تحت الخوذ وفوق الرمال: نساء يكافحن وحيدات في حقول النفط  

أبرار وادي

23 تشرين الثاني 2025

وسط رائحة الوقود وضجيج الآلات، تخوض نساء النفط معركتهن ضد أعراف تنكر عليهن الظهور، ويضطررن إلى اختبار الإرادة قبل الخبرة. 

مشهد المعدات الثقيلة وحرارة الموقع ليسا ما تبقى عالقاً في ذاكرة هناء خلال عملها في صيانة وتشغيل آبار النفط، وإنما الجملة التي سمعتها مصادفةً على لسان أحد زملائها: “هاي البنية أهلها متبرّين منها”.  

قيلت العبارة لا تعليقاً على أداء مهني، بل كوصمة اجتماعية، لأن هناء اختارت نظام العمل بالتناوب (Rotation)، وخرجت في مظهرها الشخصي عن الصورة النمطية للمرأة “المقبولة اجتماعياً” في بيئة محافظة، فهي لا ترتدي الحجاب، وقد نقشت وشماً صغيراً على يدها.   

تفاصيل مثل هذه قد تبدو هامشية في بيئات عمل أخرى، لكنها في بيئة هناء اكتسبت وزناً يفوق حجمها، لتُقرأ كرموز خفية تقاس بها الزميلات، في مكان يغلب عليه الحضور الذكوري، وتعاد فيه صياغة معايير القبول المهني والاجتماعي من وجهة نظر شديدة المحافظة.  

تجربة هناء ليست حالة استثنائية، بل هي صورة مصغرة لواقع تواجهه قلة من النساء اللواتي اخترن العمل في حقول النفط العراقية.  

في هذا الميدان الذي يكاد يخلو من الحضور النسائي تتشابه معاناة كثيرات، من تضييق فرص الوصول إلى المهام الميدانية، وضغوط إثبات الجدارة المهنية، إلى مواجهة التصورات النمطية التي تحدد ما يُفترض أن يكون عليه “دور المرأة” وموقعها داخل بيئة العمل.  

وعلى الرغم من اختلاف السياسات والضوابط بين الشركات تبقى التجربة النسائية محكومة بإطار عام يطغى عليه الحضور الذكوري، ويعاد في ظله تعريف معايير الكفاءة والقبول الاجتماعي وفق موازين ما تزال تميل إلى صالح الرجال.  

مرت عقود على انخراط المرأة العراقية في ميادين دراسية ومهنية متعددة، غير أن حضورها في قطاع النفط ما يزال ضئيلاً إلى حد لافت، ليس من حيث العدد فحسب، بل من حيث طبيعة الأدوار والمناصب التي تُمنح لها أيضاً.  

فعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على دخول النساء إلى الحقول والمواقع الصناعية النفطية، سواء في الشركات التشغيلية أو الخدمية، إلا أن نسبة العاملات في هذ القطاع ما تزال رمزية ولا تتجاوز الواحد بالمئة.  

وغالباً ما يُحصر وجودهن في المهام الإدارية والمكتبية، بينما تبقى الأعمال الميدانية منطقة مغلقة تكاد تقتصر على الرجال.    

في هذا الواقع، تعمل هناء في شركة أمريكية بحقل بازركان النفطي في محافظة ميسان، وفق نظام مناوبة يقوم على ستة أسابيع من العمل مقابل ثلاثة أسابيع راحة.  

كانت هي المرأة الوحيدة في المعسكر الذي يضم عشرات الرجال، ما جعل تجربتها في هذه البيئة الذكورية حافلة بالتحديات منذ اليوم الأول.  

تقول لجُمَّار: “من أول يوم واجهت ضغطاً كبيراً فقط لأنني امرأة أعمل في مجتمع محافظ، كانوا يضعونني في موضع تحدٍّ من دون سبب واضح”. 

ولم تخلُ زياراتها للموقع من أسئلة متكررة مثل: “شلون أهلج قابلين تشتغلين ويه الزلم؟”، “إنت ابنية شتسوين هنا؟”، “ليش ما عندج شغل مكتبي؟”  

ولا يبتعد ما تواجهه هناء كثيراً عمّا تعيشه نساء أخريات اخترن المضي في هذا القطاع الصعب.  

