السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار 

عبد الله السعد

07 كانون الأول 2025

هذه قصة السكراب في العراق، الخردة التي خرجت من ساحات التصليح والورش، وتحولت إلى ملف اقتصادي وأمني معقّد.. من مصانع الحديد والصلب في البصرة إلى أسواق التهريب نحو كردستان وخارج الحدود.. سماسرة وفصائل ومليارات وسوق تتوسع..

في حي الحسين وسط البصرة، يتجوّل كاظم كريم بدراجته النارية الصغيرة، المعروفة شعبياً بـ”الستوتة”، امتهن كريم منذ التسعينيات مهنة ”الدوّار”، أو كما يسميها الناس ”العتاك”. 

تقوم الحرفة على جمع الحديد المستهلك وما تبقى من المواد البالية من الأزقة والشوارع، يطرق الأبواب أحياناً، وينتظر نداء الأهالي أحياناً أخرى، ليحمل ما يجده من خردة ثمّ يبيعها لاحقاً. 

يقول كاظم إن سعر الطن الواحد من السكراب اليوم يتراوح ما بين 250 ألفاً و300 ألف دينار عراقي. 

مهمته تنتهي عادة عند تسليم ما جمعه إلى السماسرة والتجار المحليين، الذين بدورهم يتوزعون على مسارات مختلفة، بعضهم يسلّم الحمولة إلى مندوبي شركات الحديد والصلب بعقود مسبقة، فيما يفضّل آخرون نقلها إلى بغداد، ومنها إلى إقليم كردستان، أو حتى تهريبها إلى خارج الحدود. 

البداية 

انطلقت صناعة الصلب الحديثة في العراق مع بداية عمليات الشركة العامة للحديد والصلب في خور الزبير بمحافظة البصرة أواخر 1978، بعد تشييدها في أوائل السبعينيات بواسطة الشركة الفرنسية كروزو- لوار (Creusot-Loire)، بالتعاون مع شركات إيطالية مساندة. 

بُنيت المنظومة على أفران قوس كهربائي قابلة للعمل بخردة الحديد، السكراب، مع إدماج تقنيات الاختزال المباشر لإنتاج الحديد الإسفنجي لاحقاً. 

تعرّض التشغيل لتوقفات خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، ثم خلال حرب الخليج الثانية 1991، ومع العقوبات الدولية، قرار 661 في آب 1990، تضاعفت صعوبات سلاسل التوريد، فارتفع الاعتماد على السكراب مع تعذُّر استيراد مادة الحديد الإسفنجي. 

قبيل 2003 توسّعت حلقات جمع السكراب من خلال شبكة في الغالب غير منظمة، تضم السماسرة وعمّال “العتاكة/الدوّارة”، فيما قيّد نظام العقوبات الدولية فرص التصدير النظامي.  

ولكن، بعد سقوط نظام صدام حسين، وتحديداً في نيسان 2004، فتحت ”سلطة الائتلاف المؤقتة” ووزارة التجارة العراقية الباب واسعاً أمام ما وُصف حينها بـ”نهب منظم” لمخزون العراق من خردة الحديد، مانحةً رخصة عامة لتصديره حتى نهاية العام مقابل خمسين ألف دينار فقط للطن.  

القرار سمح لأي شركة عراقية أو أجنبية، وبدون رخصة ورقية، بنقل كميات غير محدودة عبر سبعة منافذ حدودية، بعد دفع الرسوم في فروع مصرف الرافدين. 

اقرأ أيضاً

نهر العشار.. من العُشر إلى الهجر! 

البيان الرسمي تحدث عن “إجراءات تنظيمية”، لكنه منح الكمارك حق إعادة الوزن والتدقيق بالوصولات، غير أن هذا الإجراء، في بلد أنهكته الحروب والعقوبات، أثار جدلاً واسعاً حول مصير ثروة استراتيجية حيوية وغياب الشفافية في إدارتها. 

كانت نفايات الحديد المخصصة لتشغيل مصنع البصرة تشمل خليطاً متنوعاً، حطام سيارات وهياكل معدنية ومعدات عسكرية مدمرة خلال حربي الخليج الأولى والثانية. تشير تقارير بيئية إلى أن جزءاً من هذه المخلفات العسكرية احتوى على بقايا ذخائر اليورانيوم المنضب التي استخدمتها قوات الجيش الأمريكي، خصوصاً بعد حرب 1991.  

هذه الذخائر مثّلت موضع جدل واسع بسبب آثارها البيئية والصحية في البصرة، حيث وثّقت مؤسسات محلية ودولية تسجيل إصابات سرطانية بين العاملين في مصنع الحديد والصلب ومحيطه، مع ترجيحات بارتباطها بالتعرض لمخلّفات ملوثة. 

أحد مواقع جمع نفايات الحديد في مركز محافظة البصرة جنوبي العراق، المصدر: الكاتب. 

