دارميات للحب ونعي للمآتم.. شاعرات عراقيات خلف الستار

علي كرم الخليفة

11 كانون الأول 2025

ترتفع أصوات النساء في فضاء يهيمن عليه الرجال، فيتصدع جدار صلب شيدته الأعراف والعشيرة، وتتسلل القصيدة من بين ثقوب الصمت لتعلن تمردها.. قصة شاعرات عراقيات خلف الستار..

أن تكتب النساء الشعر ويتغزلن من خلاله داخل مجتمع ذكوري النزعة، يعني اقتحام فضاء ظل محتكراً للرجال في مضامينه الشعرية واللاشعرية.

صوت الشاعرة يواجه بيئة محكومة بسطوة العشيرة وأعرافاً تعلن بصرامة: “ليس لدينا نساء تتغزل”، خشية أن يجلب البوح بالحب عاراً للعائلة، فيما يسمح المجتمع نفسه بإنشاد النعي و”الگولات” بلا قيود.

لطالما كان النتاج الشعري الجيد يرفع صاحبه إلى مصافّ الخلود، تتردد كلماته بين الناس وتبقى حيّة في وجدانهم، لكن، ماذا لو كان هذا النتاج بلا اسم؟ مجهول الهوية، منزوع النسب، لا يشير إلى صاحبه سوى بما يتضمنه من ملامح أنثوية متمردة على القيود.

إنها المرأة التي تنشد أشعارها خلسة، تخفي صوتها خلف ستائر الليل أو جلسات الشاي، وتطلق تغزلاً جريئاً بالحبيب، تتمنى أن تحوله إلى قلادة تلبسها لعامين كاملين:

كون الحبيب يصير مگلد والبسه

وبين النهد والثوب سنتين احبسه

(مگلد: قلادة).

يلقى هذا الشعر معارضة شديدة ورفضاً قاطعاً وسط بيئة ترى في تغزل النساء عيباً، وتجرّم عشقهن العلني للرجال، وقد يفضي الأمر إلى هلاك الشاعرة أو قتلها إن سُمع صوتها يتغزل برجل غريب عن الدار، أو يُفرض عليها زواج قسري باسم العرف القبلي في محاولة لـ”إصلاح ما لا يمكن إصلاحه”، وفق ما هو شائع في الأوساط المحافظة.

لكن الشعر، بما يحمله من معاناة ووجدان، يأبى الصمت، فيصنع لنفسه حضوراً ويمنح المرأة صوتاً لا يُكمّم.

هكذا يفرض الشعر النسائي جمالياته على المجتمع والمشهد الغنائي، متوغلاً في القلوب والمسامع بعلو نبرته، ومجسداً حضوره في الأدب الشفاهي، حيث يتجلى شعر البنات في الغزل والفراق واستشعار المظلومية.

وفي المقابل، يظهر لون آخر هو النعي، الذي لا يُجرَّم من العشيرة، لأنه ينحصر في الرثاء والتعبير عن التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي يطول المرأة.

هذا اللون مقبول في الموروث الشعري، إذ يعبّر عن التفجّع وحجم الأسى، ولا يعدّ عيباً، تماماً كما اشتهرت الخنساء برثاء أخيها صخر، أما في المناسبات، أفراحاً كانت أم أتراحاً، فتتصدر الكَولات المشهد، حاضرة في الأعراس كما في المآتم.

الدارمي وأوجاعه

لا يكاد يوجد عراقي لم يحفظ بيتاً من الدارمي، أو لم يلتقط شيئاً من جماله من خلال أبويه أو أصدقائه أو من خلال الأغاني الشعبية، ومن حُرم ذلك فقد خسر واحداً من أرقى جماليات الموروث العراقي النسوي العذب، فالدارمي -غزل البنات أو نظم البنات كما يسمى- المكون من شطرين متوازنين موحدين بالقافية والوزن، يعدّ من أبرز أشكال الشعر الشعبي العراقي، لما يحمله من إيجاز مكتنز بالمعاني القوية والألفاظ المموسقة. فيه تكثيف شديد يجعل من الشطرين القصيرين قصيدة مكتملة تختصر الحكاية وتبلغ أحياناً درجة البلاغة.

لقد وُلد هذا اللون من رحم الكبت الذي فرضته البيئة العراقية على النساء، ولاسيما في الجنوب حيث نشأ الدارمي، إذ كان يُنظر إلى عشق المرأة على أنه جريمة مخلّة بالشرف، ووصمة عار تلحق بأسرتها وعشيرتها.

وهكذا، ظلت شاعرات الدارمي يكتبن بلا أسماء، خائفات من القتل أو النبذ، محرومات من الاعتراف، تماماً كما حُرمن من ممارسة حياتهن مثلما يفعل الرجل.

ولأن المرأة العراقية ترفض العيش على الهامش، ابتكرت الدارمي وجعلته سلاحاً شفهياً لمواجهة العادات والتقاليد.

سرعان ما شاع هذا اللون بين البنات، وأضحى سمة أساسية للتعبير عما يختلج في دواخلهن من حب لحبيب وقعن في غرامه، أو حيف تعرضن له، أو سوء حظ لازمهن، أو أحياناً موقف أردن إعلانه.

انتشار الدارمي ارتبط أولاً بخفة إيقاعه وسهولة حفظه وعمق معانيه الممزوجة بالعاطفة والجزالة، الأمر الذي جعل الناس يتناقلونه شفاهة، فيُحفظ ويتوارث بجمالياته. وارتبط ثانياً بكون قائلته مجهولة الهوية؛ فلا يُنسب إلى اسم صريح، إذ يعدّ ذكر اسم البنت عيباً في الأعراف القبلية.

هذه المجهولية منحت المرأة حرية التعبير والتغزل بالرجل كيفما تشاء، حتى بلغت جرأتها حدّ البوح العلني.

غير أن ما عزز حضور الدارمي ورسّخ جذوره في وجدان العراقيين كان انتقاله إلى فضاء الغناء، حين تبناه المطربون في جلساتهم الليلية وأدخلوه في أغاني الإذاعة والتلفزيون، ليصبح ركناً أصيلاً في الموروث الشعبي الغنائي.

