"حقن بالمنطقة الحساسة".. الطريق غير الآمن إلى عملية "القضيب الضخم" في العراق!

مهند فارس

18 كانون الأول 2025

لماذا يتزايد إقبال الرجال في العراق على عمليات تكبير القضيب؟ من يربح من وراء هذه العمليات؟ وهل تضمن حياة جنسية أفضل؟ أم أنها مجرد تجارة مربحة باستخدام مواد قد تكون مجهولة المصدر؟

دخل سرمد، (32 عاماً)، إلى أحد عيادات التجميل في بغداد، التي عرفها عبر إحدى المجموعات على الفيسبوك، وفي الطابق الثاني، حيث تقع العيادة، جلس على أحد مقاعدها الجلدية متوتراً، يضغط كفيه المبتلتين بعرق بارد، فيما تنبعث من غرفة العمليات رائحة المعقمات.

لم يأتِ ليزيل تجاعيد أو ليحقن شفتيه كما هو شائع، بل جاء يطلب شيئاً أكثر حساسية: تضخيم قضيبه بحقن الفيلر.

كان الانتظار قصيراً، لم يتجاوز نصف ساعة، لكنه بدا طويلاً وممتداً لسرمد، الخوف والإحراج أبعداه عن العالم، لم يدرِ ما يدور حوله، وكأنه محكوم عليه بالجلوس بين الخوف والفضيحة، حاول أن يشغل نفسه بتصفح هاتفه، لكنه لم يفلح، كل ما حوله بدا صامتاً بشكل مريب، حتى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط بدا كأنه ضرب على رأسه.

بعد هذا الدهر، حان دوره، نادى الممرض باسمه، فنهض متردداً، بادره الطبيب بعد أن لمح الخوف على وجهه قائلاً: “الأمر بسيط وناجح، نصف ساعة وتخرج”.

لكن وراء هذا الوعد السريع تختبئ الأسئلة المحرجة، لماذا يتزايد إقبال الرجال على هذه العمليات؟ من يربح من ورائها؟ وهل تضمن “رجولةً أضخم” أم أنها مجرد تجارة مربحة بمواد قد تكون مجهولة المصدر؟

حقنة سريعة.. أثر طويل.. ما الذي نعرفه حقاً عن الفيلر؟

الحشو الجلدي أو الفيلر (Dermal Filler)، مادة تُحقن تحت الجلد بهدف زيادة الحجم أو ملء الفراغات وتحسين الشكل الخارجي للجزء المعالج.

في مجال التجميل، يُستخدم الفيلر عادة لتكبير الشفاه أو تعبئة التجاعيد أو زيادة حجم الوجنتين، وشاع استخدامه مؤخراً في تكبير الأعضاء التناسلية عند الرجال والنساء.

حُقن الفيلر تتميز بأنها إجراء غير جراحي وسريع نسبياً، ولا يتطلب تخديراً عاماً، ولكن نتائجها مؤقتة غالباً، إذ تمتد من عدة أشهر إلى ثلاث سنوات، بحسب نوع المادة، وقابلية الجسم لامتصاص مادة الهيالورونيك التي تعد من أكثر مواده شيوعاً.

الهيالورونيك (Hyaluronic Acid) نوع من السكر (متعدد السكاريد)، موجود في أنسجة الجسم مثل الجلد والغضاريف، يمتاز بقدرته على الارتباط بالماء والانتفاخ عند تحوله إلى جل، مما يسبب الملء والتنعيم.

يُستخلص من بكتيريا أو من عرف الديك (مصدر طيري)، في بعض الحالات يُعدّل كيميائياً (Crosslinked) ليبقى فترة أطول داخل الجسم، تأثيره يستمر عادةً من ستة إلى 12 شهراً.

ورغم سهولة إجراء الفيلر فهو ليس خالياً من المخاطر، وقد يؤدي استخدامه بطريقة خاطئة أو استخدام مواد غير أصلية إلى التهابات أو تكتلات أو مضاعفات طويلة الأمد، ما يجعله يحتاج إلى خبرة طبية للطبيب الممارس ومواد موثوقة لضمان السلامة والنتيجة المرضية.

كيف تدفع الصور المثالية الرجال نحو الفيلر؟

خلال السنوات الأخيرة، زاد إقبال الرجال في العراق على حقن الفيلر لتكبير القضيب، وباستثناء الحالات الطبية، فإن خلف هذه الزيادة تختبئ مجموعة معقدة من الضغوط الاجتماعية والنفسية، في مجتمع يربط الرجولة أو الفحولة بالقدرة الجنسية، فيتحول الحجم إلى رمز للقوة، لا مجرد عضو بشري.

بسبب ذلك، ينظر كُثر إلى أجسادهم بعيون ناقدة، مدفوعين بمقارنات غير منطقية مع صور مثالية يروَّج لها غالباً ضمن المحتوى الإباحي.

 عبد الأمير الربيعي، المختص بطب النفس السلوكي، يؤكد أن المشاهد الإباحية، التي تنتشر بسهولة عبر الشبكات العنكبوتية، خلقت توقعات غير واقعية وصورة مشوهة عن الجسم البشري، ودفعت الرجال أو النساء للشعور بالنقص لمجرد أن مظهرهم لا يشبه ما يرونه على الشاشة.