التضخم 

شهد العراق بعد غزو 2003 تضخماً غير مسبوق في كميات نفايات الحديد، يعود ذلك إلى عاملين رئيسيين، الأول تدمير آلاف الآليات والمعدات العسكرية والمدنية خلال العمليات القتالية، وما تلاها من تفجيرات وأعمال عنف استهدفت الأسواق والقوات الأمنية. 

أما العامل الثاني فتمثّل في الطفرة الشرائية التي دفعت مئات الآلاف من العراقيين إلى استبدال سياراتهم وأجهزتهم وممتلكاتهم القديمة بأخرى جديدة، فضلاً عن موجة إعادة إعمار شملت هدم بيوت قديمة واستخدام مواد بناء وحديد تسليح حديث. 

كما أسهم قرار مجلس الوزراء رقم 215 لسنة 2009 في زيادة الخردة، إذ اشترط القرار تسقيط سيارة قديمة مقابل تسجيل أخرى جديدة، ما أدى إلى تسقيط عشرات الآلاف من السيارات وظهور “مقابر” لها في مختلف المحافظات.  

لاحقاً، جرى تحويل كميات كبيرة من هذا السكراب إلى مصانع الشركة العامة للحديد والصلب في البصرة، بينما دخلت كميات أخرى في مسارات غير رسمية من السوق والتهريب. 

موقع تسقيط السيارات القديمة سابقاً، التابع لمديرية مرور محافظة البصرة، المصدر: الكاتب. 

مصدر في الشركة العامة للحديد والصلب في البصرة، رفض الكشف عن هويته، ذكر لنا أن المصانع تعتمد اليوم على مزيج من كتل الحديد المستوردة، خصوصاً من إيران، إلى جانب نفايات الحديد، السكراب، المملوكة للشركة. 

ووفق قرارات حكومية سابقة، فإن موجودات المؤسسات الحكومية من السكراب في محافظات الجنوب والفرات الأوسط تعود ملكيتها للشركة العامة للحديد والصلب، فيما تُعد موجودات محافظات بغداد والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك ونينوى تابعة للشركة العامة للصناعات الفولاذية في بغداد. 

عام 2013، أصدر مجلس الوزراء قراراً سمح ببيع كميات من السكراب المملوك لبعض المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص، وهو ما أتاح لأول مرة نقل السكراب بين المحافظات.  

لكن هذا القرار فتح الباب أيضاً أمام تجاوزات، إذ عمد بعض التجار إلى شراء كميات كبيرة ونقلها إلى إقليم كردستان، حيث سلك جزءاً من هذه الكميات مسارات تصدير غير رسمية. 

مع تشغيل عدد من مصانع الحديد والصلب في البصرة وكربلاء والنجف، إضافة إلى مصانع في إقليم كردستان، تراجعت عمليات التهريب تدريجياً، وأصبحت المنافسة شديدة بين مصانع القطاع الخاص على تأمين أكبر كمية من السكراب لتشغيل أفران الحث الكهربائي، التي تعتمد أساساً على الخردة كمدخل إنتاج. 

الخلاف 

لاحقاً، نشب خلاف غير مسبوق داخل وزارة الصناعة والمعادن، كشف عن واحدة من أعقد ملفات الفساد في العراق، ملف السكراب. 

شركتا الحديد والصلب والصناعات الفولاذية، وكلاهما تابعتان للوزارة نفسها، دخلتا في نزاع حاد حول أحقية ملكية عشرات آلاف الأطنان من الخردة المكدسة في موقعي الطارمية وأبو غريب.  

لجنة نيابية مختصة فتحت تحقيقاً وسط مؤشرات على “صفقة فساد”، بعدما أقدمت شركة الصناعات الفولاذية على عقد شراكة مع شركة أهلية بأسعار متدنية، لبيع نصف مليون طن من السكراب، رغم عدم حاجتها الفعلية لهذه الكمية. 

في المقابل، يرى مسؤولو الحديد والصلب أن القرار يهدد مشروع تأهيل مصانعهم، الذي أنفقت عليه الدولة أكثر من 165 مليون دولار، ويحرمهم من المادة الأولية اللازمة لتشغيل الأفران.  

النزاع خالف قرارات مجلس الوزراء (42 لسنة 2017، و100 لسنة 2018)، التي نصت على أن كل السكراب في العراق يعود لشركة الحديد والصلب، لكن محاولات لنقل الموقعين استمرت من خلال إقصاء مسؤولين معترضين وتنصيب بدائل مطيعة. 

وبينما نفت شركة الصناعات الفولاذية وجود صفقة بيع بهذا الحجم، متهمة خصومها بـ”تسريب كتب مزورة”، تبقى القضية مفتوحة على أسئلة أكبر لم تجب عنها السلطات حتى الآن. 