وقد تغنى به كبار مثل مسعودة العمارتلي وداخل حسن، وخلّدته أغان واسعة الانتشار، مثل “بويه عيوني” و”دادة حسن” التي يقول مطلعها:

لا أم تِحن لبچاي لا خاله وياي

كل الوجوه ثگال من يجبل هواي

(يجبل: يُقبل).

(لا أم تتعاطف مع بكائي ولا خالة تساندني، فكل الوجوه تصير ثقيلة عندما يُقبل حبيبي).

في بيئة يعدّ فيها الحب جريمة مخلة بشرف البنت، اضطرت الشاعرة إلى التجرد من اسمها، وكادت أن تفقد صوتها الذي لا يصدح إلا باسم الحبيب:

حرّموا حتى الصوت باسمك فلا صيح

دمعتي ابطرف العين بس أرمش تطيح

وحين يتردد اسم الحبيب على الملأ يهتز قلبها كما الطير المذعور، يفرّ ولا يجد من يمسكه:

ريت الله لا ينطيك يالصحت باسمه

فر فرّة العصفور گلبي شيلزمه

وإذا خرجت في صباح قارس، لا تطلب دفء المواقد ولا سكينة البيت، بل تتمنى أن تحتضنها عباءة الحبيب الدافئة. وحتى في لحظة يسميها الموروث “ساعة الشيطان”، تلقي بالمسؤولية على ضمير المعشوق وحده:

برد الصبح گرصات لفني بعباتك

وبساعة الشيطان انت ويه ذاتك

لوحة للفنان العراقي ماهود أحمد، كتب عليها البيت أعلاه.

يكشف شعر النساء في العراق عن معاناة مكتومة تتأرجح بين الخوف والجرأة، وبين الكتمان والبوح، ليغدو مساحة تستعاد فيها ذات النساء على الرغم من محاولات قمعها.

وبين دوامة الرغبات الحميمية والخوف من أثر العضّة -التي تشبه إلى حد ما عضّة الطفل- تبوح إحدى الشاعرات بلوم خفي إلى حبيبها، أو ربما زوجها:

چم مرة گتلك جوز لتعضلي خدي

خاف الأثر ينشاف ولّانه ودي

(ولّانه ودي:وإلا أنا بودّي)، (أنا أود ذلك لكنني أخشى افتضاح الأثر).

لوحة للفنان ماهود أحمد.

إنها صورة تضع الجسد الأنثوي بين لذة البوح وحدود الخشية من الحساب الاجتماعي، حيث يتحول الأثر على الخد إلى علامة محتملة للفضيحة.

ولأن الغيرة تأخذ جزءاً من المشاعر، فإن شاعرة الدارمي -مثلها مثل الجميع- تثور غيرتها حين ترى المحبوب، الذي يسمى أحياناً “هواي” أو “الولف”، محاطاً بنساء أخريات، بعد أن أدركت أن الحصول عليه كان ثمرة تعب ودموع:

ها خاله ملتمات كلچن على هواي

جبته برشيح العين ومراجف چلاي

(رشيح العين: الدمع، مراجف چلاي: ارتجاف كليتيّ).

وللأم حضور بارز في شعر البنات، فحين تتعب الفتاة من سهاد الليل ومن إلحاح أمها كي تنام، تكشف الشاعرة عن عينيها السارقتين للنوم، كما يفعل اللص حين يقتحم البيوت في أواخر الليل:

عيني التبوگ النوم بوگ الحرامي

وامي شحيحة راي وتگلي نامي

(تبوگ: تسرق)، (عيناي تسرقان النوم مني كاللص، وأمي لها رأي شحيح المعرفة بحالتي فتطلب مني النوم).

لوحة للفنان ماهود أحمد.

أما إذا عرفت الأم سرّ عشق ابنتها وقررت التستر عليها، تبدأ بالنصح والتحذير من درب محفوف بالمخاطر أشبه بالصحراء المليئة بالأتربة الحارقة، غير أن الابنة، وقد غلبها الهوى، تردّ بصرامة أنها مستعدة أن تلتهم التراب ما دامت ستنام بين يديّ الحبيب:

يا يُمّه لتشورين شورچ مريده

ألهملي صم تراب واتوسد ايده

كل إنسان يذوق الفراق، لكن لكل روح تعبير خاص بها في وصفه، فكما يُراق السائل من القدح، أو من “جدحها” بالعامية، تُراق روح الحبيبة وهي تشاهد ظعن الحبيب يبتعد:

يا يُمّه ذاك هواي وظعونه مدت

روحي جدحها زغير ساعة وتبدت

لوحة للفنان ماهود أحمد.

قصّات شعر النساء عديدة، لكن هل من الممكن أن تتحوّل قَصة شعر، أو قصة على “الموديل”، إلى عقوبة تعاقب بها المرأة نفسها؟ تجيب الشاعرة:

راسي ارد اگصه اعليك گصة المودة

ولفي ودننه البيض شنهي اليعوده

وتضيف:

راسي ارد اگصه اعليك حد وي المتون

ما بچت مثل بچاي ليله اعله مجنون

وليلى هي ليلى العامرية، ومجنونها هو قيس بن الملوّح. والشاعرة استوحت هذه الأبيات، على ما يبدو، من ظاهرة قصّ جدائل النساء حين يُقتل رجل في حرب ما أو يُقتل حيفاً، فهي تقول لنا إنها تعرّضت إلى حيف من قبل محبوبها (ولفها)، الذي دنت منه النساء البيض وأخذنه بعيداً عنها، واستخدمت مفردة “راسي” بدلاً من “شعري”.

لوحة للفنان ماهود أحمد.

ولا ننسى الطقوس الدينية والزيارات إلى المراقد. الشاعرة حائرة هنا: أتبكي على نفسها المثقلة بالهمّ، أم على ضريح الإمام ومصيبته التي حلّت به؟ فهي خائفة من أن تهدم حسراتها وآهاتها الأسوار:

متعنية للعباس مدري ابچي لو زور

آنه من اگولن آه يتهدم السور

مراثي النساء النازفة

النعي لون من ألوان الشعر الشعبي العراقي، نشأ من رحم الفجيعة واستقر في الذاكرة الشفاهية للناس.

لا يُعرف من ابتكره أول مرة، كما هو الحال مع الدارمي، لكن الراجح أن امرأة بدأت به.