ويضيف لجمّار أن هذه الصور النمطية تدفع الشباب، وخاصة أولئك المقبلين على الزواج، إلى هذه العمليات كنوع من تعزيز الثقة بالنفس، وليس لأسباب صحية، فمعظم الحالات التي نراها لا تعاني من عجز عضوي، بل من صورة سلبية عن الذات، حيث يشعر الرجل أنه أقل من غيره، فيبحث عن إجراء سريع يمنحه إحساساً بالقوة والقبول.

ويؤكد في حديثه لجمّار، أن الثقافة الاجتماعية التي تجعل من الحديث عن الجنس أمراً محرّماً، مقرونة بغياب التثقيف الجنسي القائم على الواقعية والعلم، جعلت الباب مفتوحاً أمام تفاقم الأزمة، فالرجال لا يجدون مكاناً آمناً لمناقشة مخاوفهم أو الحصول على استشارات علمية دقيقة، ما يدفعهم إلى تصديق الإعلانات اللامعة لمراكز التجميل التي تعرض “حلولاً سحرية”.

ويؤكد ما تطرق له الربيعي الشاب البغدادي سعد (اسم مستعار)، وهو في منتصف الثلاثينيات من عمره، يقول لجمّار: “جنت أحس بنقص وحقنت الفيلر منذ أربعة أشهر، ونجح وياية، لكن بديت أقول ويه نفسي، أني شسويت وليش ما اتقبلت جسمي مثل ما هو؟” كما أن نظرة زوجته له تغيرت بعد علمها بحقن زوجها الفيلر في عضوه، وصارحته بأنه لم يكن من داع لاتخاذ هذا الإجراء.

تشير دراسات طبية إلى فائدة حقن حمض الهيالورونيك في بعض الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً غير جراحي، مثل مرض بيروني، وهو مرض يصيب بعض الرجال، وفيه تتكون أنسجة ليفية داخل القضيب.
الدراسات أظهرت أن حقن حمض الهيالورونيك في مناطق التليف قد يساعد في تقليل الانحناء وتحسين الأداء الجنسي، خاصة إذا تم في مراحل مبكرة من المرض، إضافة إلى علاج  سرعة القذف، ومتلازمة القضيب الصغير.

وتشير الدراسات إلى أن حقن الفيلر آمن وفعال عند إجرائه تحت إشراف أطباء مختصين، ومع ذلك فإن الهيئات الطبية العالمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، والجمعية الأمريكية للطب الجنسي، توصي بالابتعاد عن هذا الإجراء في المناطق الحساسة.

من الستوري إلى الإبرة.. سحر الإعلانات وتضليل النتائج

لا تقتصر أسباب الإقبال على عمليات تكبير القضيب على الضغوط الاجتماعية أو القلق النفسي، بل تؤدّي وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل الطلب من خلال الإعلانات التي تخفي رسائل مبطنة في سياق طبي.

عبر صفحات فيسبوك وإنستغرام، وفيديوهات تيك توك القصيرة، تروج الإعلانات لحقن الفيلر في العضو الذكري على أنه حل سريع وآمن لاستعادة الثقة بالنفس، حيث يُطرح كعملية بسيطة لا تتجاوز 15 دقيقة، تُجرى تحت تخدير موضعي ودون حاجة لفترة نقاهة، هذه الحملات لا تكتفي بالإشارة إلى الجانب التجميلي، بل تمتد وعودها لتشمل تحسين سرعة القذف وحل المشاكل الزوجية أيضاً، دون ذكر مخاطر هذا الإجراء على بعض الأشخاص.

“ما جنت أتخيل راح أندم، بس اللي صار كان عكس كل شي وعدوني بيه”. بهذا الصوت، يروي “ح. م”، وهو شاب عراقي في أواخر العشرينيات من عمره، تجربته مع عملية حقن الفيلر لتكبير العضو الذكري، ويقول: “كانت الفكرة تبدو بسيطة، سريعة، وآمنة كما روجت لها إحدى صفحات التجميل على فيسبوك، جلسة واحدة بنتائج فورية”.

بعد أشهر من التردد والبحث، حسم أمره، حجز موعداً في أحد مراكز التجميل وسط بغداد، ودفع نحو أربعمئة دولار مقابل وعد بمظهر أكثر رجولة كان مطلبه. لم يطلب أحد منه تقريراً طبياً، ولم يُعرض عليه شرح دقيق للمخاطر، يقول: “كلشي كان سريع، والممرضة قالتلي عادي، الشباب هواي دايسووها”.

لكن النتيجة لم تكن كما تصور، فبعد أيام بدأت التكتلات تظهر تحت الجلد، ثم الالتهابات، ثم إحساس غريب بالنفور من جسده، ومن نفسه، راجع طبيباً مختصاً، ليكتشف أنه لم يُحقن بالفيلر الطبي، بل بمادة مجهولة المصدر قد تترك أثراً دائماً.

سوق الرجولة.. كيف تحولت الأعضاء التناسلية إلى مصدر أرباح؟

لم تعد عمليات تكبير القضيب بالفيلر مجرد استجابة لرغبات فردية، بل تحولت إلى سوق تجميلية رائجة، تدر أرباحاً كبيرة على المراكز والأطباء الذين دخلوا هذا المجال، ففي بغداد ومدن أخرى، بدأت لافتات مراكز التجميل تعلن بشكل غير مباشر عن حلول لتعزيز الثقة بالنفس، فيما يتكفل التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتمرير رسالة واضحة مفادها: “زيادة سمك العضو الذكري، ورفع الثقة بالنفس، وتحسين الحياة الزوجية”.

