء الماء من الحانوت.

“ضيّ أنتِ مَثَلية؟” سألتني بشجاعة، مع المُحافظة على مسافة متر بيننا، في حال كنت مَثَلية فهي لا تريد أن تنتقل العدوى لها. ضحكتُ، كان أمراً طريفاً بالنسبة لي رغم خطورته، “اسمها مِثلية، ولا، ليش؟ لأن شعري قصير وحسناء هم؟”

كانت صديقتي تجلس قريباً منا، تابعت الحديث وهي تنظر لي برعب، وأشارت لي برأسها ألا أخوض كثيراً في الحديث، لكنني نادراً ما فهمتُ معنى الخطر. “أي، مبينة مَثَلية”، أعادت الكلمة، مُشددة على كل حرف، وهي تفصل بين الحروف وتضيف الحركات الخطأ.

لم تكن وحدها من تعتقد ذلك، سرعان ما فهمت أن معظم طالبات الصف اعتقدن أنني مثلية بسبب قصر شعري، وشاركتهن المُدرسّات الرأي، وهذا ما فسّر لاحقاً الطريقة التي تابعني بها الجميع أينما ذهبت ومهما فعلت.

هذه التجربة، التي لربما تكون طريفة أو غريبة، هي جزء مُصغر من تجربة أوسع تخوضها كل فتاة ذات شعر قصير، وكل شاب ذو شعر طويل أو يضع حلق أذن، جزء مُصغر من نظرة نمطية أوسع. المُختلف لا ينتمي إلى أحد سوى مجتمع الميم عين+ برأي الجميع، وإذا لم ينتمِ، أو أثبت أنه لا ينتمي، سيبقى في دائرة الشك، حتى يطول شعر الفتاة ويقصر شعر الشاب.

هذه القصة لم تُكتب لكي أقول إنني ضد المثلية، ولا لكي أقول إن المظهر المُختلف محصور بالأشخاص المُغايرين فقط. هذه القصة لأقول إن الاختلاف المظهري ليس حكراً على أحد، بل قرار يتخذه المرء، سواء كان مثلياً أو لم يكن. لم أكتبها لأكون، مثل آخرين كُثر، بعيدة عن اتهامات المثلية، لأنني لا أعتبرها تُهمة، ولأنها ليست تهمة، إلا في العراق، حيث قرر الجميع أنها كذلك.

عن تبعات الاختلاف

حلق عمار* (38 عاماً) شعره بالكامل قبل عودته من سوريا إلى بغداد للمرة الأولى بعد غيابٍ لسنوات. حذّره أقاربه من العودة بشعر طويل، وسمع كلامهم في المرة الأولى، لكن في المرة الثانية ترك شعره مثلما هو، شعر مُجعد وطويل، وحينها، بدأت المضايقات.

يقول عمار: “إذا مو كي، فيتعاملون وياك كطنطة”. كان يدرك أن تخمين الآخرين لميوله اعتمد على عوامل عدة، شعره طويل لكنه طويل القامة، لم يكن جسده ناعماً، ولا صوته. فهِم أن خشونة صوته وجسده ساعدت على منع المضايقات من أن تصل لعنفٍ جسدي، واكتفت بكونها مضايقات لفظية فقط.

العنف تجاه الأفراد المُختلفين ليس جديداً في العراق، أنا وعمار كنا محظوظين كفاية لتكون المضايقات لفظية فقط، لكن آخرون تعرضوا لعنف لفظي أشد حِدة، أو جسدي، أو جنسي، أو حتى لقتل، فقط لأن مظهرهم مُغاير لما هو مُعتاد.

الفكرة الأولى للمُعنِف أن الشخص المختلف ينتمي لمجتمعات الميم عين+، بسبب اختلاف طول الشعر فقط، أو لوضع قرط في الأذن، أو ارتداء قلادة، أو ملابس رجالية ترتديها النساء. هذه الفكرة يعتبرها كثيرون مبرراً لإيذاء الشخص أو حتى قتله، ويبرر البعض وجودها بـ”صوجهم” و”ليش لابسين هيج؟” تبعاً لثقافة لوم الضحية في العراق.