يشير باحثون، ومنهم علي الخاقاني في موسوعته عن الأدب الشعبي، إلى أن الشاعرة فدعة بنت علي آل صويّح، المولودة أواخر القرن الثامن عشر، هي أول من قالت النعي، ثم تبعتها الشاعرة شمسة البغدادية.

ارتبطت كلمة “نعي” في المخيال الشعبي بمشهد الجنازات، حيث يعلو صوت النساء خلف المشيعين بعباءاتهن السوداء، غير أن النعي لم يقتصر على رثاء الموتى، فقد اتسع ليشمل رثاء المرأة نفسها إذا أصابها ظلم أو فقر أو مرض، أو نعيها حظها العاثر الذي ربطها برجل قاس لا يرحمها، أو حتى نعي الزمن والمكان والحياة اليومية المثقلة بالمشقة.

بهذا، تجاوز النعي حدود الجنائز ليصبح مرآة لمعاناة المرأة وصدى لصرختها في وجه المجتمع والقدر.

لوحة للفنان ماهود أحمد.

أتذكر مجالس جدتي عندما كنت صغيراً، حين كانت تزورها قريباتها وصديقاتها بعد غياب طويل أرهقته المسافات والسنون. كانت تجلس بقرب رفيقاتها، وما إن يلتقين حتى تنطلق أصواتهن بتراتيل النعي، أصوات متفجعة تهزّ القلوب، وتستدرّ دموع من لا يعرف البكاء. لم تكن مجرد أبيات، بل كانت شظايا شوق ووجع فراق وتراكم ذكريات. ومن بين ما علق في ذاكرتي بيت كنّ يرددنه دائماً:

روحي وروحچ فرد معلاگ … واثنينه ما نحمل فراگ … حزن العليه اليوم مطباگ

لم أعرف معنى كلمة “معلاگ” إلا بعد زمن، وهي تعني الأعضاء الداخلية مثل القلب والكبد، أي أعمق ما في الجسد، وكذلك لم أفهم “مطباگ” في البداية، وهي تعبير عن طبقتين من الحزن بدلاً من طبقة واحدة، أي كما يقولون “قاطين من الحزن”، وكأن الألم يتراكم فوق بعضه فلا يترك لصاحبه مهرباً.

خسارات المرأة في الموروث الشعبي تبدو مضاعفة قياساً بخسارات الرجل، فهي لا تخسر الآخر فحسب، بل تعنّف جسدها وروحها معاً. الرجل، في المخيال الجمعي هو السند والحامي، وحين يقع عليها الحيف لا تجد ملجأ سوى أن تنشده وتستغيث به، وعندما يغيب أو يرحل يبقى صوته الغائب يثقل حياتها، فتتوجّه إليه بتراتيل موجوعة مثل قولها:

يا خوي أمي شوصتك … وفوگ الوصيه حبتك … أختك أمانة برگبتك

(حبتك: قبّلتك).

أما فدعة، فقد دامت على رثاء أخيها حسين كما دامت الخنساء على رثاء صخر، غير أن فدعة صاغت وجعها بالعامية، في أبيات تنبض بالمجاز الشعبي:

يحسين انت عتبة الباب.. يطرّادتي والماي خنياب.. ويعكازتي والگاع چبچاب.. ويسترتي من يطرگ شهاب.. ويحلّتي بسنين الصعاب.. ويا هيلتي يحسين يا ياب

و”الطرادة” مركب هلالي الشكل يقطع الأهوار، و”الخنياب” هو تموّج الماء، أما “الچبچاب” فهي الأرض الزلقة، و”الحلّة” هي الذهب، و”الهيلة” تصغير أهل، لتصبح القصيدة معجماً رمزياً يختصر علاقة الأخت بأخيها: سند، وستر، ومعبر بين المجهول والمأساة.

تريد المرأة أن تعزَّز في بيت رجل يتحمّل مسؤوليتها ويضحك لها ويعاملها بخفة ظل، فتقول:

يمه الوِلي شنريد منه.. نريد البشوش الضحك سنه.. نگعد ببيته بغير منة

لكن سرعان ما يتحوّل الصوت إلى مرثية للجسد المغيّب في القبر:

شلونك يبعد امك شلونك.. بعدك حلو لو خرب لونك.. حار الرمل ذبّل متونك

لوحة للفنان ماهود أحمد.

وفي لحظة حنين تستعيد المرأة ربيعها، يوم كانت تمشّط شعر إخوتها الصغار وأبناء إخوتها:

آخذ مشط وآخذ مراية.. واگعد على روس الصباية.. واخذ مزيّن للحاية

لتعود إلى نعي ذاتها في مواجهة المرض أو الفقد، وقد ذوى جسدها كفرس عربية تغير لونها:

ظليت كله شلون بشلون.. ومثل الكحيلة الطاگها اللون.. سلّيت واهلي عيب يدرون

وتشبّه قلبها الخالي بحبّة أرز جافة:

گلبي مثل حبة الشلب.. مگشرة وما بيها لب.. ما شايفه اليكره يحب

الحروب التهمت شباب العراق، فكان رحيلهم المبكر يُنعى حتى من خلال مهنة الخياط الذي يضع الأزرار ويمسّد الياقات:

يا خياط خيطلهم قميصات.. ركب الدگم واهدل القولات.. عليهم ركاب شلون حلوات

سيدة المآتم والأعراس

تحضر “الگولات” بصفتها نكهة أعراس وسيدة مآتم في آن واحد، فالنعي لا يقف عند الرثاء، بل يفيض أيضاً في لحظات الفرح.

أتذكر يوماً حين توفيت صديقة والدتي، بدأت أمي تهيئ الشعر للعزاء، فكما هو معروف في جنوب العراق، الإنشاد في العزاء واجب لا بد منه، وبعض النساء غير الشاعرات يلتجئن إلى من يحفظن الشعر ويتقنّه، ليصاحبنهن ويعطينهن الكلمات. حينها أنشدت أمي:

يا وسفه وصدگ صارت ترحلين.. مشيتي وانطفت كل الدرابين

اعترضتُ عليها واقترحت:

على زنودي أشد ذكرچ نياشين.. عليچ هموم عرمه وما تونين

رفضتْ أولاً، لكنها عادت وقالته في العزاء، لأنها رأت فيه صدق التعبير عن رفيقتها. هكذا يُتوارث الشعر لحظة الفجيعة، حيث يختلط الصوت الفردي بالذاكرة الجمعية.