زهراء واحدة من أوائل النساء اللواتي التحقن بشركة أمريكية تعمل في محافظات العراق منذ أكثر من سبع سنوات.  

تقول لجمّار إن زملاءها الرجال لا يعرفون كيف يتعاملون معها، لذا شعرت بأنها دخيلة.  

تضيف: “كانت لهم أجواؤهم الخاصة في السهر والمزاح والتدخين، وفجأة ظهرت حواجز لمجرد أنني امرأة”.  

وكانت أخطاؤها الصغيرةُ كبيرةً في عيونهم، وتأخرها لا يُغتفر، فقط لأنها ليست من مجموعتهم.  

أما تجربة سارة فلا تبدو مختلفة كثيراً، وإن اتخذت شكلاً آخر.  

تعمل سارة في شركة إيرلندية في أم قصر، ويبدأ دوامها عند السادسة صباحاً، ما يضطرها للاستيقاظ قبل الفجر لتمضي أكثر من ساعة في الطريق نحو الحقل.  

تبدأ يومها بقراءة الإيميلات وتنظيم جدول العمل، ثم تخرج إلى الزيارات الميدانية.   

تقول لجمار: “نحن خمس نساء فقط في مشروع ضخم يضم نحو 150 عاملاً”.  

وتضيف: أن “الصيف قاس جداً، وإذا حاولت إحدى الموظفات تجنب المهام المرهقة جسدياً، تُجبر على تنفيذها لإثبات كفاءتها. على المرأة أن تبذل جهداً مضاعفاً لإقناعهم بأنها تستحق موقعها، وحتى المرض لا يعفي من نظرات أو عبارات مثل: إنت ابنية”.    

تتحمل هناء ضغوط العمل، لكنها ترى أن هذه الضغوط لا تقف عند حدود الجهد الجسدي، بل تمتد إلى الإرهاق النفسي أيضاً. تقول إن البيئة الذكورية لا تفرض تحديات مهنية فقط، بل نفسية كذلك.  

“حتى لو كانت المرأة متعبة أو تمر بالدورة الشهرية فعليها أن تواصل العمل وكأن شيئاً لم يكن، يجب أن تُظهر دائماً أنها قادرة على أداء المهام مثل أي رجل”.  

على سبيل المثال، كانت هناء في أحد الأيام تراقب بئراً تحت حرارة خانقة وتعاني من ألم الدورة الشهرية، وحين عادت إلى غرفتها انهارت وبكت. تقول: “أشعر دائماً أن عليّ أن أبذل ضعف الجهد فقط لأُثبت أنني أستحق مكاني”.   

أسابيع في الحقل  

تعمل زهراء بنظام مناوبة (Rotation)، وتشير إلى أن طبيعة عملها تتطلب تنقلاً مستمراً بين المواقع النفطية، وأحياناً خارج العراق.   

تقول: “أعمل في أغلب الحقول والمواقع في العراق، وأشارك في إيفادات خارجية أيضاً. أقضي فقط ثلاثة أسابيع في منزلي كل ستة أسابيع”.  

وتضيف وهي تبتسم بمرارة: “تعرضت لأسئلة مثل: منو يتزوجج وإنت مشمورة بالصحراء؟”  

ما ترويه زهراء لا يختلف كثيراً عمّا تعيشه ريان، وإن بدت التفاصيل مختلفة قليلاً.  

تعمل ريان في شركة بريطانية متعاقدة مع شركة نفط البصرة، ضمن نظام مناوبة يقوم على 28 يوماً من العمل مقابل 28 يوماً من الراحة، وقد سبق لها أن عملت مع شركة أمريكية بنظام مشابه، ستة أسابيع عمل مقابل ثلاثة أسابيع راحة.  

 تحدثت لجمّار عن ظروف المعيشة التي تختلف من شركة إلى أخرى، ومن موقع إلى آخر.   

“في الشركة السابقة، كانت غرفة المبيت صغيرة جداً ومشتركة مع موظفة أخرى، وتُغيّر كل مرة نعود فيها. أما هنا، فالغرفة في المقر الرئيسي تظل نفسها، ويسكنها زميلي البديل حين أغيب. لكن في مواقع العمل تتبدل الغرف، وأحياناً تكون مشتركة بين موظفتين أو أكثر، ويعتمد الأمر على الشركة الخدمية التي نُكلّف بالعمل معها”.  