عام 2017، وجدت السلطات جثة الممثل المسرحي كرار نوشي بعد يومين من اختطافه في بغداد. كانت جثته مرمية بلا مبالاة في شارع فلسطين. تلقى كرار تهديدات قتل كثيرة بسبب مظهره المختلف، إذ كان ذا شعر أشقر مصبوغ طويل، وأحّب أن يرتدي ملابس غير معتادة في الشارع العراقي. وقتها، ذكر الشهود أن جثة كرار تلقت العديد من الطعنات، ونُشِرت صور لجثته، ما تزال على الإنترنت في كل مكان بلا تحرك رقابي لحِفظ كرامته في لحظاته الأخيرة.

أوقف الضابط الموجود في الباب ياسر* (16 عاماً) حينها، قبل أن يسمح له بالدخول لمستشفى الجمهوري في البصرة، لأنه كان يرتدي أقراطاً (تراجي). “شنو هاي الي لابسهن؟ تراجي؟” يتذكر ياسر نبرة الضابط العنيفة والغاضبة، بقي الضابط يحقق معه ويسأله عن اسمه الكامل، ومن أي قضاء أو منطقة هو، وما سبب زيارته للمستشفى، وفي النهاية، سأله عن دينه وإن كان مسيحياً. ارتبك ياسر حينها، وأخبر الضابط أنه مسيحي، رغم أن اسمه الثلاثي يدل على انحداره من عائلة مسلمة.

صورة لقرط ياسر، المصدر: الكاتبة.

لم يكن الضابط راضياً عن أقراط ياسر، مثلما لم يرضَ قتلة كرار عن شعره، مثلما لم يرضَ أقارب عمار، مثلما لم ترضَ أمي، والعامل المُشترك هو المظهر المُغاير.

الإيمو، الـ”مُخنث” المُقنع

نهاية عام 2011 وحتى نهاية 2012، ظهرت ثقافة الـ”إيمو”. كلمة مُشتقة من الكلمة الإنجليزية Emotional، التي تعني عاطفي أو حساس، ويصف المصطلح فئة تنجذب لموسيقى الروك والأغاني الصاخبة، مع ذوق يميل إلى الون الأسود والإكسسوارات في الملابس.

كنتُ في العاشرة عام 2011، أتذكرُ بعض الصور لهم هنا وهناك كلما فتحت الفيسبوك على حاسوب والدي لألعب “المزرعة السعيدة”، لم يكونوا مُختلفين كثيراً. كان معظمهم بشعر أسود، لكن القصات كانت مختلفة، بأطوال غير متساوية عمداً، وملابس غالباً ما كانت سوداء مع قطعة مُخططة بالأبيض والأسود. لم أفهم لِم كانوا يسببون تهديداً حينها، كنتُ صغيرة، ومنشورات الفيسبوك العدائية كانت لغزاً بالنسبة لي آنذاك.

رافقت مُفردة الـ”إيمو” كلمة “مُخنث” و”شواذ”، ثلاث كلمات شكلت مثلث برمودا الخاص بي، لم أفهم واحدة منها، لكنني فهمتُ كفاية لأعرف أن سؤال والدي أو والدتي عن معنى واحدة منها سيسبب لي المشاكل.

اتبعت فصائل مُسلحة نهج القتل بالـ”بلوكة” (حجر) أو الشنق على الجسور مع شباب الـ”إيمو” باعتبارهم من عبدة الشيطان ومجتمع الميم عين+. أتذكر أخباراً عن شاب مقتول بـ”بلوكة” ومرمي في منطقةٍ ما، دون القبض على القاتل، ما زالت الصور عالقة في ذاكرتي.

تتضارب التقارير حول عدد ضحايا هذا النهج، إذ رفضت وزارة الداخلية آنذاك تصديق النمط الواضح وأشارت إليه بكونه “إشاعة مُغرضة”، كما وصفه العميد خالد المحنة، معاون المدير العام للعلاقات والإعلام في وزارة الداخلية العراقية آنذاك، في حديثه مع DW، واعتبرها مجموعة من الجرائم الفردية. وفي بيانٍ آخر لوزارة الداخلية، وصفت دافع جرائم القتل بأنه ثأري، واجتماعي، وإجرامي، وهو ما “يحدث دائماً”.

رغم عدم وجود إحصاءات رسمية عن ضحايا هذا النهج، إلا أن هناء البياتي، عضو لجنة محكمة بروكسل، وهي جزء من المحكمة العالمية حول العراق، التي تأسست عام 2004، أشارت في  تقرير صحفي إلى أن عدد الضحايا تراوح بين 90 و100 شخص، معظمهم صغار في السن، و14 فرداً منهم قُتلوا في العاصمة بغداد.