لوحة للفنان ماهود أحمد.

المرأة التي تمتلك موهبة الإنشاد تسمى “الگوالة”، وهي سيدة الحضور في الأعراس والمآتم معاً، تنسج أبياتاً سهلة ممتنعة، محملة بالحماس أو الحزن، فتُخرج الكلمات من قلب الواقع النسوي، وتضفي على المجالس حرارة خاصة، سواء بالدفوف الصغيرة أو باللطم على الزنود.

في الأعراس، يتبدّل المشهد، فالشاعرة تفرح لابنها العريس بعد أن دبّ المشيب في رأسها:

ردن سود يا شيباتي ردن سود.. هاي طلبتي وامنياتي.. ردن سود يا شيباتي

وتتحول الأبيات إلى غناء متمرّد:

والله لعوف المومنه.. وارگص واصير مسودنه

وحين يكون الفخر بالبنت الجميلة، تصوغ الأم أبياتاً تعكس زهوها:

بنيتي بنت ابوها.. سبعها خاطبوها.. واحد يگل للآخر.. آنه عبد لبوها

وعلى الرغم من طول الحزن في حياة العراقيين، فإن الأغصان اليابسة تورق في عرس ما:

تعاي تباركي يا من تحبين … خضّر عودنا اليابس من سنين

لوحة للفنان ماهود أحمد.

ويبقى الجمال معياراً في الذاكرة الشعبية، فالرجل الأسمر يخلب الأنظار:

أسمر ويخبل كل القوط تلوگ اعليه

والغُرة الناعمة والرقبة البهية عنوانان للعراقيات الجميلات:

ريش انعام يا گذلتها … شيشة من الخضر رگبتها

لوحة للفنان ماهود أحمد.

“الكَوالة” في العزاء ليست طقساً عابراً، بل مشهد يختزن تراكم المأساة العراقية ويعكسها شعراً وغناءً، يكاد صوتها أن يتفوق على ما يقال في الأعراس، لأن الأذن العراقية، المثقلة بالحروب والفقد، صارت تتذوق الحزن حتى في لحظات الفرح.

ليس غريباً إذن أن نسمع صوت الشجن يتسرب حتى إلى حفل زفاف، وكأن العراق نفسه لا يعرف نشيداً صافياً بلا ندبة.

الشاعرة الشعبية تصوغ حكمتها في بيت بسيط يصف الرجل الذي لا يلوك الكلام الرديء ولا يؤذي الجار بلسانه، بل يؤنسه بكلمات تريح القلب:

يحلگك ما نگل عوجة ورِديّة … تونس الجار بحچاية مِريّة

لكنها حين تعود من المقبرة وقد تركت أحبتها تحت التراب تفصح عن شعور الوحدة الصارخ:

دفنت اهلي واجيت اليوم حيرانة … رحنه اثنينه ورديت بس آنه

هنا يظهر الفقد نفسه في اللغة، إذ يعود الجسد وحيداً فيما يظل القلب محشوراً في قبر الفقيد.

غير أن المبالغة لا تغيب عن هذا اللون من الشعر، فهي تحول الموتى إلى أبطال أسطوريين، وتعطي الفقد حجماً يتجاوز الواقع. قد تصف الشاعرة الراحل وكأنه ذهب إلى لندن وتوسّل إلى الملوك، أو أنه حاور ملك الصين بلسان غريب:

صعد لندات عمك ونترجاه … وملك الصين راح تراطن وياه

المبالغة هنا ليست ضعفاً فنياً، بل وسيلة تعويض تمنح الراحلين قدراً من الخلود الرمزي.

والسؤال النقدي الذي يطل من خلف هذه الحكايات: هل ينتحل الرجال أصوات النساء؟ يروي التراث الشعبي أن شاعراً معدماً ضحك يوماً من العوز، فقال لزوجته (واسمها جَسْم): “لماذا لا نصبح شريكين؟ أنا أكتب الشعر وأنتِ تذهبين إلى العزاءات لتنشديه” فقبلت، وسرعان ما صارت اسماً معروفاً بين النسوة، يقدّمن لها الشاي والسجائر ويغدقن عليها المال. وعندما نالت اليسر تركت زوجها خلفها، فلم يجد الرجل إلا أن يرثي حاله قائلاً:

هاي قرايتي الطلعت علَي دايه.. قيس مقدره وفنجانها بجايه.. گالت هل جحف غمتين اغمنه

البيئة الاجتماعية لا تسمح للنساء بالاستطراد الشعري الطويل، لذلك بقيت قصائد “الگوالات” قصيرة، ملتقطة الأنفاس، بينما حاول شعراء مثل مظفر النواب وذياب كزار أن يكتبوا بلسان المرأة، غير أن هذا التقمص، مهما كان صادقاً، يطرح سؤال الشرعية: هل يستطيع الرجل أن يختبر الحزن بلسان المرأة من دون أن يصادر تجربتها؟

حتى الشاعرة نفسها تدرك قيمة صوتها ومكانتها فتقول:

يا دكتور حط عنوان بيها … هاي ام الولد محد يحاچيها

إنها مطالبة واضحة بالهوية، وبالاسم، وبالاعتراف الذي لا يلغيه الرجل ولا يغطيه.

وهناك أيضاً رجال امتهنوا مهنة “الگوالة”، لم يلبسوا زي النساء لكنهم عاشوا بينهن، يندبون مثلهن، ينامون في بيوتهن ويأكلون من طعامهن. يحظى هذا “الگوال” باحترام لأنه يملك الصوت العذب والقوة الشعرية وخفة الروح، ومع انتهاء العزاء يكرّم بالنقود، إذ تحولت “الگوالة” عنده إلى مهنة، بل إلى عقد اجتماعي ضمني، فيقدم صوته ودموعه ليمنحه المجتمع الرزق والاعتراف.

“الگوالة” إذن ليست مجرد شعر شفاهي، بل جغرافيا للفقد والهوية، هي النص الموازي لتاريخ العراق الحديث، حيث الموت دائم الحضور والقصيدة وسيلة للبقاء.