رافق هذا “البزنس” تجاوزات كبيرة على القوانين، إذ استغلت بعض الجهات قرار 2013 لنقل معادن أخرى مثل النحاس والألومنيوم من محافظات مختلفة إلى إقليم كردستان تحت غطاء أنها نفايات حديدية، ليُعاد تصديرها لاحقاً إلى خارج البلاد عبر منافذ غير رسمية. 

عقب سقوط نينوى بيد تنظيم داعش في حزيران 2014، شهدت عدة محافظات حملات لإعادة تأهيل معدات وآليات عسكرية قديمة، من دبابات ومدرعات وناقلات أشخاص ومدافع رشاشة كانت متروكة في مواقع حكومية منذ حروب سابقة. 

أُعيد تشغيل هذه المعدات بهدف دعم القتال ضد التنظيم، في مفارقة لافتة؛ خردة عسكرية أعيد تدويرها لتتحول مجدداً إلى قوة قتالية، ضد التنظيم الذي اجتاح مناطق واسعة من العراق. 

مقبرة آليات الجيش العراقي في التاجي شمالي بغداد، المصدر: السوشال ميديا. 

التهريب 

في هذا السياق، كشف لنا مصدر مطّلع، رفض الإفصاح عن هويته، أن بعض الجهات المسلحة استغلت فترة الحرب ضد تنظيم داعش بعد سقوط نينوى للاستحواذ على كميات من السكراب العائد لمؤسسات الدولة، تحت غطاء استخدامها في أعمال عسكرية، غير أن الكميات، بحسب المصدر، كانت تُنقل إلى شمال العراق لتباع لسماسرة وتجار في إقليم كردستان. 

المصدر ذاته أشار إلى ملفٍ آخر وصفه بـ”الأكثر خطورة”، يتعلق بسرقة كابلات الضغط العالي في إحدى دوائر وزارة خدمية في البصرة.  

بحسب المصدر، تُنظَّم كشوفات صيانة تتضمن كميات تفوق الحاجة الفعلية بنحو عشرة أضعاف، ليُعاد بيع الفائض إلى تجار الخردة.  

وذكر أن أسعار البيع تراوحت ما بين ثمانية وعشرة آلاف دينار للمتر، بينما يصل سعر المتر نفسه في الأسواق المحلية إلى ما بين 11 و15 دولاراً، في حين يُباع كابل من قياس أكبر (400 ×1) بنحو 40 ألف دينار للمتر، مقابل سعر سوقي يقارب 60 دولاراً، وقدّر المصدر أن إجمالي الكميات المتداولة في كل صفقة يقترب من ثلاثة آلاف متر. 

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي يوسف الأسدي، أن تهريب السكراب إلى خارج الحدود يرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، ويمكن إدراجه ضمن أنماط غسيل الأموال والتهرب الضريبي. 

ويشير إلى أن نقل السكراب بين المحافظات كثيراً ما يكون مدفوعاً بفوارق الأسعار، حيث يسعى السماسرة والتجار إلى تحقيق أرباح إضافية من خلال شراء الخردة في محافظة وبيعها في أخرى.  

ويضيف الأسدي أن ضعف الإجراءات الرقابية في بعض منافذ إقليم كردستان شكّل دافعاً إضافياً لتهريب الخردة، حيث يلجأ المهربون إلى طرق بديلة وغير رسمية، أحياناً بمساعدة جهات لها صلة بأجهزة أمنية، لتسهيل مرور الشحنات. 

شاحنات محملة بالسكراب المهرب تسلك طرقاً نيسمية، المصدر: السوشال ميديا. 

سامي الساعدي، خبير اقتصادي، يرى أن الجزء الأكبر من عمليات تهريب السكراب يكون من محافظات الوسط والجنوب باتجاه إقليم كردستان، غالباً عبر طرق فرعية “نيسمية” لتفادي نقاط التفتيش.  

وأشار إلى أن تدفق هذه الكميات ساهم في انتعاش مصانع الحديد والصلب في الإقليم، بينما انعكس سلباً على قدرات مصنع البصرة الذي واجه صعوبة في تأمين مدخلاته. وبيّن الساعدي أن هذا الخلل دفع العراق إلى زيادة اعتماده على إنتاج مصانع الإقليم، إلى جانب الاستيراد من الخارج، ما أضعف موقع البصرة كمركز صناعي وقلّص حصتها من السوق المحلية. 

مصدر محلي ذكر لنا أن سوق السكراب في العراق تنقسم إلى نوعين رئيسيين هما: سكراب طوب، وهو الخردة غير المفروزة التي تحتوي خليطاً من المعادن، من الحديد الثقيل والخفيف إلى الألومنيوم ومواد أخرى. 

والنوع الثاني سكراب مفروز، وهو ما يتم فرزه وتصنيفه مسبقاً بحسب النوع والوزن، كالحديد الثقيل أو الخفيف أو الألومنيوم، ويباع بسعر أعلى نظراً لسهولة استخدامه في المصانع. 