بحسب تصريحات صحفية لثناء الزيرجاوي، عضو لجنة الصحة النيابية، فإن عدد مراكز التجميل المرخصة لا يتجاوز 90 مركزاً، بينما يصل عدد المراكز غير المرخصة، بحسب ماجد شنكالي، رئيس اللجنة، إلى ألف مركز، أغلبها في بغداد، وتعمل هذه المراكز دون رقابة، وداخل عيادات أطباء الأسنان وغيرها.

رجل في أواخر الثلاثينيات، رفض الكشف عن اسمه، لكنه وافق على مشاركة تجربته، يقول إنّه لم يكن يعاني من مشاكل طوال حياته: “ولكني أصبت بمرض السكر وهذا أثر على حياتي الزوجية، وكنت أراقب باستمرار ما يُعرض على الإنترنت”.

يقول عن العملية إنها بدت سهلة وسريعة، لكنه لم يتوقع حدوث مضاعفات، فبعد أسبوع من الحقن لاحظ تكتلات والتهابات مزعجة، واضطر للعودة إلى العيادة، وهي مشهورة على وسائل التواصل، لإجراء تعديلات مؤلمة.

يقول: “خلال الجلسة الأولى دفعت ما يقارب ألف دولار، وفي الثانية حوالي أربعمئة دولار، ولكن حالتي زادت سوءاً، وبعد مراجعتي لأحد الأطباء نصحني بإجراء تدخل طبي عاجل لإزالة الفيلر بالليزر بسبب ضغطه على المنطقة”.

تكلفة العملية الواحدة تتراوح بين بضع مئات إلى أكثر من ألف دولار، بحسب نوع الفيلر، وعدد الحقن المستخدمة، إضافة إلى سمعة المركز.

بعض الأطباء يشيرون إلى أن جزءاً من هذه المواد يدخل عبر قنوات رسمية ويخضع للرقابة، لكن آخرين لا يستبعدون وجود سوق موازية لمواد الفيلر مجهولة المصدر أو رخيصة الثمن، تُجلب بطرق غير نظامية، ما يرفع هامش الربح ويضاعف المخاطر على الزبائن.

حاولنا التحدث مع عدّة أطباء تجميل تروج صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه العملية، ولكنهم رفضوا الإدلاء بأي تصريح بحجج من بينها عدم الاهتمام بالمشاركة واعتبارها استهدافاً تسويقياً، أو عدم رغبتهم بالكشف عن أسرار المهنة.

أحد أطباء التجميل، رفض الكشف عن اسمه، يؤكد أن انخفاض التكلفة في العراق لا يرجع إلى استخدام مواد غير أصلية، ولكن إلى استيراد مواد من منشأ غير معروف، ومن فئة أقل تكلفة، أو درجة ثانية كما يطلق عليها، ويؤكد أن بعض المراكز تلجأ إلى مواد مجهولة المصدر لتقليل المصاريف وزيادة الأرباح.

في الحقيقة، وعند مقارنة الأسعار، فإن التكلفة في العراق أقل من الدول المجاورة جميعاً، ويصل متوسط تكاليف العملية إلى نحو ألف دولار، أما في تركيا فتتراوح التكلفة ما بين 1400 و2500 دولار، وبتكاليف مشابهة في لبنان، وأكثر منها في الإمارات.

تحت الجلد.. ما الذي يحدث أثناء حقن الفيلر؟

على الرغم من أن مراكز التجميل تروّج لحقن الفيلر باعتبارها إجراء بسيطاً وسريعاً، ولكن الجانب الطبي يكشف صورة أكثر تعقيداً. يقول عبد الله الكناني، طبيب المسالك البولية، إن الإجراء يتم من خلال حقن مادة هلامية، غالباً حمض الهيالورونيك، تحت جلد القضيب لزيادة سمك العضو الذكري.

ويضيف لجمّار أن العملية لا تتجاوز نصف ساعة، ولا تحتاج إلى تخدير عام، وهو ما يجعلها تبدو آمنة ومغرية للزبائن: “العراق لا يزال جديداً على هذا المجال، ولكن كثيراً من الجمعيات الطبية والعلمية الأمريكية والأوروبية تحذر من اعتماد هذا الإجراء، باعتبار أن الفيلر مخصص للوجه وليس للمناطق الحساسية”.

يشير الكناني إلى أن منطقة العضو الذكري مليئة بالأنسجة، وقد يؤدي أي تدخل إلى إتلاف هذه الأنسجة والأعصاب والأوردة الدموية، وفقدان الإحساس بالمنطقة بسبب الضغط الهلامي الحاصل، إضافة إلى الإصابة بالالتهابات الموضعية والتكتلات غير المتجانسة، ووصولاً إلى مشكلات جنسية مزمنة في حال الحقن بطريقة خاطئة، وبعض الحالات تطلبت لاحقاً عمليات جراحية لإزالة الفيلر، وهو ما يترك آثاراً جسدية ونفسية طويلة الأمد.

إبر بلا تشريع.. عندما تتحول العناية إلى ضرر

علاء (26 عاماً)، من محافظة ديالى، لجأ إلى بغداد من أجل الخضوع لهذا العلاج أيضاً، يقول: “حُقنت بالفيلر، ولكن النتائج لم تظهر نهائياً”.

لم يطلب منه الطبيب أي تحليل طبي سواء قبل الإجراء أو بعده، وأخبره فوراً أن جسمه امتص المادة، ويجب عليه حقن أبر أخرى، ولكنه رفض ذلك.