حديث ريان يشبه ما تصفه هناء، التي ترى أن بيئة الحقول النفطية تختبر الجسد والإرادة، وتشير إلى أن العمل في هذه الحقول يتطلب جهداً جسدياً مضاعفاً، والتعامل مع معدات ومواد غير مألوفة في بيئة النساء.  

تقول: “أحياناً أخاف أقولهم دايخة أو تعبانة، لأن يُقال عني: أنت ابنية وما تكدرين تسوين الشغل”.  

هذا التعامل يشعرها دائماً بأنها تُقيَّم فقط على أساس جنسي، وبمعزل عن المهارة في العمل.   

ما تعيشه هناء وزميلاتها لا يرتبط فقط بتجارب شخصية، بل بمنظومة عمل أوسع تحكمها عقود الشركات الأجنبية وسياسات التشغيل في القطاع النفطي.  

فمنذ عام 2009، ومع توقيع أولى جولات التراخيص النفطية، بدأ العراق مرحلة جديدة من الشراكات مع الشركات الأجنبية لتطوير حقوله، خصوصاً في الجنوب.  

نصّت العقود الأولى على تشغيل ما لا يقل عن 85 بالمئة من العمالة العراقية وتدريبها، لكنها لم تتضمن أي بنود تُعنى بتكافؤ الفرص بين الجنسين أو بضمان مشاركة النساء في المواقع الميدانية.  

وبقيت عقود الجولات اللاحقة، على الرغم من توسعها، خالية من أي التزامات واضحة تتعلق بالمساواة الجندرية داخل هذا القطاع المغلق.    

تكريس الإبعاد  

بدأت فكرة “الهيمنة الذكورية” تترسخ في ذهن هناء منذ مقاعد الدراسة الجامعية.  

قال أحد أساتذتها في كلية الهندسة: “إنتو البنات راح تتخرجون وتكعدون، وحدة تتزوج ووحدة تروح للمطبخ”. تلك الجملة لم تمرّ مروراً عابراً.  

كانت تلك العبارة هي الشرارة التي دفعتها إلى خوض تجربة العمل في القطاع النفطي، تحدّياً للتوقعات المسبقة وللنظرة التي تحصر النساء في أدوار ضيقة.  

في أولى تجاربها الميدانية كانت “البنية الوحيدة في الكمب بميسان”، المدينة المحافظة التي لم تكن معتادة على رؤية نساء غير محجبات.  

واجهت كثيراً من الأسئلة المحمّلة بالازدراء، أسئلة تسبق أي تعامل مهني معها: “إنت ابنية ليش مفرعة؟”، “منين إلنا بنات مفرعات؟” وكلمة “مفرعة” تُستخدم في اللهجات الجنوبية للدلالة على المرأة غير المحجبة.  

حوراء، التي عملت في حقول البصرة والحقول الحدودية الشمالية في إقليم كردستان، خاضت تجربة لا تقل قسوة.   

اعتاد زملاؤها على تسخيف وجودها في المواقع الميدانية، خصوصاً أثناء الزيارات الحقلية، فكانوا يقولون لها: “شعندج جاية بهذا الحر؟ أخذيلج شكم صورة وارجعي”.  

وإذا كانت حوراء قد واجهت التهكم والسخرية، فإن ريان واجهت شكلاً آخر من التمييز، كان أكثر هدوءاً لكنه أعمق أثراً. تقول لجمّار: “ما يعلمون البنات ولا يعطوهن أي شغل مهم”.   

وتضيف: أن “الشركة تدعم المتعاقدين الذكور وتستثمر فيهم لأنهم يقبلون نظام الدوام بالتناوب (Rotation)، على الرغم من أن كثيرين منهم يتركون العمل لاحقاً. لكن تبقى الفكرة السائدة أن البنات “ما يستاهلن التدريب أو التطوير”، رغم أن من مهام المسؤولين في الشركة تطوير المتعيّنين الجدد، إلا أن هذا لا يشمل دائماً الفتيات”.  