وبحسب المصدر، فإن السماسرة المحليين الذين يشترون الخردة من الباعة المتجولين المعروفين بالدوّارة هم الذين يحددون أسعار الشراء والبيع في السوق، سواء للباعة الصغار أو للتجار الكبار. 

موقع لجمع نفايات الحديد في أطراف حي الغدير وسط البصرة، المصدر: الكاتب. 

الضبط 

رغم اتساع تجارة السكراب بطرق غير قانونية، تسجَّل بين الحين والآخر ضربات أمنية ضد مافيات التهريب. 

في العاشر من كانون الثاني 2021، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية عن ضبط أربع شاحنات محملة بالحديد والنحاس، كانت خارجة من مقر الشركة العامة للصناعات الكهربائية في ديالى من دون موافقات رسمية.  

أوضحت الهيئة أن فريقها الميداني تابع حركة الشاحنات منذ خروجها وحتى وصولها إلى سيطرة السلام، حيث تم ضبطها وإعادتها إلى مقر الشركة، قبل أن تُكتشف داخل الموقع نفسه 15 شاحنة أخرى محملة بكميات مشابهة معدّة للتهريب. 

وفي السادس من أيار 2025، أعلنت قيادة شرطة ديالى عن إحباط محاولة تهريب أخرى، بعد ضبط أربع شاحنات محملة بنحو 120 طناً من الحديد المستهلك على طريق بغداد-كركوك.  

الشرطة أكدت أن الشاحنات كانت تُنقل بطريقة غير قانونية، في مخالفة للقرارات التي تمنع نقل السكراب بين المحافظات من دون موافقات أصولية. 

ضبط شاحنات محملة بالسكراب المعد للتهريب في محافظة ديالى، المصدر: السوشال ميديا. 

في آذار 2025، أعلن عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، ياسر إسكندر وتوت، أن قوات أمنية نفّذت عمليات استهدفت شبكات تهريب السكراب في سبع محافظات، من بينها العاصمة بغداد. 

وبحسب تصريحه لوكالة المعلومة، أسفرت العمليات عن ضبط عشرات الشاحنات المحملة بالحديد المهرب واعتقال عناصر مرتبطة بتلك الشبكات، وأكد أن المضبوطات شملت كميات كبيرة من السكراب، دون الكشف عن أرقام دقيقة لحجم المصادرات. 

ضبط شاحنات محملة بالسكراب المعد للتهريب في محافظة ديالى، المصدر: السوشال ميديا. 

في 15 تشرين الثاني 2022 أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء إعماماً استند إلى توصيات لجنة الأمر الديواني رقم 26 لسنة 2021، يقضي بعدم السماح بنقل نفايات الحديد، السكراب، من موقع إلى آخر ما لم تُستحصل موافقة وزارة البيئة، وتحديداً مركز الوقاية من الإشعاع، وذلك لضمان خلو المواد من أي تلوث إشعاعي محتمل. 

لكن بعد أقل من عام ونصف، وتحديداً في 27 شباط 2024، أصدر مجلس الوزراء توجيهات جديدة إلى وزارات الداخلية والدفاع وجهاز الأمن الوطني وقيادة عمليات بغداد، تضمنت إلغاء جميع التعاميم والضوابط السابقة التي قيدت نقل السكراب، والسماح بنقل هذه المواد دون أي قيود بين المحافظات وداخل الإقليم. 

تجارياً، وثقت قاعدة بيانات Global Trade Alert فرض العراق رسوماً كمركية جديدة في 15 نيسان 2025 على واردات حديد التسليح، بنسبة عشرة بالمئة على القياسات 10-32 مم.  

اقرأ أيضاً

تحت الخوذ وفوق الرمال: نساء يكافحن وحيدات في حقول النفط  

جاء القرار في إطار محاولات حماية المصانع الوطنية التي أعيد تشغيلها بعد سنوات التعثر، ومنحها هامشاً سعرياً أمام الواردات الأرخص القادمة من تركيا وإيران. 

غير أن هذه الحماية الكمركية لا تعالج أصل المشكلة، وهي تأمين المادة الخام، فالمصانع ما زالت تعتمد على سكراب نظيف مفروز أو على الحديد الإسفنجي (DRI)، وكلاهما يحتاج إلى سلاسل إمداد مستقرة وفحوص إشعاع وجودة صارمة. 

وفي غياب هذه الضمانات، تبقى المصانع عرضة لدورات تشغيل قصيرة، وتقلبات في الإنتاج، وارتفاع كلفة يقوّض قدرتها على منافسة الحديد المستورد. 

كم يخسر العراق في هذا القطاع؟ يصعب تقدير الخسائر المالية الناتجة عن تهريب وتسرّب السكراب بدقة، بسبب غياب قاعدة بيانات وطنية موحّدة توثق ما يُنتج ويُفحص ويُباع ويُهرَّب.  