هذه القصص لا تبين الحقيقة كاملة، فالبعض قد وجدوا نتائج إيجابية لحقن الفيلر ولو لفترة مؤقتة، لكن كثر يتجنبون الحديث عن هذا الإجراء بشكل صريح، في ظل غياب أي تشريع قانوني يخص الطب التجميلي والمواد المستخدمة في هذا المجال، ما أدى إلى تفاقم الأزمة.

في الوقت الذي تنتشر فيه عمليات تكبير القضيب بالفيلر داخل عيادات التجميل في العراق، وخاصة في المناطق الكبرى مثل بغداد والبصرة والموصل وكركوك، يظل الإطار القانوني لهذه الممارسة غير خاضع للرقابة.

إذ لا توجد نصوص صريحة في التشريعات الصحية تحدد ما إذا كانت هذه العمليات من ضمن الإجراءات الطبية المسموح بها، أم تصنف كتدخلات غير مشروعة، وتستغل الكثير من المراكز هذا الجانب للعمل بحرية شبه كاملة، مستغلة غياب الرقابة الصحية.

ورغم وجود ضوابط تنظم العمل، مثل أوامر نقابة الأطباء رقم 4253 لعام 2017، إلا أن نص الضوابط نفسه يتضمن تناقضاً واضحاً، فالبند (أولاً/ثانياً) يشترط أن يكون الإشراف محصوراً بأطباء الجراحة التجميلية أو الأمراض الجلدية، ويمنع غيرهم من إجراء التدخلات التجميلية. لكن البند الخامس يسمح بالعمل “بالمعية وتحت إشراف الطبيب الاختصاص”، وهو تعبير مبهم قد يُفهم منه السماح لأطباء من اختصاصات أخرى بالمشاركة في هذه الإجراءات. ثم يأتي البند السادس ليؤكد مجدداً أن الاختصاصات الأخرى لا يحق لها إجراء التدخلات التجميلية إلا ضمن حدود اختصاصها، ما يعكس ارتباكاً وتضارباً في صياغة التعليمات.

البند السابع اشترط أن يكون مساعدو الطبيب من الملاكات الصحية الحاصلين على إجازة ممارسة المهنة، لكنه لم يحدد بوضوح طبيعة هذه المهن، وهل تشمل أطباء الأسنان أو غيرهم.

وكانت وزارة الصحة العراقية قد منعت في السادس من أيار 2024، أطباء الأسنان من حقن “الميزوثيرابي والفيلر والبوتكس وجميع مواد التجميل”، واعترضت نقابة أطباء الأسنان على هذا المنع، ولكن مجلس القضاء الأعلى أصدر في أواخر العام نفسه قراراً نهائياً بإلغاء طلب نقابة أطباء الأسنان، مؤكداً منعهم من هذه الممارسات.

بعض الأطباء يؤكدون أن مادة الفيلر تصل إلى السوق عبر قنوات رسمية مرخصة، بينما يشير آخرون إلى أن جزءاً كبيراً منها يدخل بطرق غير نظامية أو يُباع في السوق السوداء.

مصدر في وزارة الصحة، يوضح أن من الناحية الإجرائية لا يطلب من المراكز سوى تسجيلها كعيادات تجميل، وكشف عدد وخلفية العاملين في المركز، دون الحاجة إلى تراخيص خاصة لإجراء هذه العمليات الحساسة، وكثير من هذه المراكز لا يلتزم بهذا الكشف، ويستبدل بموظفيه المختصين آخرين قد يكونون حاصلين على شهادات أدنى أو خاضوا دورات تدريب على تقنيات التجميل فقط.

وأكد أن الوزارة تشن العديد من عمليات التفتيش على هذه المجمعات، ولكن بسبب عدم وضوح التشريعات فإن التفتيش يقتصر على البحث عن تخصص المزاولين داخلها وعن مواد تالفة أو غير أصلية، ويؤكد أن الوزارة تشرف رسمياً على استيراد المواد الطبية، لكنها نادراً ما تتابع كيفية استخدامها في المراكز الخاصة.

ورغم تزايد الإعلانات الخاصة بحقن الفيلر في العضو الذكري، لا تتوفر أرقام رسمية دقيقة حول حجم هذه الظاهرة من قبل وزارة الصحة أو نقابة الأطباء، كما لا تتوفر معلومات عن عدد الشكاوى الطبية المسجلة ضد هذه الإجراءات، سواء بسبب المضاعفات أو استخدام مواد غير مرخصة.

هذا الغياب شبه التام للبيانات والإحصاءات يجعل من الصعب تقييم حجم المشكلة بشكل علمي، ويفتح المجال أمام الاستغلال التجاري غير المنظم، ويعقّد جهود الرقابة والمحاسبة.

غياب الشفافية في هذا النوع من الإجراءات يزيد من مخاطر تكرار الأخطاء الطبية، ويجعل المتضررين في وضع قانوني ضعيف يصعّب عليهم المطالبة بحقوقهم.

الفراغ التنظيمي يجعل العراق مختلفاً عن دول مجاورة مثل تركيا، حيث تخضع مثل هذه الإجراءات لضوابط دقيقة، وتتطلب إشرافاً مباشراً من نقابات الأطباء.

وفي هذا الصدد، طرحنا مجموعة من الأسئلة على مدير إعلام نقابة الأطباء، ولكنه تعذّر “بعدم تلقيه إجابة من الأطباء المختصين بسبب انشغالهم”.