تمتد العزلة في توزيع المهام أو نوعية العمل إلى تفاصيل العلاقة اليومية مع زملاء العاملات داخل الحقول والمكاتب.  

تعمل حوراء ضمن فريق يضم عشرة رجال، بدأت تشعر بالعزلة حين اكتشفت أن زملاءها أنشأوا مجموعة على “واتساب” لتبادل التحديثات الخاصة بالعمل، واستُبعدت منها بحجة أنها “مجموعة أصدقاء”.  

تقول إن هذه المجموعة تحوّلت إلى وسيلة أساسية لتبادل المعلومات المهنية: “كل تحديث عن الشغل يُرسل هناك، وحتى الاتفاقات تتم خارج أوقات الدوام أثناء خروجهم للعب”، وهو ما أدى في النهاية إلى تكرار مشكلات في العمل واتهامات بالتقصير.  

وواجهت ريان شكلاً آخر من الإقصاء، وهذه المرة في العلن، حيث أعدّت عرضاً تقديمياً استولى عليه أحد زملائها وقدّمه باسمه. تقول: “على الرغم من أن الجميع كان يعرف أن العرض لي لم يتجرأ أحد على إبلاغه بذلك”.  

وحين اعترضت قوبلت بالتهوين واتهامها بـ”الحساسية الزائدة”، وكأن الخطأ كان في ردة فعلها لا في الفعل نفسه.  

هذه التجارب الشخصية تكشف، برأي الناشطة الحقوقية رؤى خلف، عن جذور أعمق للتمييز في بنية القطاع نفسه.  

وفق خلف، فإن ما تواجهه النساء في صناعة النفط ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من التصورات والممارسات التي حصرت هذا المجال بالرجال.   

وترى أن فكرة حصر القطاع بالذكور ترسّخت بفعل تبريرات جاهزة، مثل القول إن المواقع النفطية “خطرة”، أو تتطلب جهداً جسدياً لا تستطيع النساء تحمّله.  تبريرات تصفها بأنها لا تستند إلى أي أساس موضوعي.  

وتشير خلف إلى أن النساء اللواتي يدخلن القطاع النفطي يواجهن أشكالاً متعددة من التمييز، تبدأ من حصرهن في وظائف إدارية لا تتناسب دائماً مع مؤهلاتهن العلمية، وتمتد إلى فروقات في الأجور مقارنة بزملائهن الرجال، على الرغم من أن قانون العمل العراقي ينص صراحة على المساواة في الأجر.  

لكن التمييز لا يتوقف عند حدود الفرص أو الدخل.  فالإساءات اللفظية والتنمر يشكلان جزءاً من الحياة اليومية للعاملات في الحقول النفطية، في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري، وتمارسها – كما تقول زهراء – أطراف مختلفة، من الزملاء إلى المسؤولين.  

توضح زهراء أن مديرها كان يردد دائماً أن البنات “غبيات ومكانهن المطبخ”، ويصر على أن يتعامل مع الرجال لأن “النساء غبيات”.  

لم تكن تستطيع الرد عليه، كما تقول، لأنه محمي من المدراء الأعلى الذين هم كلهم رجال. كان يضيّق عليها فرص العمل ويحرمها من الإيفادات الجيدة خارج البلاد، فقط لأنها امرأة.  

قدّمت زهراء شكاوى عدّة بسبب هذه الإساءات، لكنها قوبلت بردٍّ بارد: “إحنا آسفين على اللي جاي تمرين بي، بس لازم نسمع من الطرفين، وتعلمي شلون تدارين مدرائج”.  

كونها عزباء جعلها عرضة لتعليقات لا تقل قسوة. تقول: “زملائي دائماً يسألوني: أنت أبوج حالته المادية زينة، شموازيج على هذا الشغل؟” 

وتضيف أن تلك العبارات أقل إيلاماً مما تتعرض له صديقتها المتزوجة التي تعمل بنظام التناوب، وتسمع عبارات من قبيل “متزوجة ونايمة بين كومة رياجيل”، في إشارة جارحة إلى شرفها وسلوكها.  

وتروي ريان شكلاً آخر من الإهانات أكثر خفاءً لكنه لا يقل إيذاء، وتشير إلى أن الإيحاءات الجنسية والتعليقات النابية باتت جزءاً من الأحاديث اليومية في مواقع العمل.  