لكن مؤشرات متفرقة تعطي تصوراً تقريبياً عن الضبطيات الأمنية، حيث تشير بيانات هيئة النزاهة والشرطة العراقية إلى تدفق مستمر لشحنات كبيرة تنقلها شاحنات كبيرة في قوافل باتجاه المنافذ الداخلية والشمالية. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

في حي الحسين وسط البصرة، يتجوّل كاظم كريم بدراجته النارية الصغيرة، المعروفة شعبياً بـ”الستوتة”، امتهن كريم منذ التسعينيات مهنة ”الدوّار”، أو كما يسميها الناس ”العتاك”. 

تقوم الحرفة على جمع الحديد المستهلك وما تبقى من المواد البالية من الأزقة والشوارع، يطرق الأبواب أحياناً، وينتظر نداء الأهالي أحياناً أخرى، ليحمل ما يجده من خردة ثمّ يبيعها لاحقاً. 

يقول كاظم إن سعر الطن الواحد من السكراب اليوم يتراوح ما بين 250 ألفاً و300 ألف دينار عراقي. 

مهمته تنتهي عادة عند تسليم ما جمعه إلى السماسرة والتجار المحليين، الذين بدورهم يتوزعون على مسارات مختلفة، بعضهم يسلّم الحمولة إلى مندوبي شركات الحديد والصلب بعقود مسبقة، فيما يفضّل آخرون نقلها إلى بغداد، ومنها إلى إقليم كردستان، أو حتى تهريبها إلى خارج الحدود. 

البداية 

انطلقت صناعة الصلب الحديثة في العراق مع بداية عمليات الشركة العامة للحديد والصلب في خور الزبير بمحافظة البصرة أواخر 1978، بعد تشييدها في أوائل السبعينيات بواسطة الشركة الفرنسية كروزو- لوار (Creusot-Loire)، بالتعاون مع شركات إيطالية مساندة. 

بُنيت المنظومة على أفران قوس كهربائي قابلة للعمل بخردة الحديد، السكراب، مع إدماج تقنيات الاختزال المباشر لإنتاج الحديد الإسفنجي لاحقاً. 

تعرّض التشغيل لتوقفات خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، ثم خلال حرب الخليج الثانية 1991، ومع العقوبات الدولية، قرار 661 في آب 1990، تضاعفت صعوبات سلاسل التوريد، فارتفع الاعتماد على السكراب مع تعذُّر استيراد مادة الحديد الإسفنجي. 

قبيل 2003 توسّعت حلقات جمع السكراب من خلال شبكة في الغالب غير منظمة، تضم السماسرة وعمّال “العتاكة/الدوّارة”، فيما قيّد نظام العقوبات الدولية فرص التصدير النظامي.  

ولكن، بعد سقوط نظام صدام حسين، وتحديداً في نيسان 2004، فتحت ”سلطة الائتلاف المؤقتة” ووزارة التجارة العراقية الباب واسعاً أمام ما وُصف حينها بـ”نهب منظم” لمخزون العراق من خردة الحديد، مانحةً رخصة عامة لتصديره حتى نهاية العام مقابل خمسين ألف دينار فقط للطن.  

القرار سمح لأي شركة عراقية أو أجنبية، وبدون رخصة ورقية، بنقل كميات غير محدودة عبر سبعة منافذ حدودية، بعد دفع الرسوم في فروع مصرف الرافدين. 

اقرأ أيضاً

نهر العشار.. من العُشر إلى الهجر! 

البيان الرسمي تحدث عن “إجراءات تنظيمية”، لكنه منح الكمارك حق إعادة الوزن والتدقيق بالوصولات، غير أن هذا الإجراء، في بلد أنهكته الحروب والعقوبات، أثار جدلاً واسعاً حول مصير ثروة استراتيجية حيوية وغياب الشفافية في إدارتها. 

كانت نفايات الحديد المخصصة لتشغيل مصنع البصرة تشمل خليطاً متنوعاً، حطام سيارات وهياكل معدنية ومعدات عسكرية مدمرة خلال حربي الخليج الأولى والثانية. تشير تقارير بيئية إلى أن جزءاً من هذه المخلفات العسكرية احتوى على بقايا ذخائر اليورانيوم المنضب التي استخدمتها قوات الجيش الأمريكي، خصوصاً بعد حرب 1991.  

هذه الذخائر مثّلت موضع جدل واسع بسبب آثارها البيئية والصحية في البصرة، حيث وثّقت مؤسسات محلية ودولية تسجيل إصابات سرطانية بين العاملين في مصنع الحديد والصلب ومحيطه، مع ترجيحات بارتباطها بالتعرض لمخلّفات ملوثة. 

أحد مواقع جمع نفايات الحديد في مركز محافظة البصرة جنوبي العراق، المصدر: الكاتب. 

التضخم 

شهد العراق بعد غزو 2003 تضخماً غير مسبوق في كميات نفايات الحديد، يعود ذلك إلى عاملين رئيسيين، الأول تدمير آلاف الآليات والمعدات العسكرية والمدنية خلال العمليات القتالية، وما تلاها من تفجيرات وأعمال عنف استهدفت الأسواق والقوات الأمنية. 