بين المبالغة والحقيقة، بين الرجل والمرأة، بين الصوت والملكية، تتجلى “الگوالة” كفنّ يعكس هشاشة الحياة اليومية، ويعيد إنتاجها في شكل نواح منظم، يوازن بين الفاجعة والنجاة.

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

أن تكتب النساء الشعر ويتغزلن من خلاله داخل مجتمع ذكوري النزعة، يعني اقتحام فضاء ظل محتكراً للرجال في مضامينه الشعرية واللاشعرية.

صوت الشاعرة يواجه بيئة محكومة بسطوة العشيرة وأعرافاً تعلن بصرامة: “ليس لدينا نساء تتغزل”، خشية أن يجلب البوح بالحب عاراً للعائلة، فيما يسمح المجتمع نفسه بإنشاد النعي و”الگولات” بلا قيود.

لطالما كان النتاج الشعري الجيد يرفع صاحبه إلى مصافّ الخلود، تتردد كلماته بين الناس وتبقى حيّة في وجدانهم، لكن، ماذا لو كان هذا النتاج بلا اسم؟ مجهول الهوية، منزوع النسب، لا يشير إلى صاحبه سوى بما يتضمنه من ملامح أنثوية متمردة على القيود.

إنها المرأة التي تنشد أشعارها خلسة، تخفي صوتها خلف ستائر الليل أو جلسات الشاي، وتطلق تغزلاً جريئاً بالحبيب، تتمنى أن تحوله إلى قلادة تلبسها لعامين كاملين:

كون الحبيب يصير مگلد والبسه

وبين النهد والثوب سنتين احبسه

(مگلد: قلادة).

يلقى هذا الشعر معارضة شديدة ورفضاً قاطعاً وسط بيئة ترى في تغزل النساء عيباً، وتجرّم عشقهن العلني للرجال، وقد يفضي الأمر إلى هلاك الشاعرة أو قتلها إن سُمع صوتها يتغزل برجل غريب عن الدار، أو يُفرض عليها زواج قسري باسم العرف القبلي في محاولة لـ”إصلاح ما لا يمكن إصلاحه”، وفق ما هو شائع في الأوساط المحافظة.

لكن الشعر، بما يحمله من معاناة ووجدان، يأبى الصمت، فيصنع لنفسه حضوراً ويمنح المرأة صوتاً لا يُكمّم.

هكذا يفرض الشعر النسائي جمالياته على المجتمع والمشهد الغنائي، متوغلاً في القلوب والمسامع بعلو نبرته، ومجسداً حضوره في الأدب الشفاهي، حيث يتجلى شعر البنات في الغزل والفراق واستشعار المظلومية.

وفي المقابل، يظهر لون آخر هو النعي، الذي لا يُجرَّم من العشيرة، لأنه ينحصر في الرثاء والتعبير عن التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي يطول المرأة.

هذا اللون مقبول في الموروث الشعري، إذ يعبّر عن التفجّع وحجم الأسى، ولا يعدّ عيباً، تماماً كما اشتهرت الخنساء برثاء أخيها صخر، أما في المناسبات، أفراحاً كانت أم أتراحاً، فتتصدر الكَولات المشهد، حاضرة في الأعراس كما في المآتم.

الدارمي وأوجاعه

لا يكاد يوجد عراقي لم يحفظ بيتاً من الدارمي، أو لم يلتقط شيئاً من جماله من خلال أبويه أو أصدقائه أو من خلال الأغاني الشعبية، ومن حُرم ذلك فقد خسر واحداً من أرقى جماليات الموروث العراقي النسوي العذب، فالدارمي -غزل البنات أو نظم البنات كما يسمى- المكون من شطرين متوازنين موحدين بالقافية والوزن، يعدّ من أبرز أشكال الشعر الشعبي العراقي، لما يحمله من إيجاز مكتنز بالمعاني القوية والألفاظ المموسقة. فيه تكثيف شديد يجعل من الشطرين القصيرين قصيدة مكتملة تختصر الحكاية وتبلغ أحياناً درجة البلاغة.

لقد وُلد هذا اللون من رحم الكبت الذي فرضته البيئة العراقية على النساء، ولاسيما في الجنوب حيث نشأ الدارمي، إذ كان يُنظر إلى عشق المرأة على أنه جريمة مخلّة بالشرف، ووصمة عار تلحق بأسرتها وعشيرتها.

وهكذا، ظلت شاعرات الدارمي يكتبن بلا أسماء، خائفات من القتل أو النبذ، محرومات من الاعتراف، تماماً كما حُرمن من ممارسة حياتهن مثلما يفعل الرجل.

ولأن المرأة العراقية ترفض العيش على الهامش، ابتكرت الدارمي وجعلته سلاحاً شفهياً لمواجهة العادات والتقاليد.

سرعان ما شاع هذا اللون بين البنات، وأضحى سمة أساسية للتعبير عما يختلج في دواخلهن من حب لحبيب وقعن في غرامه، أو حيف تعرضن له، أو سوء حظ لازمهن، أو أحياناً موقف أردن إعلانه.

انتشار الدارمي ارتبط أولاً بخفة إيقاعه وسهولة حفظه وعمق معانيه الممزوجة بالعاطفة والجزالة، الأمر الذي جعل الناس يتناقلونه شفاهة، فيُحفظ ويتوارث بجمالياته. وارتبط ثانياً بكون قائلته مجهولة الهوية؛ فلا يُنسب إلى اسم صريح، إذ يعدّ ذكر اسم البنت عيباً في الأعراف القبلية.

هذه المجهولية منحت المرأة حرية التعبير والتغزل بالرجل كيفما تشاء، حتى بلغت جرأتها حدّ البوح العلني.

غير أن ما عزز حضور الدارمي ورسّخ جذوره في وجدان العراقيين كان انتقاله إلى فضاء الغناء، حين تبناه المطربون في جلساتهم الليلية وأدخلوه في أغاني الإذاعة والتلفزيون، ليصبح ركناً أصيلاً في الموروث الشعبي الغنائي.

وقد تغنى به كبار مثل مسعودة العمارتلي وداخل حسن، وخلّدته أغان واسعة الانتشار، مثل “بويه عيوني” و”دادة حسن” التي يقول مطلعها:

لا أم تِحن لبچاي لا خاله وياي

كل الوجوه ثگال من يجبل هواي

(يجبل: يُقبل).