وتلفت إلى أن الرجال في العمل “ما ينظرولنا كزميلات، النظرة الجنسية تجاهنا موجودة دايماً، على ملابسنا وعلى أجسامنا”.  

وتضيف أن زملاءها يعلّقون على أجساد العاملات الأخريات أمامها وبوجودها من دون أي حرج.  

طريق الترقية الوعر  

تكشف تجارب العاملات في قطاع النفط عن أحد أبرز أوجه التمييز الجندري، المتمثل في مسارات الترقية والتعامل مع المناصب الإدارية.  

فالمشكلة لا تقتصر على صعوبة الحصول على الترقية، بل تمتد إلى الطريقة التي تُدار بها عمليات التقييم ومنح المناصب.  

تقول زهراء إن زملاءها الذكور يخضعون لاختبارات الترقية بشكل غير رسمي وسريع، في إطار علاقات شخصية تتخذ طابع الرفقة الذكورية.  

وتصف المشهد بوضوح: “الولد الوياي مديرهم يمتحنهم على كعدة شيشة، ثاني يوم ياخذون الترقية”.  

أما هي فانتظرت موعد الاختبار أكثر من أسبوعين، قبل أن يؤجل مراراً من دون مبرر.  

وحين قدّمت شكوى رميت باتهامات نمطية بأن “البنات دراما كوين ويشتكن هواي”، متجاهلين أن المتدربين الذكور الذين أشرفت على تدريبهم تمت ترقيتهم قبلها.   

ترى زهراء أن الثقافة المجتمعية لها دور في إبطاء مسارات النساء المهنية، وتضيف: “إحنا بمجتمع شرقي، وما يتقبل الرجل أن المرأة تصير مسؤولته”.  

وعلى الرغم من التحديات، نالت الترقية بعد إعداد مشروع مهني لوضع منهاج تدريب للمهندسين الجدد، اعتُمد لاحقاً في فروع الشركة العالمية.  

الحالة ذاتها تتكرر مع حوراء، التي توضح أن الترقيات تُحسم غالباً في لقاءات غير رسمية بالمطاعم أو المقاهي، وهي أماكن يصعب على النساء التواجد فيها بسهولة أو بارتياح. ”وإن حدث واقتربنا منهم، نصبح سيئات في نظرهم”، في إشارة إلى المعايير المزدوجة التي تحاصر النساء وتضع سلوكهن تحت المجهر.  

ولا يتوقف التمييز عند هذا الحد، إذ تشير زهراء إلى الفجوة الكبيرة في تمثيل النساء للمناصب العليا داخل الشركة.   

وتوضح: “بالشركة عدنا نظام للترقيات، لا توجد أي ابنية عراقية في درجة رقم 12 فما فوق، مقابل 500 ولد في نفس الدرجة منذ بدأت الشركة عملها في العراق”.   

وتضيف أن الشركة، على الرغم من إدخالها إجراءات مساواة قبل سنوات، ما زالت بلا امرأة واحدة في المناصب الإدارية العليا.  

ولا تنتهي التحديات عند نيل الترقية. فسارة، التي حصلت على منصب Team Leader، واجهت رفضاً صريحاً من زملائها الذكور الذين لم يتقبلوا أن تكون امرأة مسؤولة عنهم.  

كانت العبارة التي تتردد على مسامعها باستمرار هي: “ليش اختاريتو ابنية علينا؟” 

وجدت نفسها أمام ضغط مزدوج يضعها بين ضرورة إثبات كفاءتها القيادية كامرأة، وفي الوقت ذاته التعامل بحذر مع حساسية زملائها ومحاولة “مراعاة خواطرهم”، كما تقول.   

أما هناء، التي تولّت إدارة أحد المشاريع، فتروي أن الرجال الذين تقابلهم في الزيارات الميدانية مع الشركات المتعاقدة يتعمدون تجاهلها، ويوجهون حديثهم إلى زملائها الرجال على الرغم من كونها صاحبة القرار والمسؤولية.  

وتضيف أن هذا السلوك لا يتغير على الرغم من الترقيات، وأن النظرة النمطية تجاه النساء تبقى راسخة في بيئة العمل.  