أما العامل الثاني فتمثّل في الطفرة الشرائية التي دفعت مئات الآلاف من العراقيين إلى استبدال سياراتهم وأجهزتهم وممتلكاتهم القديمة بأخرى جديدة، فضلاً عن موجة إعادة إعمار شملت هدم بيوت قديمة واستخدام مواد بناء وحديد تسليح حديث. 

كما أسهم قرار مجلس الوزراء رقم 215 لسنة 2009 في زيادة الخردة، إذ اشترط القرار تسقيط سيارة قديمة مقابل تسجيل أخرى جديدة، ما أدى إلى تسقيط عشرات الآلاف من السيارات وظهور “مقابر” لها في مختلف المحافظات.  

لاحقاً، جرى تحويل كميات كبيرة من هذا السكراب إلى مصانع الشركة العامة للحديد والصلب في البصرة، بينما دخلت كميات أخرى في مسارات غير رسمية من السوق والتهريب. 

موقع تسقيط السيارات القديمة سابقاً، التابع لمديرية مرور محافظة البصرة، المصدر: الكاتب. 

مصدر في الشركة العامة للحديد والصلب في البصرة، رفض الكشف عن هويته، ذكر لنا أن المصانع تعتمد اليوم على مزيج من كتل الحديد المستوردة، خصوصاً من إيران، إلى جانب نفايات الحديد، السكراب، المملوكة للشركة. 

ووفق قرارات حكومية سابقة، فإن موجودات المؤسسات الحكومية من السكراب في محافظات الجنوب والفرات الأوسط تعود ملكيتها للشركة العامة للحديد والصلب، فيما تُعد موجودات محافظات بغداد والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك ونينوى تابعة للشركة العامة للصناعات الفولاذية في بغداد. 

عام 2013، أصدر مجلس الوزراء قراراً سمح ببيع كميات من السكراب المملوك لبعض المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص، وهو ما أتاح لأول مرة نقل السكراب بين المحافظات.  

لكن هذا القرار فتح الباب أيضاً أمام تجاوزات، إذ عمد بعض التجار إلى شراء كميات كبيرة ونقلها إلى إقليم كردستان، حيث سلك جزءاً من هذه الكميات مسارات تصدير غير رسمية. 

مع تشغيل عدد من مصانع الحديد والصلب في البصرة وكربلاء والنجف، إضافة إلى مصانع في إقليم كردستان، تراجعت عمليات التهريب تدريجياً، وأصبحت المنافسة شديدة بين مصانع القطاع الخاص على تأمين أكبر كمية من السكراب لتشغيل أفران الحث الكهربائي، التي تعتمد أساساً على الخردة كمدخل إنتاج. 

الخلاف 

لاحقاً، نشب خلاف غير مسبوق داخل وزارة الصناعة والمعادن، كشف عن واحدة من أعقد ملفات الفساد في العراق، ملف السكراب. 

شركتا الحديد والصلب والصناعات الفولاذية، وكلاهما تابعتان للوزارة نفسها، دخلتا في نزاع حاد حول أحقية ملكية عشرات آلاف الأطنان من الخردة المكدسة في موقعي الطارمية وأبو غريب.  

لجنة نيابية مختصة فتحت تحقيقاً وسط مؤشرات على “صفقة فساد”، بعدما أقدمت شركة الصناعات الفولاذية على عقد شراكة مع شركة أهلية بأسعار متدنية، لبيع نصف مليون طن من السكراب، رغم عدم حاجتها الفعلية لهذه الكمية. 

في المقابل، يرى مسؤولو الحديد والصلب أن القرار يهدد مشروع تأهيل مصانعهم، الذي أنفقت عليه الدولة أكثر من 165 مليون دولار، ويحرمهم من المادة الأولية اللازمة لتشغيل الأفران.  

النزاع خالف قرارات مجلس الوزراء (42 لسنة 2017، و100 لسنة 2018)، التي نصت على أن كل السكراب في العراق يعود لشركة الحديد والصلب، لكن محاولات لنقل الموقعين استمرت من خلال إقصاء مسؤولين معترضين وتنصيب بدائل مطيعة. 

وبينما نفت شركة الصناعات الفولاذية وجود صفقة بيع بهذا الحجم، متهمة خصومها بـ”تسريب كتب مزورة”، تبقى القضية مفتوحة على أسئلة أكبر لم تجب عنها السلطات حتى الآن. 

رافق هذا “البزنس” تجاوزات كبيرة على القوانين، إذ استغلت بعض الجهات قرار 2013 لنقل معادن أخرى مثل النحاس والألومنيوم من محافظات مختلفة إلى إقليم كردستان تحت غطاء أنها نفايات حديدية، ليُعاد تصديرها لاحقاً إلى خارج البلاد عبر منافذ غير رسمية. 