هذا الأمر يضع المريض تحت مجهر المخاطر، فقد يتعرض لمضاعفات جسيمة، ولكنه يجد نفسه بلا سند قانوني حقيقي لمحاسبة المركز أو الطبيب، وحتى في حال اللجوء إلى المحاكم، فغالباً ما يسجل الملف تحت بند أخطاء طبية، دون توصيف خاص لهذه العمليات.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

دخل سرمد، (32 عاماً)، إلى أحد عيادات التجميل في بغداد، التي عرفها عبر إحدى المجموعات على الفيسبوك، وفي الطابق الثاني، حيث تقع العيادة، جلس على أحد مقاعدها الجلدية متوتراً، يضغط كفيه المبتلتين بعرق بارد، فيما تنبعث من غرفة العمليات رائحة المعقمات.

لم يأتِ ليزيل تجاعيد أو ليحقن شفتيه كما هو شائع، بل جاء يطلب شيئاً أكثر حساسية: تضخيم قضيبه بحقن الفيلر.

كان الانتظار قصيراً، لم يتجاوز نصف ساعة، لكنه بدا طويلاً وممتداً لسرمد، الخوف والإحراج أبعداه عن العالم، لم يدرِ ما يدور حوله، وكأنه محكوم عليه بالجلوس بين الخوف والفضيحة، حاول أن يشغل نفسه بتصفح هاتفه، لكنه لم يفلح، كل ما حوله بدا صامتاً بشكل مريب، حتى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط بدا كأنه ضرب على رأسه.

بعد هذا الدهر، حان دوره، نادى الممرض باسمه، فنهض متردداً، بادره الطبيب بعد أن لمح الخوف على وجهه قائلاً: “الأمر بسيط وناجح، نصف ساعة وتخرج”.

لكن وراء هذا الوعد السريع تختبئ الأسئلة المحرجة، لماذا يتزايد إقبال الرجال على هذه العمليات؟ من يربح من ورائها؟ وهل تضمن “رجولةً أضخم” أم أنها مجرد تجارة مربحة بمواد قد تكون مجهولة المصدر؟

حقنة سريعة.. أثر طويل.. ما الذي نعرفه حقاً عن الفيلر؟

الحشو الجلدي أو الفيلر (Dermal Filler)، مادة تُحقن تحت الجلد بهدف زيادة الحجم أو ملء الفراغات وتحسين الشكل الخارجي للجزء المعالج.

في مجال التجميل، يُستخدم الفيلر عادة لتكبير الشفاه أو تعبئة التجاعيد أو زيادة حجم الوجنتين، وشاع استخدامه مؤخراً في تكبير الأعضاء التناسلية عند الرجال والنساء.

حُقن الفيلر تتميز بأنها إجراء غير جراحي وسريع نسبياً، ولا يتطلب تخديراً عاماً، ولكن نتائجها مؤقتة غالباً، إذ تمتد من عدة أشهر إلى ثلاث سنوات، بحسب نوع المادة، وقابلية الجسم لامتصاص مادة الهيالورونيك التي تعد من أكثر مواده شيوعاً.

الهيالورونيك (Hyaluronic Acid) نوع من السكر (متعدد السكاريد)، موجود في أنسجة الجسم مثل الجلد والغضاريف، يمتاز بقدرته على الارتباط بالماء والانتفاخ عند تحوله إلى جل، مما يسبب الملء والتنعيم.

يُستخلص من بكتيريا أو من عرف الديك (مصدر طيري)، في بعض الحالات يُعدّل كيميائياً (Crosslinked) ليبقى فترة أطول داخل الجسم، تأثيره يستمر عادةً من ستة إلى 12 شهراً.

ورغم سهولة إجراء الفيلر فهو ليس خالياً من المخاطر، وقد يؤدي استخدامه بطريقة خاطئة أو استخدام مواد غير أصلية إلى التهابات أو تكتلات أو مضاعفات طويلة الأمد، ما يجعله يحتاج إلى خبرة طبية للطبيب الممارس ومواد موثوقة لضمان السلامة والنتيجة المرضية.

كيف تدفع الصور المثالية الرجال نحو الفيلر؟

خلال السنوات الأخيرة، زاد إقبال الرجال في العراق على حقن الفيلر لتكبير القضيب، وباستثناء الحالات الطبية، فإن خلف هذه الزيادة تختبئ مجموعة معقدة من الضغوط الاجتماعية والنفسية، في مجتمع يربط الرجولة أو الفحولة بالقدرة الجنسية، فيتحول الحجم إلى رمز للقوة، لا مجرد عضو بشري.

بسبب ذلك، ينظر كُثر إلى أجسادهم بعيون ناقدة، مدفوعين بمقارنات غير منطقية مع صور مثالية يروَّج لها غالباً ضمن المحتوى الإباحي.

 عبد الأمير الربيعي، المختص بطب النفس السلوكي، يؤكد أن المشاهد الإباحية، التي تنتشر بسهولة عبر الشبكات العنكبوتية، خلقت توقعات غير واقعية وصورة مشوهة عن الجسم البشري، ودفعت الرجال أو النساء للشعور بالنقص لمجرد أن مظهرهم لا يشبه ما يرونه على الشاشة.

ويضيف لجمّار أن هذه الصور النمطية تدفع الشباب، وخاصة أولئك المقبلين على الزواج، إلى هذه العمليات كنوع من تعزيز الثقة بالنفس، وليس لأسباب صحية، فمعظم الحالات التي نراها لا تعاني من عجز عضوي، بل من صورة سلبية عن الذات، حيث يشعر الرجل أنه أقل من غيره، فيبحث عن إجراء سريع يمنحه إحساساً بالقوة والقبول.