طالبت حينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية الحكومة العراقية بالتدخل لإيقاف هذا الاستهداف ومُحاسبة المتورطين. وقتها اعتبر جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، أن الحكومة العراقية ساهمت في تكوين أجواء الخوف التي سهّلت حصول هذه الحوادث. كما طالب السلطات بفتح تحقيقات بهذه الجرائم بدلاً من اعتبارها مُفبركة. 

 حسب وكالة رويترز في آذار عام 2012، فإن مجموعة من المنشورات وُزعت على عدد من المنازل مع أسماء مُحددة في منطقة البياع في بغداد، مع عبارة “نحذركم وبشدة، إلى كل فاجر وفاجرة، إذا لم تنتهوا من هذا العمل القذر وخلال أربعة أيام، فسوف ينزل عليكم عقاب الله وبيد المجاهدين”. بينما حمل منشور مشابه في مدينة الصدر في بغداد العبارة التالية: “نحن كتائب الغضب نحذركم إذا لم تعلنوا التوبة وتعودوا إلى طريق الصواب فسوف يكون مصيركم القتل”.

صورة لمنشور مشابه في مدينة الصدر، فيه أسماء الأشخاص المُستهدفين، المصدر: السوشال ميديا.

تمثل هذه الجرائم مثالاً للعنف الذي يصل إلى الموت وتشويه الجثث بناءً على أحكام تمييزية سابقة على المظهر، إذ تعتبر الفصائل المُسلحة كل ما هو مُختلِف إشارة للمثلية. وفي وقت انتشار هذه الجرائم، وصف مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الإيمو بأنهم “مجانين وآفة المجتمع” وطالب بإنهاء هذه الظاهرة عن طريق المختصين قانونياً. ليعود بعد خمسة أيام من هذا الوصف، لينفي تورط التيار بهذه الجرائم، واعتبرها عملاً “لا يرضي الله”، بينما اعتبرها عبد الرحيم الركابي، ممثل علي السيستاني آنذاك، المرجع الشيعي الأعلى، بأنها هجمات إرهابية، وأن هذه الظاهرة يجب أن تُعالج “بطرق سلمية، وليس عن طريقة التصفية الجسدية”.

التمييز السياسي والمُجتمعي

العنف ضد الاختلاف في العراق ليس جديداً، ولم يبدأ منذ 2012. يذكر أخيم رود في ورقته البحثية بعنوان: المثليون، وذوو اللبس المُغاير، والإيمو: أشكال الرجولة غير النمطية في العراق العسكري (2016)، حديث لصدام حسين، رئيس النظام العراقي السابق، وهو يقترح نحر أي رجل يصبغ شعره بالأخضر أو الأحمر، أو أي لون مختلف. ووصف الرجال ذوي الشعر الملون بالـ”مُخنثين” واعتبرهم عاراً على العراق والدين على حد سواء. 

لم يكن صدام رجلاً متديناً، وكان يوصف كحاكم “علماني” إلى حدٍ ما، لكنه استخدم النظرة النمطية فيما يخص “الرجولة” لتبرير قتل “الغوغائيين”، وهو وصف أطلقه على كل من شارك بالمظاهرات ضده. لم يتحدث صدام آنذاك عن التظاهر أو خيانة النظام، بل توجه للطريق الأسهل، وهو انتقاد المظهر المختلف، واعتباره مخالفاً للشريعة الإسلامية أولاً، والمجتمع العراقي ثانياً.

في حديثه، يذكر أن العار الحقيقي هو ترك أصحاب الشعر الملون أحياءً، إذ شجع زعماء العشائر المحلية على التخلص من المختلفين، وأكد أنه سيتحمل مسؤولية موتهم. واستشهد بفتوى إسلامية من الإمام علي بأن “المنحرفين” يجب رميهم من مكانٍ عالي.

لا فرق بين صدام والفصائل المُسلحة التي هاجمت مُجتمع الإيمو، الطرفان استغلا ظهور مجموعة جديدة مُختلفة عما هو “سائد” للهجوم عليها، وتعزيز الموقف السياسي، أو لترهيب الآخرين، وتوضيح أن الاختلاف غير مقبول في العراق، وإن كان مظهرياً فقط.