عقب سقوط نينوى بيد تنظيم داعش في حزيران 2014، شهدت عدة محافظات حملات لإعادة تأهيل معدات وآليات عسكرية قديمة، من دبابات ومدرعات وناقلات أشخاص ومدافع رشاشة كانت متروكة في مواقع حكومية منذ حروب سابقة. 

أُعيد تشغيل هذه المعدات بهدف دعم القتال ضد التنظيم، في مفارقة لافتة؛ خردة عسكرية أعيد تدويرها لتتحول مجدداً إلى قوة قتالية، ضد التنظيم الذي اجتاح مناطق واسعة من العراق. 

مقبرة آليات الجيش العراقي في التاجي شمالي بغداد، المصدر: السوشال ميديا. 

التهريب 

في هذا السياق، كشف لنا مصدر مطّلع، رفض الإفصاح عن هويته، أن بعض الجهات المسلحة استغلت فترة الحرب ضد تنظيم داعش بعد سقوط نينوى للاستحواذ على كميات من السكراب العائد لمؤسسات الدولة، تحت غطاء استخدامها في أعمال عسكرية، غير أن الكميات، بحسب المصدر، كانت تُنقل إلى شمال العراق لتباع لسماسرة وتجار في إقليم كردستان. 

المصدر ذاته أشار إلى ملفٍ آخر وصفه بـ”الأكثر خطورة”، يتعلق بسرقة كابلات الضغط العالي في إحدى دوائر وزارة خدمية في البصرة.  

بحسب المصدر، تُنظَّم كشوفات صيانة تتضمن كميات تفوق الحاجة الفعلية بنحو عشرة أضعاف، ليُعاد بيع الفائض إلى تجار الخردة.  

وذكر أن أسعار البيع تراوحت ما بين ثمانية وعشرة آلاف دينار للمتر، بينما يصل سعر المتر نفسه في الأسواق المحلية إلى ما بين 11 و15 دولاراً، في حين يُباع كابل من قياس أكبر (400 ×1) بنحو 40 ألف دينار للمتر، مقابل سعر سوقي يقارب 60 دولاراً، وقدّر المصدر أن إجمالي الكميات المتداولة في كل صفقة يقترب من ثلاثة آلاف متر. 

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي يوسف الأسدي، أن تهريب السكراب إلى خارج الحدود يرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، ويمكن إدراجه ضمن أنماط غسيل الأموال والتهرب الضريبي. 

ويشير إلى أن نقل السكراب بين المحافظات كثيراً ما يكون مدفوعاً بفوارق الأسعار، حيث يسعى السماسرة والتجار إلى تحقيق أرباح إضافية من خلال شراء الخردة في محافظة وبيعها في أخرى.  

ويضيف الأسدي أن ضعف الإجراءات الرقابية في بعض منافذ إقليم كردستان شكّل دافعاً إضافياً لتهريب الخردة، حيث يلجأ المهربون إلى طرق بديلة وغير رسمية، أحياناً بمساعدة جهات لها صلة بأجهزة أمنية، لتسهيل مرور الشحنات. 

شاحنات محملة بالسكراب المهرب تسلك طرقاً نيسمية، المصدر: السوشال ميديا. 

سامي الساعدي، خبير اقتصادي، يرى أن الجزء الأكبر من عمليات تهريب السكراب يكون من محافظات الوسط والجنوب باتجاه إقليم كردستان، غالباً عبر طرق فرعية “نيسمية” لتفادي نقاط التفتيش.  

وأشار إلى أن تدفق هذه الكميات ساهم في انتعاش مصانع الحديد والصلب في الإقليم، بينما انعكس سلباً على قدرات مصنع البصرة الذي واجه صعوبة في تأمين مدخلاته. وبيّن الساعدي أن هذا الخلل دفع العراق إلى زيادة اعتماده على إنتاج مصانع الإقليم، إلى جانب الاستيراد من الخارج، ما أضعف موقع البصرة كمركز صناعي وقلّص حصتها من السوق المحلية. 

مصدر محلي ذكر لنا أن سوق السكراب في العراق تنقسم إلى نوعين رئيسيين هما: سكراب طوب، وهو الخردة غير المفروزة التي تحتوي خليطاً من المعادن، من الحديد الثقيل والخفيف إلى الألومنيوم ومواد أخرى. 

والنوع الثاني سكراب مفروز، وهو ما يتم فرزه وتصنيفه مسبقاً بحسب النوع والوزن، كالحديد الثقيل أو الخفيف أو الألومنيوم، ويباع بسعر أعلى نظراً لسهولة استخدامه في المصانع. 

وبحسب المصدر، فإن السماسرة المحليين الذين يشترون الخردة من الباعة المتجولين المعروفين بالدوّارة هم الذين يحددون أسعار الشراء والبيع في السوق، سواء للباعة الصغار أو للتجار الكبار. 