(لا أم تتعاطف مع بكائي ولا خالة تساندني، فكل الوجوه تصير ثقيلة عندما يُقبل حبيبي).

في بيئة يعدّ فيها الحب جريمة مخلة بشرف البنت، اضطرت الشاعرة إلى التجرد من اسمها، وكادت أن تفقد صوتها الذي لا يصدح إلا باسم الحبيب:

حرّموا حتى الصوت باسمك فلا صيح

دمعتي ابطرف العين بس أرمش تطيح

وحين يتردد اسم الحبيب على الملأ يهتز قلبها كما الطير المذعور، يفرّ ولا يجد من يمسكه:

ريت الله لا ينطيك يالصحت باسمه

فر فرّة العصفور گلبي شيلزمه

وإذا خرجت في صباح قارس، لا تطلب دفء المواقد ولا سكينة البيت، بل تتمنى أن تحتضنها عباءة الحبيب الدافئة. وحتى في لحظة يسميها الموروث “ساعة الشيطان”، تلقي بالمسؤولية على ضمير المعشوق وحده:

برد الصبح گرصات لفني بعباتك

وبساعة الشيطان انت ويه ذاتك

لوحة للفنان العراقي ماهود أحمد، كتب عليها البيت أعلاه.

يكشف شعر النساء في العراق عن معاناة مكتومة تتأرجح بين الخوف والجرأة، وبين الكتمان والبوح، ليغدو مساحة تستعاد فيها ذات النساء على الرغم من محاولات قمعها.

وبين دوامة الرغبات الحميمية والخوف من أثر العضّة -التي تشبه إلى حد ما عضّة الطفل- تبوح إحدى الشاعرات بلوم خفي إلى حبيبها، أو ربما زوجها:

چم مرة گتلك جوز لتعضلي خدي

خاف الأثر ينشاف ولّانه ودي

(ولّانه ودي:وإلا أنا بودّي)، (أنا أود ذلك لكنني أخشى افتضاح الأثر).

لوحة للفنان ماهود أحمد.

إنها صورة تضع الجسد الأنثوي بين لذة البوح وحدود الخشية من الحساب الاجتماعي، حيث يتحول الأثر على الخد إلى علامة محتملة للفضيحة.

ولأن الغيرة تأخذ جزءاً من المشاعر، فإن شاعرة الدارمي -مثلها مثل الجميع- تثور غيرتها حين ترى المحبوب، الذي يسمى أحياناً “هواي” أو “الولف”، محاطاً بنساء أخريات، بعد أن أدركت أن الحصول عليه كان ثمرة تعب ودموع:

ها خاله ملتمات كلچن على هواي

جبته برشيح العين ومراجف چلاي

(رشيح العين: الدمع، مراجف چلاي: ارتجاف كليتيّ).

وللأم حضور بارز في شعر البنات، فحين تتعب الفتاة من سهاد الليل ومن إلحاح أمها كي تنام، تكشف الشاعرة عن عينيها السارقتين للنوم، كما يفعل اللص حين يقتحم البيوت في أواخر الليل:

عيني التبوگ النوم بوگ الحرامي

وامي شحيحة راي وتگلي نامي

(تبوگ: تسرق)، (عيناي تسرقان النوم مني كاللص، وأمي لها رأي شحيح المعرفة بحالتي فتطلب مني النوم).

لوحة للفنان ماهود أحمد.

أما إذا عرفت الأم سرّ عشق ابنتها وقررت التستر عليها، تبدأ بالنصح والتحذير من درب محفوف بالمخاطر أشبه بالصحراء المليئة بالأتربة الحارقة، غير أن الابنة، وقد غلبها الهوى، تردّ بصرامة أنها مستعدة أن تلتهم التراب ما دامت ستنام بين يديّ الحبيب:

يا يُمّه لتشورين شورچ مريده

ألهملي صم تراب واتوسد ايده

كل إنسان يذوق الفراق، لكن لكل روح تعبير خاص بها في وصفه، فكما يُراق السائل من القدح، أو من “جدحها” بالعامية، تُراق روح الحبيبة وهي تشاهد ظعن الحبيب يبتعد:

يا يُمّه ذاك هواي وظعونه مدت

روحي جدحها زغير ساعة وتبدت

لوحة للفنان ماهود أحمد.

قصّات شعر النساء عديدة، لكن هل من الممكن أن تتحوّل قَصة شعر، أو قصة على “الموديل”، إلى عقوبة تعاقب بها المرأة نفسها؟ تجيب الشاعرة:

راسي ارد اگصه اعليك گصة المودة

ولفي ودننه البيض شنهي اليعوده

وتضيف:

راسي ارد اگصه اعليك حد وي المتون

ما بچت مثل بچاي ليله اعله مجنون

وليلى هي ليلى العامرية، ومجنونها هو قيس بن الملوّح. والشاعرة استوحت هذه الأبيات، على ما يبدو، من ظاهرة قصّ جدائل النساء حين يُقتل رجل في حرب ما أو يُقتل حيفاً، فهي تقول لنا إنها تعرّضت إلى حيف من قبل محبوبها (ولفها)، الذي دنت منه النساء البيض وأخذنه بعيداً عنها، واستخدمت مفردة “راسي” بدلاً من “شعري”.

لوحة للفنان ماهود أحمد.

ولا ننسى الطقوس الدينية والزيارات إلى المراقد. الشاعرة حائرة هنا: أتبكي على نفسها المثقلة بالهمّ، أم على ضريح الإمام ومصيبته التي حلّت به؟ فهي خائفة من أن تهدم حسراتها وآهاتها الأسوار:

متعنية للعباس مدري ابچي لو زور

آنه من اگولن آه يتهدم السور

مراثي النساء النازفة

النعي لون من ألوان الشعر الشعبي العراقي، نشأ من رحم الفجيعة واستقر في الذاكرة الشفاهية للناس.

لا يُعرف من ابتكره أول مرة، كما هو الحال مع الدارمي، لكن الراجح أن امرأة بدأت به.

يشير باحثون، ومنهم علي الخاقاني في موسوعته عن الأدب الشعبي، إلى أن الشاعرة فدعة بنت علي آل صويّح، المولودة أواخر القرن الثامن عشر، هي أول من قالت النعي، ثم تبعتها الشاعرة شمسة البغدادية.