ويؤكد في حديثه لجمّار، أن الثقافة الاجتماعية التي تجعل من الحديث عن الجنس أمراً محرّماً، مقرونة بغياب التثقيف الجنسي القائم على الواقعية والعلم، جعلت الباب مفتوحاً أمام تفاقم الأزمة، فالرجال لا يجدون مكاناً آمناً لمناقشة مخاوفهم أو الحصول على استشارات علمية دقيقة، ما يدفعهم إلى تصديق الإعلانات اللامعة لمراكز التجميل التي تعرض “حلولاً سحرية”.

ويؤكد ما تطرق له الربيعي الشاب البغدادي سعد (اسم مستعار)، وهو في منتصف الثلاثينيات من عمره، يقول لجمّار: “جنت أحس بنقص وحقنت الفيلر منذ أربعة أشهر، ونجح وياية، لكن بديت أقول ويه نفسي، أني شسويت وليش ما اتقبلت جسمي مثل ما هو؟” كما أن نظرة زوجته له تغيرت بعد علمها بحقن زوجها الفيلر في عضوه، وصارحته بأنه لم يكن من داع لاتخاذ هذا الإجراء.

تشير دراسات طبية إلى فائدة حقن حمض الهيالورونيك في بعض الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً غير جراحي، مثل مرض بيروني، وهو مرض يصيب بعض الرجال، وفيه تتكون أنسجة ليفية داخل القضيب.
الدراسات أظهرت أن حقن حمض الهيالورونيك في مناطق التليف قد يساعد في تقليل الانحناء وتحسين الأداء الجنسي، خاصة إذا تم في مراحل مبكرة من المرض، إضافة إلى علاج  سرعة القذف، ومتلازمة القضيب الصغير.

وتشير الدراسات إلى أن حقن الفيلر آمن وفعال عند إجرائه تحت إشراف أطباء مختصين، ومع ذلك فإن الهيئات الطبية العالمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، والجمعية الأمريكية للطب الجنسي، توصي بالابتعاد عن هذا الإجراء في المناطق الحساسة.

من الستوري إلى الإبرة.. سحر الإعلانات وتضليل النتائج

لا تقتصر أسباب الإقبال على عمليات تكبير القضيب على الضغوط الاجتماعية أو القلق النفسي، بل تؤدّي وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل الطلب من خلال الإعلانات التي تخفي رسائل مبطنة في سياق طبي.

عبر صفحات فيسبوك وإنستغرام، وفيديوهات تيك توك القصيرة، تروج الإعلانات لحقن الفيلر في العضو الذكري على أنه حل سريع وآمن لاستعادة الثقة بالنفس، حيث يُطرح كعملية بسيطة لا تتجاوز 15 دقيقة، تُجرى تحت تخدير موضعي ودون حاجة لفترة نقاهة، هذه الحملات لا تكتفي بالإشارة إلى الجانب التجميلي، بل تمتد وعودها لتشمل تحسين سرعة القذف وحل المشاكل الزوجية أيضاً، دون ذكر مخاطر هذا الإجراء على بعض الأشخاص.

“ما جنت أتخيل راح أندم، بس اللي صار كان عكس كل شي وعدوني بيه”. بهذا الصوت، يروي “ح. م”، وهو شاب عراقي في أواخر العشرينيات من عمره، تجربته مع عملية حقن الفيلر لتكبير العضو الذكري، ويقول: “كانت الفكرة تبدو بسيطة، سريعة، وآمنة كما روجت لها إحدى صفحات التجميل على فيسبوك، جلسة واحدة بنتائج فورية”.

بعد أشهر من التردد والبحث، حسم أمره، حجز موعداً في أحد مراكز التجميل وسط بغداد، ودفع نحو أربعمئة دولار مقابل وعد بمظهر أكثر رجولة كان مطلبه. لم يطلب أحد منه تقريراً طبياً، ولم يُعرض عليه شرح دقيق للمخاطر، يقول: “كلشي كان سريع، والممرضة قالتلي عادي، الشباب هواي دايسووها”.

لكن النتيجة لم تكن كما تصور، فبعد أيام بدأت التكتلات تظهر تحت الجلد، ثم الالتهابات، ثم إحساس غريب بالنفور من جسده، ومن نفسه، راجع طبيباً مختصاً، ليكتشف أنه لم يُحقن بالفيلر الطبي، بل بمادة مجهولة المصدر قد تترك أثراً دائماً.

سوق الرجولة.. كيف تحولت الأعضاء التناسلية إلى مصدر أرباح؟

لم تعد عمليات تكبير القضيب بالفيلر مجرد استجابة لرغبات فردية، بل تحولت إلى سوق تجميلية رائجة، تدر أرباحاً كبيرة على المراكز والأطباء الذين دخلوا هذا المجال، ففي بغداد ومدن أخرى، بدأت لافتات مراكز التجميل تعلن بشكل غير مباشر عن حلول لتعزيز الثقة بالنفس، فيما يتكفل التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتمرير رسالة واضحة مفادها: “زيادة سمك العضو الذكري، ورفع الثقة بالنفس، وتحسين الحياة الزوجية”.

بحسب تصريحات صحفية لثناء الزيرجاوي، عضو لجنة الصحة النيابية، فإن عدد مراكز التجميل المرخصة لا يتجاوز 90 مركزاً، بينما يصل عدد المراكز غير المرخصة، بحسب ماجد شنكالي، رئيس اللجنة، إلى ألف مركز، أغلبها في بغداد، وتعمل هذه المراكز دون رقابة، وداخل عيادات أطباء الأسنان وغيرها.