موقع لجمع نفايات الحديد في أطراف حي الغدير وسط البصرة، المصدر: الكاتب. 

الضبط 

رغم اتساع تجارة السكراب بطرق غير قانونية، تسجَّل بين الحين والآخر ضربات أمنية ضد مافيات التهريب. 

في العاشر من كانون الثاني 2021، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية عن ضبط أربع شاحنات محملة بالحديد والنحاس، كانت خارجة من مقر الشركة العامة للصناعات الكهربائية في ديالى من دون موافقات رسمية.  

أوضحت الهيئة أن فريقها الميداني تابع حركة الشاحنات منذ خروجها وحتى وصولها إلى سيطرة السلام، حيث تم ضبطها وإعادتها إلى مقر الشركة، قبل أن تُكتشف داخل الموقع نفسه 15 شاحنة أخرى محملة بكميات مشابهة معدّة للتهريب. 

وفي السادس من أيار 2025، أعلنت قيادة شرطة ديالى عن إحباط محاولة تهريب أخرى، بعد ضبط أربع شاحنات محملة بنحو 120 طناً من الحديد المستهلك على طريق بغداد-كركوك.  

الشرطة أكدت أن الشاحنات كانت تُنقل بطريقة غير قانونية، في مخالفة للقرارات التي تمنع نقل السكراب بين المحافظات من دون موافقات أصولية. 

ضبط شاحنات محملة بالسكراب المعد للتهريب في محافظة ديالى، المصدر: السوشال ميديا. 

في آذار 2025، أعلن عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، ياسر إسكندر وتوت، أن قوات أمنية نفّذت عمليات استهدفت شبكات تهريب السكراب في سبع محافظات، من بينها العاصمة بغداد. 

وبحسب تصريحه لوكالة المعلومة، أسفرت العمليات عن ضبط عشرات الشاحنات المحملة بالحديد المهرب واعتقال عناصر مرتبطة بتلك الشبكات، وأكد أن المضبوطات شملت كميات كبيرة من السكراب، دون الكشف عن أرقام دقيقة لحجم المصادرات. 

ضبط شاحنات محملة بالسكراب المعد للتهريب في محافظة ديالى، المصدر: السوشال ميديا. 

في 15 تشرين الثاني 2022 أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء إعماماً استند إلى توصيات لجنة الأمر الديواني رقم 26 لسنة 2021، يقضي بعدم السماح بنقل نفايات الحديد، السكراب، من موقع إلى آخر ما لم تُستحصل موافقة وزارة البيئة، وتحديداً مركز الوقاية من الإشعاع، وذلك لضمان خلو المواد من أي تلوث إشعاعي محتمل. 

لكن بعد أقل من عام ونصف، وتحديداً في 27 شباط 2024، أصدر مجلس الوزراء توجيهات جديدة إلى وزارات الداخلية والدفاع وجهاز الأمن الوطني وقيادة عمليات بغداد، تضمنت إلغاء جميع التعاميم والضوابط السابقة التي قيدت نقل السكراب، والسماح بنقل هذه المواد دون أي قيود بين المحافظات وداخل الإقليم. 

تجارياً، وثقت قاعدة بيانات Global Trade Alert فرض العراق رسوماً كمركية جديدة في 15 نيسان 2025 على واردات حديد التسليح، بنسبة عشرة بالمئة على القياسات 10-32 مم.  

اقرأ أيضاً

تحت الخوذ وفوق الرمال: نساء يكافحن وحيدات في حقول النفط  

جاء القرار في إطار محاولات حماية المصانع الوطنية التي أعيد تشغيلها بعد سنوات التعثر، ومنحها هامشاً سعرياً أمام الواردات الأرخص القادمة من تركيا وإيران. 

غير أن هذه الحماية الكمركية لا تعالج أصل المشكلة، وهي تأمين المادة الخام، فالمصانع ما زالت تعتمد على سكراب نظيف مفروز أو على الحديد الإسفنجي (DRI)، وكلاهما يحتاج إلى سلاسل إمداد مستقرة وفحوص إشعاع وجودة صارمة. 

وفي غياب هذه الضمانات، تبقى المصانع عرضة لدورات تشغيل قصيرة، وتقلبات في الإنتاج، وارتفاع كلفة يقوّض قدرتها على منافسة الحديد المستورد. 

كم يخسر العراق في هذا القطاع؟ يصعب تقدير الخسائر المالية الناتجة عن تهريب وتسرّب السكراب بدقة، بسبب غياب قاعدة بيانات وطنية موحّدة توثق ما يُنتج ويُفحص ويُباع ويُهرَّب.  

لكن مؤشرات متفرقة تعطي تصوراً تقريبياً عن الضبطيات الأمنية، حيث تشير بيانات هيئة النزاهة والشرطة العراقية إلى تدفق مستمر لشحنات كبيرة تنقلها شاحنات كبيرة في قوافل باتجاه المنافذ الداخلية والشمالية.