وتعزو هناء أحد أسباب تأخر ترقية النساء إلى “عدم رغبة الشركات بالاستثمار في البنات”، نتيجة تصورات مسبقة بأن النساء قد لا يستمررن طويلاً في العمل، ما يجعل الاستثمار في تدريبهن أو ترقيتهن خطوة “غير ذات جدوى” من منظور إداري ضيق.   

لامبالاة تغذي التمييز  

تثير شهادات العاملات في القطاع النفطي تساؤلات جدية حول فاعلية لجان المرأة وآليات التمكين داخل بيئة العمل.  

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن هذه اللجان تكون منصات للدعم والتمثيل والمناصرة، يبدو الواقع مختلفاً، إذ تتحول في كثير من الأحيان إلى واجهات شكلية محدودة التأثير.  

 توضح حوراء أن قضايا النساء في هيئة تشغيل الرميلة – وهي الجهة المسؤولة عن إدارة وتطوير الحقل النفطي ضمن مشروع مشترك بين شركة حكومية وأخرى خاصة – تحال عادة إلى وحدة شؤون المرأة.  

 وتروي تجربتها قائلة: “في حقل الرميلة، كانت هناك امرأة مسؤولة عن لجنة متخصصة بحقوق المرأة، لكنها لم تكن تتعامل مع شكاوى النساء بخصوصية”.  

تقول إن شكواها المتعلقة بمنع مديرها من الذهاب إلى الموقع “فُضحت” ولم تُعالج بسرية، فيما اكتفت واحدة من أعضاء اللجنة بالاستماع من دون اتخاذ أي إجراء.  

وتضيف بلهجة ناقدة: “هذه اللجان فقط للاحتفال بيوم المرأة، وهي غير معنية بتحسين ظروف البنات، ولا تطويرهن، ولا توصيلهن لمراكز قيادة”.  

وتتابع: أن “كل الشركات تحتفل بيوم المرأة، وكل الشركات تظلم المرأة”، في إشارة إلى اقتصار الاهتمام المؤسسي على المناسبات الرمزية دون معالجة التمييز البنيوي.  

في المقابل، تقدم هناء تجربة أكثر إيجابية.  

فهي تقرّ بوجود نظام متكامل للأمان في شركتها، وتشير إلى أن الكادر المتخصص “مهني ويتعامل مع شكاوى النساء بسرعة وأمان”.  

تروي أنها مرّت بتجربة شكوى حصلت خلالها على “كامل الدعم”، لكنها تؤكد أهمية أن تكون النساء على دراية بأنظمة التبليغ المعمول بها في كل شركة أجنبية، لأنها تختلف من شركة لأخرى، ما يساعدهن في استخدام القنوات المناسبة.  

ومع ذلك، تعترف بأن الدعم في فروع الشركة خارج العراق أقوى بكثير، حيث المجتمعات النسائية أكثر نشاطاً وحضوراً، مقابل محدودية عدد العاملات في الداخل.  

أما ريان، فتعرض زاوية مختلفة.  

تقول إن شركتها السابقة كانت “تدعم النساء شكلياً”، إذ لم يكن الدعم يعتمد على الكفاءة أو الخبرة، بل على اختيار وجوه نسائية معينة للظهور أمام الشركات المتعاقدة.  

وتروي مثالاً: “عندما تزوجت إحدى المتدربات جعلوها تدرب موظفة جديدة، ثم طردوها خوفاً من الحمل”.  

وتشير إلى أنها كانت العضو الفاعل في لجنة تمكين المرأة، أما بقية المسؤولات، “ما يحتاجون تمكين”.  

وعن آليات الشكاوى، توضح ريان أن النظام الداخلي يسمح بالتبليغ المجهول، حيث تُشكَّل لجنة من طرف ثالث للتحقيق، لكنها ترى أن هذه الآلية لا تضمن دائماً حماية المشتكية، “فإذا كان الشخص المشتكى عليه ذا سلطة، فمن الممكن طرد المشتكية بسهولة”.  

وفي شركتها الحالية، تُعرض مدوّنة السلوك عند التوظيف عبر فيديو، وتُنظَّم ورشات توعية مخصصة للنساء يحضرها مسؤولون وموظفات فقط، وهو ما تعتبره غير كافٍ، تقول ريان: “اللي يحتاج التوعية فعلاً هم الرجال اللي نشتغل وياهم”.  