لكن الأمر لا يتوقف هنا. في السنوات الست الأخيرة، انبثقت تسمية “العطواني” على فئة من سكان مدينة الصدر في بغداد، بسبب المصور زهير العطواني، الذي يصور أعراس بعض سكان المدينة، وينشرها على منصات التواصل.

أغلب الأعراس التي يصورها العطواني تتمحور حول “عريس” قاصر، غالباً بين الـ14 وحتى الـ17، وفي أحيانٍ أخرى، يكون قد تجاوز السن القانونية، لكن الطابع الغالب هو عريس قاصر. هذا، لم يلفت نظر المشاهدين.

ما لفت نظر الجميع، سواء كانوا من العراقيين أو من جنسياتٍ أخرى، هي قصات الشعر، والاهتمام بنظافة الوجه ونعومته عن طريق وضع “خلطات” أو “كريمات” أو حتى مورّد خدود. كل ذلك اعتبروه إشارة واضحة واعترافاً مباشراً بالمثلية، أو على الأقل، دعمها.

هذا التوجه الفكري نتجت عنه عزلة اجتماعية لمن يصورهم العطواني، الذين يُسمّون بالعطوانيين الآن، نسبة للمصور نفسه. العنف اللفظي الذي يتعرض له “العطوانيين” على منصات التواصل يصل حد التهديد بالقتل، وكثيراً ما تنسب التعليقات الفضل لصدام حسين، لأنه لم يكن يسمح بوجود مثل هذه “المخلوقات” على حد تعبير البعض.

اليوم، يُشارك العراقيون في التنمر على تصوير العطواني وفيديوهات الأعراس، للهرب من الوصمة الاجتماعية التي فرضتها جنسيات عربية أخرى. إذا ما وجدنا أي فيديو من تلك الفيديوهات، فمن الممكن أن نخمن أن التعليقات عليه ستكون كالآتي:

شخص عربي: “هذول العراقيين!”

شخص عراقي: “لا! إحنا هم ما نريدهم!”

أو في تعليق آخر:

شخص عراقي: “الله يرحمك صدام، لو موجود ميصير هيج”.

شخص عراقي آخر: “أبناء السفارات والمثلية، الله ينتقم منكم”.

متناسين أن معظم الذين يظهرون في مثل هذه الفيديوهات، إذا كانوا من الحضور، تتراوح أعمارهم ما بين الـ10 وحتى الـ18، وهو العمر الذي يُفترض أن يكتشف فيه كل إنسان نفسه وهويته وطريقة تعبيره عن نفسه. لكن الخوف من الاتهام بالمثلية قد يصل حد أن يرفض شعب كاملٌ حياً صغيراً في العاصمة بسبب تورّد الخد.

حسب فاطمة قائد، وهي مرشدة نفسية: “إن العراقي لا يملك مفهوم “العزل”، بحيث يقر ويتعامل وفق مبدأ الآخر بمعزل عني، أي فرد من المجتمع الي ينتمي إله يسوي شيء مخل للثقافة الاجتماعية حيحس بعار وخجل منه”. لكن المسألة، كما تضيف قائد، أن شرف العائلة لا يتوقف عند العائلة فقط، بل يتوسع، ويصبح مفهوماً أكبر شمولية، ليكون “شرف المجتمع”. مما يجعل “العطوانية” وصمة مُخلة بمجتمع الفرد بالنسبة للمجتمع العراقي، “وبما أنُ المجتمع يساوي أفراده، فما يجري على المجتمع -هو بالضرورة- يجري على فرده”.

الجندر ليس حاجزاً

لم تتعرض مريم (25 عاماً) للمضايقات أثناء المشي في شوارع بغداد بشعرها الطويل، لكن كل شيء اختلف حين حلقته بالكامل. تقول: “من كمت أطلع وشعري تقريباً ماكو، هواي جانوا يتعرضولي، هواي أسمع حجاية هذا ولد لو بنية؟ حتى من آني حاطة حمرة”.

تضيف: “بس لأن جان مظهري غريب، أحس هالشي أنطاهم عذر أو حافز أنو يتعرضولي”. لم تتخلص مريم من التحرش اللفظي والأذى إلا بعد أن طال شعرها، وصار مظهرها “مقبولاً” اجتماعياً.