رجل في أواخر الثلاثينيات، رفض الكشف عن اسمه، لكنه وافق على مشاركة تجربته، يقول إنّه لم يكن يعاني من مشاكل طوال حياته: “ولكني أصبت بمرض السكر وهذا أثر على حياتي الزوجية، وكنت أراقب باستمرار ما يُعرض على الإنترنت”.

يقول عن العملية إنها بدت سهلة وسريعة، لكنه لم يتوقع حدوث مضاعفات، فبعد أسبوع من الحقن لاحظ تكتلات والتهابات مزعجة، واضطر للعودة إلى العيادة، وهي مشهورة على وسائل التواصل، لإجراء تعديلات مؤلمة.

يقول: “خلال الجلسة الأولى دفعت ما يقارب ألف دولار، وفي الثانية حوالي أربعمئة دولار، ولكن حالتي زادت سوءاً، وبعد مراجعتي لأحد الأطباء نصحني بإجراء تدخل طبي عاجل لإزالة الفيلر بالليزر بسبب ضغطه على المنطقة”.

تكلفة العملية الواحدة تتراوح بين بضع مئات إلى أكثر من ألف دولار، بحسب نوع الفيلر، وعدد الحقن المستخدمة، إضافة إلى سمعة المركز.

بعض الأطباء يشيرون إلى أن جزءاً من هذه المواد يدخل عبر قنوات رسمية ويخضع للرقابة، لكن آخرين لا يستبعدون وجود سوق موازية لمواد الفيلر مجهولة المصدر أو رخيصة الثمن، تُجلب بطرق غير نظامية، ما يرفع هامش الربح ويضاعف المخاطر على الزبائن.

حاولنا التحدث مع عدّة أطباء تجميل تروج صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه العملية، ولكنهم رفضوا الإدلاء بأي تصريح بحجج من بينها عدم الاهتمام بالمشاركة واعتبارها استهدافاً تسويقياً، أو عدم رغبتهم بالكشف عن أسرار المهنة.

أحد أطباء التجميل، رفض الكشف عن اسمه، يؤكد أن انخفاض التكلفة في العراق لا يرجع إلى استخدام مواد غير أصلية، ولكن إلى استيراد مواد من منشأ غير معروف، ومن فئة أقل تكلفة، أو درجة ثانية كما يطلق عليها، ويؤكد أن بعض المراكز تلجأ إلى مواد مجهولة المصدر لتقليل المصاريف وزيادة الأرباح.

في الحقيقة، وعند مقارنة الأسعار، فإن التكلفة في العراق أقل من الدول المجاورة جميعاً، ويصل متوسط تكاليف العملية إلى نحو ألف دولار، أما في تركيا فتتراوح التكلفة ما بين 1400 و2500 دولار، وبتكاليف مشابهة في لبنان، وأكثر منها في الإمارات.

تحت الجلد.. ما الذي يحدث أثناء حقن الفيلر؟

على الرغم من أن مراكز التجميل تروّج لحقن الفيلر باعتبارها إجراء بسيطاً وسريعاً، ولكن الجانب الطبي يكشف صورة أكثر تعقيداً. يقول عبد الله الكناني، طبيب المسالك البولية، إن الإجراء يتم من خلال حقن مادة هلامية، غالباً حمض الهيالورونيك، تحت جلد القضيب لزيادة سمك العضو الذكري.

ويضيف لجمّار أن العملية لا تتجاوز نصف ساعة، ولا تحتاج إلى تخدير عام، وهو ما يجعلها تبدو آمنة ومغرية للزبائن: “العراق لا يزال جديداً على هذا المجال، ولكن كثيراً من الجمعيات الطبية والعلمية الأمريكية والأوروبية تحذر من اعتماد هذا الإجراء، باعتبار أن الفيلر مخصص للوجه وليس للمناطق الحساسية”.

يشير الكناني إلى أن منطقة العضو الذكري مليئة بالأنسجة، وقد يؤدي أي تدخل إلى إتلاف هذه الأنسجة والأعصاب والأوردة الدموية، وفقدان الإحساس بالمنطقة بسبب الضغط الهلامي الحاصل، إضافة إلى الإصابة بالالتهابات الموضعية والتكتلات غير المتجانسة، ووصولاً إلى مشكلات جنسية مزمنة في حال الحقن بطريقة خاطئة، وبعض الحالات تطلبت لاحقاً عمليات جراحية لإزالة الفيلر، وهو ما يترك آثاراً جسدية ونفسية طويلة الأمد.

إبر بلا تشريع.. عندما تتحول العناية إلى ضرر

علاء (26 عاماً)، من محافظة ديالى، لجأ إلى بغداد من أجل الخضوع لهذا العلاج أيضاً، يقول: “حُقنت بالفيلر، ولكن النتائج لم تظهر نهائياً”.

لم يطلب منه الطبيب أي تحليل طبي سواء قبل الإجراء أو بعده، وأخبره فوراً أن جسمه امتص المادة، ويجب عليه حقن أبر أخرى، ولكنه رفض ذلك.

هذه القصص لا تبين الحقيقة كاملة، فالبعض قد وجدوا نتائج إيجابية لحقن الفيلر ولو لفترة مؤقتة، لكن كثر يتجنبون الحديث عن هذا الإجراء بشكل صريح، في ظل غياب أي تشريع قانوني يخص الطب التجميلي والمواد المستخدمة في هذا المجال، ما أدى إلى تفاقم الأزمة.