ارتبطت كلمة “نعي” في المخيال الشعبي بمشهد الجنازات، حيث يعلو صوت النساء خلف المشيعين بعباءاتهن السوداء، غير أن النعي لم يقتصر على رثاء الموتى، فقد اتسع ليشمل رثاء المرأة نفسها إذا أصابها ظلم أو فقر أو مرض، أو نعيها حظها العاثر الذي ربطها برجل قاس لا يرحمها، أو حتى نعي الزمن والمكان والحياة اليومية المثقلة بالمشقة.

بهذا، تجاوز النعي حدود الجنائز ليصبح مرآة لمعاناة المرأة وصدى لصرختها في وجه المجتمع والقدر.

لوحة للفنان ماهود أحمد.

أتذكر مجالس جدتي عندما كنت صغيراً، حين كانت تزورها قريباتها وصديقاتها بعد غياب طويل أرهقته المسافات والسنون. كانت تجلس بقرب رفيقاتها، وما إن يلتقين حتى تنطلق أصواتهن بتراتيل النعي، أصوات متفجعة تهزّ القلوب، وتستدرّ دموع من لا يعرف البكاء. لم تكن مجرد أبيات، بل كانت شظايا شوق ووجع فراق وتراكم ذكريات. ومن بين ما علق في ذاكرتي بيت كنّ يرددنه دائماً:

روحي وروحچ فرد معلاگ … واثنينه ما نحمل فراگ … حزن العليه اليوم مطباگ

لم أعرف معنى كلمة “معلاگ” إلا بعد زمن، وهي تعني الأعضاء الداخلية مثل القلب والكبد، أي أعمق ما في الجسد، وكذلك لم أفهم “مطباگ” في البداية، وهي تعبير عن طبقتين من الحزن بدلاً من طبقة واحدة، أي كما يقولون “قاطين من الحزن”، وكأن الألم يتراكم فوق بعضه فلا يترك لصاحبه مهرباً.

خسارات المرأة في الموروث الشعبي تبدو مضاعفة قياساً بخسارات الرجل، فهي لا تخسر الآخر فحسب، بل تعنّف جسدها وروحها معاً. الرجل، في المخيال الجمعي هو السند والحامي، وحين يقع عليها الحيف لا تجد ملجأ سوى أن تنشده وتستغيث به، وعندما يغيب أو يرحل يبقى صوته الغائب يثقل حياتها، فتتوجّه إليه بتراتيل موجوعة مثل قولها:

يا خوي أمي شوصتك … وفوگ الوصيه حبتك … أختك أمانة برگبتك

(حبتك: قبّلتك).

أما فدعة، فقد دامت على رثاء أخيها حسين كما دامت الخنساء على رثاء صخر، غير أن فدعة صاغت وجعها بالعامية، في أبيات تنبض بالمجاز الشعبي:

يحسين انت عتبة الباب.. يطرّادتي والماي خنياب.. ويعكازتي والگاع چبچاب.. ويسترتي من يطرگ شهاب.. ويحلّتي بسنين الصعاب.. ويا هيلتي يحسين يا ياب

و”الطرادة” مركب هلالي الشكل يقطع الأهوار، و”الخنياب” هو تموّج الماء، أما “الچبچاب” فهي الأرض الزلقة، و”الحلّة” هي الذهب، و”الهيلة” تصغير أهل، لتصبح القصيدة معجماً رمزياً يختصر علاقة الأخت بأخيها: سند، وستر، ومعبر بين المجهول والمأساة.

تريد المرأة أن تعزَّز في بيت رجل يتحمّل مسؤوليتها ويضحك لها ويعاملها بخفة ظل، فتقول:

يمه الوِلي شنريد منه.. نريد البشوش الضحك سنه.. نگعد ببيته بغير منة

لكن سرعان ما يتحوّل الصوت إلى مرثية للجسد المغيّب في القبر:

شلونك يبعد امك شلونك.. بعدك حلو لو خرب لونك.. حار الرمل ذبّل متونك

لوحة للفنان ماهود أحمد.

وفي لحظة حنين تستعيد المرأة ربيعها، يوم كانت تمشّط شعر إخوتها الصغار وأبناء إخوتها:

آخذ مشط وآخذ مراية.. واگعد على روس الصباية.. واخذ مزيّن للحاية

لتعود إلى نعي ذاتها في مواجهة المرض أو الفقد، وقد ذوى جسدها كفرس عربية تغير لونها:

ظليت كله شلون بشلون.. ومثل الكحيلة الطاگها اللون.. سلّيت واهلي عيب يدرون

وتشبّه قلبها الخالي بحبّة أرز جافة:

گلبي مثل حبة الشلب.. مگشرة وما بيها لب.. ما شايفه اليكره يحب

الحروب التهمت شباب العراق، فكان رحيلهم المبكر يُنعى حتى من خلال مهنة الخياط الذي يضع الأزرار ويمسّد الياقات:

يا خياط خيطلهم قميصات.. ركب الدگم واهدل القولات.. عليهم ركاب شلون حلوات

سيدة المآتم والأعراس

تحضر “الگولات” بصفتها نكهة أعراس وسيدة مآتم في آن واحد، فالنعي لا يقف عند الرثاء، بل يفيض أيضاً في لحظات الفرح.

أتذكر يوماً حين توفيت صديقة والدتي، بدأت أمي تهيئ الشعر للعزاء، فكما هو معروف في جنوب العراق، الإنشاد في العزاء واجب لا بد منه، وبعض النساء غير الشاعرات يلتجئن إلى من يحفظن الشعر ويتقنّه، ليصاحبنهن ويعطينهن الكلمات. حينها أنشدت أمي:

يا وسفه وصدگ صارت ترحلين.. مشيتي وانطفت كل الدرابين

اعترضتُ عليها واقترحت:

على زنودي أشد ذكرچ نياشين.. عليچ هموم عرمه وما تونين

رفضتْ أولاً، لكنها عادت وقالته في العزاء، لأنها رأت فيه صدق التعبير عن رفيقتها. هكذا يُتوارث الشعر لحظة الفجيعة، حيث يختلط الصوت الفردي بالذاكرة الجمعية.

لوحة للفنان ماهود أحمد.