توضح فاطمة قائد أن النبذ الاجتماعي يُلاحق كل من له مظهر مختلف أو مميز في المجتمعات المُحافظة، ويصاحب هؤلاء الأفراد خوف وتردد من التصرف وإظهار حقيقتهم أمام الآخرين. يمكن للعنف الذي يتعرض له المختلفون أن يكون سبب آلام  نفسية، واكتئاب، وانسحاب اجتماعي أحياناً.

في النجف، نُبِذ رامي* بسبب شعره الطويل، وملابسه ذات الألوان الفاتحة. لذلك عندما طلب الأمن الوطني قائمة بكل من تشتبه الجامعة بانتمائه لمُجتمع الميم عين+ أو الترويج له، قدمت الجامعة رامي كأضحية.

ظن رامي أن المحامي سيكون الحل المناسب، وبعد أن شرح له المشكلة، وافق المحامي، ووعد رامي برفع قضية تشويه سمعة على الجامعة. سأله رامي عن أتعابه فطلب جنساً فموياً، لأنه مثل الآخرين، اعتقد أن رامي مثلي فقط بسبب مظهره.

فيما بعد، رفض المحامي المضي بالقضية، وأخبر رامي أن القضية ستشوه سمعته، ولا يريد التورط مع شخص مثلي.

في النهاية، لم يجد رامي حلاً سوى حلق شعره الطويل، وارتداء ملابس غامقة وأكثر “رجولية”، واكتساب الوزن، ليبدو رجلاً كما تريده الجامعة أن يكون، وليتخلص من ملاحقة الأمن الوطني له، ونبذ الكادر التدريسي والطلبة.

قد تبدو القضية بسيطة، إذا نبذك المجتمع بسبب طول شعرك، احلقه، وإذا لم يعجب أمي شعري القصير، الواجب أن أتوقف عن قصه، سهل، صحيح؟

لا.

نبذ الاختلاف المظهري يبدأ بطريقة بسيطة جداً، مثل احتقار زميلاتي لأحد زملائنا لأنه أحب أن يلبس طوق شعر بسبب شعره الطويل، وقرط إذن واحد أحياناً، ومن ثم يتحول الاحتقار إلى رفض وأذى لفظي، فلا تستطيع أن ترتاد بعض الأماكن أو تتمشى في الشوارع، وفي النهاية، يتطور الأذى اللفظي ويصبح جسدياً. لا يهم إن وصل الأذى الجسدي مرحلة الموت أو توقف القلب، في الحالتين، يترك أثراً نفسياً صعب الزوال، ويهدد مفهوم “الفردانية” في العراق.

الخطاب المجتمعي والسياسي، وحتى الديني، جميعهم ساهموا في تنمية هذا الخوف من الاتهام بالمثلية، أو حتى الإشارة لها، وصار مقبول مجتمعياً أن تؤذي الآخر، لكي توضح للجميع أنك بعيداً جداً عن المثلية، أنك لا تدعمها، ولا تقف معها، ولا تتحدث مع من ينتمي لمجتمع الميم عين+، حتى وإن لم ينتمِ، حتى وإن كان لم يفعل شيئاً سوى إطالة شعره، أو لبس قرطٍ ملون.

أتذكر أخي، عندما كان في الـ14، كنا نتحدث عن مدى التشابه بيني وبينه، وأمي تجلس معنا، أخبرته “أنتَ مثلي”، أي إنك تشبهني، لكنه سمعها “مثلي” أي “من أفراد مجتمع الميم عين+” ليجيب بسرعة، وببعض الرعب، “لا! أنا مو مثلي!”

حادثة طريفة، لكن يا تُرى، كم شخصاً كان مرعوباً مثله وهو يخبر الآخرين أنه ليس مثلياً؟

كثيراً ما تحاشى إخواني بعض أبناء الجيران أو الزملاء في أماكن الدراسة، لماذا؟ “ناعم، صوته مو خشن، شعره سرِح، خاف يكولون علينا سوا”، “خاف يكولون”، هي الجملة التي يُعزل بموجبها فردٌ جديد، لصفات جسدية غالباً ما تُحدد منذ الولادة، بسبب الجينات، أو البيئة، أو لأي سببٍ آخر.

* الأسماء الواردة في هذا النص مُستعارة، لكيلا يتهمهم أحد بشيء.