في الوقت الذي تنتشر فيه عمليات تكبير القضيب بالفيلر داخل عيادات التجميل في العراق، وخاصة في المناطق الكبرى مثل بغداد والبصرة والموصل وكركوك، يظل الإطار القانوني لهذه الممارسة غير خاضع للرقابة.

إذ لا توجد نصوص صريحة في التشريعات الصحية تحدد ما إذا كانت هذه العمليات من ضمن الإجراءات الطبية المسموح بها، أم تصنف كتدخلات غير مشروعة، وتستغل الكثير من المراكز هذا الجانب للعمل بحرية شبه كاملة، مستغلة غياب الرقابة الصحية.

ورغم وجود ضوابط تنظم العمل، مثل أوامر نقابة الأطباء رقم 4253 لعام 2017، إلا أن نص الضوابط نفسه يتضمن تناقضاً واضحاً، فالبند (أولاً/ثانياً) يشترط أن يكون الإشراف محصوراً بأطباء الجراحة التجميلية أو الأمراض الجلدية، ويمنع غيرهم من إجراء التدخلات التجميلية. لكن البند الخامس يسمح بالعمل “بالمعية وتحت إشراف الطبيب الاختصاص”، وهو تعبير مبهم قد يُفهم منه السماح لأطباء من اختصاصات أخرى بالمشاركة في هذه الإجراءات. ثم يأتي البند السادس ليؤكد مجدداً أن الاختصاصات الأخرى لا يحق لها إجراء التدخلات التجميلية إلا ضمن حدود اختصاصها، ما يعكس ارتباكاً وتضارباً في صياغة التعليمات.

البند السابع اشترط أن يكون مساعدو الطبيب من الملاكات الصحية الحاصلين على إجازة ممارسة المهنة، لكنه لم يحدد بوضوح طبيعة هذه المهن، وهل تشمل أطباء الأسنان أو غيرهم.

وكانت وزارة الصحة العراقية قد منعت في السادس من أيار 2024، أطباء الأسنان من حقن “الميزوثيرابي والفيلر والبوتكس وجميع مواد التجميل”، واعترضت نقابة أطباء الأسنان على هذا المنع، ولكن مجلس القضاء الأعلى أصدر في أواخر العام نفسه قراراً نهائياً بإلغاء طلب نقابة أطباء الأسنان، مؤكداً منعهم من هذه الممارسات.

بعض الأطباء يؤكدون أن مادة الفيلر تصل إلى السوق عبر قنوات رسمية مرخصة، بينما يشير آخرون إلى أن جزءاً كبيراً منها يدخل بطرق غير نظامية أو يُباع في السوق السوداء.

مصدر في وزارة الصحة، يوضح أن من الناحية الإجرائية لا يطلب من المراكز سوى تسجيلها كعيادات تجميل، وكشف عدد وخلفية العاملين في المركز، دون الحاجة إلى تراخيص خاصة لإجراء هذه العمليات الحساسة، وكثير من هذه المراكز لا يلتزم بهذا الكشف، ويستبدل بموظفيه المختصين آخرين قد يكونون حاصلين على شهادات أدنى أو خاضوا دورات تدريب على تقنيات التجميل فقط.

وأكد أن الوزارة تشن العديد من عمليات التفتيش على هذه المجمعات، ولكن بسبب عدم وضوح التشريعات فإن التفتيش يقتصر على البحث عن تخصص المزاولين داخلها وعن مواد تالفة أو غير أصلية، ويؤكد أن الوزارة تشرف رسمياً على استيراد المواد الطبية، لكنها نادراً ما تتابع كيفية استخدامها في المراكز الخاصة.

ورغم تزايد الإعلانات الخاصة بحقن الفيلر في العضو الذكري، لا تتوفر أرقام رسمية دقيقة حول حجم هذه الظاهرة من قبل وزارة الصحة أو نقابة الأطباء، كما لا تتوفر معلومات عن عدد الشكاوى الطبية المسجلة ضد هذه الإجراءات، سواء بسبب المضاعفات أو استخدام مواد غير مرخصة.

هذا الغياب شبه التام للبيانات والإحصاءات يجعل من الصعب تقييم حجم المشكلة بشكل علمي، ويفتح المجال أمام الاستغلال التجاري غير المنظم، ويعقّد جهود الرقابة والمحاسبة.

غياب الشفافية في هذا النوع من الإجراءات يزيد من مخاطر تكرار الأخطاء الطبية، ويجعل المتضررين في وضع قانوني ضعيف يصعّب عليهم المطالبة بحقوقهم.

الفراغ التنظيمي يجعل العراق مختلفاً عن دول مجاورة مثل تركيا، حيث تخضع مثل هذه الإجراءات لضوابط دقيقة، وتتطلب إشرافاً مباشراً من نقابات الأطباء.

وفي هذا الصدد، طرحنا مجموعة من الأسئلة على مدير إعلام نقابة الأطباء، ولكنه تعذّر “بعدم تلقيه إجابة من الأطباء المختصين بسبب انشغالهم”.

هذا الأمر يضع المريض تحت مجهر المخاطر، فقد يتعرض لمضاعفات جسيمة، ولكنه يجد نفسه بلا سند قانوني حقيقي لمحاسبة المركز أو الطبيب، وحتى في حال اللجوء إلى المحاكم، فغالباً ما يسجل الملف تحت بند أخطاء طبية، دون توصيف خاص لهذه العمليات.