المرأة التي تمتلك موهبة الإنشاد تسمى “الگوالة”، وهي سيدة الحضور في الأعراس والمآتم معاً، تنسج أبياتاً سهلة ممتنعة، محملة بالحماس أو الحزن، فتُخرج الكلمات من قلب الواقع النسوي، وتضفي على المجالس حرارة خاصة، سواء بالدفوف الصغيرة أو باللطم على الزنود.

في الأعراس، يتبدّل المشهد، فالشاعرة تفرح لابنها العريس بعد أن دبّ المشيب في رأسها:

ردن سود يا شيباتي ردن سود.. هاي طلبتي وامنياتي.. ردن سود يا شيباتي

وتتحول الأبيات إلى غناء متمرّد:

والله لعوف المومنه.. وارگص واصير مسودنه

وحين يكون الفخر بالبنت الجميلة، تصوغ الأم أبياتاً تعكس زهوها:

بنيتي بنت ابوها.. سبعها خاطبوها.. واحد يگل للآخر.. آنه عبد لبوها

وعلى الرغم من طول الحزن في حياة العراقيين، فإن الأغصان اليابسة تورق في عرس ما:

تعاي تباركي يا من تحبين … خضّر عودنا اليابس من سنين

لوحة للفنان ماهود أحمد.

ويبقى الجمال معياراً في الذاكرة الشعبية، فالرجل الأسمر يخلب الأنظار:

أسمر ويخبل كل القوط تلوگ اعليه

والغُرة الناعمة والرقبة البهية عنوانان للعراقيات الجميلات:

ريش انعام يا گذلتها … شيشة من الخضر رگبتها

لوحة للفنان ماهود أحمد.

“الكَوالة” في العزاء ليست طقساً عابراً، بل مشهد يختزن تراكم المأساة العراقية ويعكسها شعراً وغناءً، يكاد صوتها أن يتفوق على ما يقال في الأعراس، لأن الأذن العراقية، المثقلة بالحروب والفقد، صارت تتذوق الحزن حتى في لحظات الفرح.

ليس غريباً إذن أن نسمع صوت الشجن يتسرب حتى إلى حفل زفاف، وكأن العراق نفسه لا يعرف نشيداً صافياً بلا ندبة.

الشاعرة الشعبية تصوغ حكمتها في بيت بسيط يصف الرجل الذي لا يلوك الكلام الرديء ولا يؤذي الجار بلسانه، بل يؤنسه بكلمات تريح القلب:

يحلگك ما نگل عوجة ورِديّة … تونس الجار بحچاية مِريّة

لكنها حين تعود من المقبرة وقد تركت أحبتها تحت التراب تفصح عن شعور الوحدة الصارخ:

دفنت اهلي واجيت اليوم حيرانة … رحنه اثنينه ورديت بس آنه

هنا يظهر الفقد نفسه في اللغة، إذ يعود الجسد وحيداً فيما يظل القلب محشوراً في قبر الفقيد.

غير أن المبالغة لا تغيب عن هذا اللون من الشعر، فهي تحول الموتى إلى أبطال أسطوريين، وتعطي الفقد حجماً يتجاوز الواقع. قد تصف الشاعرة الراحل وكأنه ذهب إلى لندن وتوسّل إلى الملوك، أو أنه حاور ملك الصين بلسان غريب:

صعد لندات عمك ونترجاه … وملك الصين راح تراطن وياه

المبالغة هنا ليست ضعفاً فنياً، بل وسيلة تعويض تمنح الراحلين قدراً من الخلود الرمزي.

والسؤال النقدي الذي يطل من خلف هذه الحكايات: هل ينتحل الرجال أصوات النساء؟ يروي التراث الشعبي أن شاعراً معدماً ضحك يوماً من العوز، فقال لزوجته (واسمها جَسْم): “لماذا لا نصبح شريكين؟ أنا أكتب الشعر وأنتِ تذهبين إلى العزاءات لتنشديه” فقبلت، وسرعان ما صارت اسماً معروفاً بين النسوة، يقدّمن لها الشاي والسجائر ويغدقن عليها المال. وعندما نالت اليسر تركت زوجها خلفها، فلم يجد الرجل إلا أن يرثي حاله قائلاً:

هاي قرايتي الطلعت علَي دايه.. قيس مقدره وفنجانها بجايه.. گالت هل جحف غمتين اغمنه

البيئة الاجتماعية لا تسمح للنساء بالاستطراد الشعري الطويل، لذلك بقيت قصائد “الگوالات” قصيرة، ملتقطة الأنفاس، بينما حاول شعراء مثل مظفر النواب وذياب كزار أن يكتبوا بلسان المرأة، غير أن هذا التقمص، مهما كان صادقاً، يطرح سؤال الشرعية: هل يستطيع الرجل أن يختبر الحزن بلسان المرأة من دون أن يصادر تجربتها؟

حتى الشاعرة نفسها تدرك قيمة صوتها ومكانتها فتقول:

يا دكتور حط عنوان بيها … هاي ام الولد محد يحاچيها

إنها مطالبة واضحة بالهوية، وبالاسم، وبالاعتراف الذي لا يلغيه الرجل ولا يغطيه.

وهناك أيضاً رجال امتهنوا مهنة “الگوالة”، لم يلبسوا زي النساء لكنهم عاشوا بينهن، يندبون مثلهن، ينامون في بيوتهن ويأكلون من طعامهن. يحظى هذا “الگوال” باحترام لأنه يملك الصوت العذب والقوة الشعرية وخفة الروح، ومع انتهاء العزاء يكرّم بالنقود، إذ تحولت “الگوالة” عنده إلى مهنة، بل إلى عقد اجتماعي ضمني، فيقدم صوته ودموعه ليمنحه المجتمع الرزق والاعتراف.

“الگوالة” إذن ليست مجرد شعر شفاهي، بل جغرافيا للفقد والهوية، هي النص الموازي لتاريخ العراق الحديث، حيث الموت دائم الحضور والقصيدة وسيلة للبقاء.

بين المبالغة والحقيقة، بين الرجل والمرأة، بين الصوت والملكية، تتجلى “الگوالة” كفنّ يعكس هشاشة الحياة اليومية، ويعيد إنتاجها في شكل نواح منظم، يوازن بين الفاجعة والنجاة.