وتختم: “أنا أعرف قيمتي وإمكانياتي، ولا أحتاج من يذكّرني باستمرار بأنني أستطيع، خصوصاً إن كان من دون صلاحية لدعمي”.  

وتواصل ريان انتقادها لما تصفه بـ”غياب أي سياسة واضحة لدعم النساء لمجرد أنهن نساء”. وتشير إلى عدم وجود أي تخصيص عددي للعاملات، بل العكس تماماً، إذ روت مثالاً صريحاً عن رفض أحد المدراء توظيف النساء في قسمه، وهو مدير القسم السابق لصديقتها التي كانت تعمل ضمن الفريق الحكومي في الهيئة المشغّلة للحقل: “أنا كايللهم ما أريد بنات بالقسم، أنت شلون جابوج؟” ولم تُقبل لاحقاً في القسم الخاص إلا بعد أن ترك هو المنصب.  

وترى ريان أن هذه الحادثة تكشف مدى تأثير المسؤولين الحكوميين على قرارات الشركات الخاصة، مضيفة: “إذا الحكومة نفسها ما توفر دعم للنساء، شلون نتوقع الشركات تسوي؟” 

سارة أيضاً لا تجد دعماً مؤسسياً واضحاً في شركتها الحالية، حيث لا توجد لجان متخصصة بالمرأة، وإن وُجدت فهي شكلية.  

تقول: “إذا صارت مشكلة نروح للموارد البشرية، بس مرات ما يدعمون البنات”.  

وتضيف أن لجان التمكين في بعض الشركات الأجنبية العاملة في العراق كانت موجودة بالاسم فقط: “في الشركة البريطانية السابقة ما عرفت بوجود اللجنة إلا بآخر شهرين من عملي، كانت اجتماعات شكلية، محد يسمع ومحد يوعد بحل”.  

أما زهراء، فتقدم صورة أكثر تركيباً، إذ تشير إلى أن شركتها اتبعت منذ عام 2020 استراتيجية لزيادة مشاركة النساء وتحقيق المساواة بين الجنسين، وشكّلت لجنة متخصصة كانت عضواً فيها.   

لكنها تؤكد أن التمثيل ما يزال غير متوازن، خاصة في مقابلات التعيين التي “يسيطر عليها الرجال دائماً”، مضيفة: “ما فد يوم شركة جابت ابنية تسوي مقابلة”.  

وتوضح أن النساء يُتركن عادة للمهام الورقية مثل الطباعة والاستنساخ أثناء المقابلات، فيما يُطلب “الرأي الموثوق” من الرجال فقط.  

كما تنتقد أداء اللجنة ذاتها، مشيرة إلى أنهم اختاروا “فتاتين غير كفوءتين حتى يزيدون العدد بدلاً من شاب وابنية كفوءَين”، ثم طُردتا لاحقاً بسبب ضعف الأداء، ما أعاد إنتاج الصورة النمطية حول “عدم كفاءة النساء”.  

وتكشف زهراء أيضاً عن الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية: “يقولون عدنا 10 رجال و10 نساء، بس الحقيقة إن كل الرجال مدراء، والنساء متدربات”.   

وتختم بسخرية من أنشطة اللجنة الخاصة بالمساواة: “من الأمور اللي يسوّوها لتحقيق المساواة كانت جلسات يوغا وحِنّة!” 

تواطؤ رسمي  

تشير ريان إلى أن بعض المسؤولين الحكوميين في الجهات الرسمية يُعدُّون من أبرز العوامل التي تعيق تمكين النساء وتمنع دخولهن إلى مجالات العمل النفطي.  

فبفعل الصلاحيات الممنوحة لهم، يفرض بعضهم قيوداً على دخول النساء إلى أقسام أو مواقع يعدونها “ذكورية”.  

ولا يتوقف هذا التقييد عند حدود المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى الشركات الخاصة المتعاقدة معها، التي تتأثر بآراء هؤلاء المسؤولين في تقييم جدوى تشغيل النساء، خصوصاً في المهام الميدانية.  

تقول ريان: “لفترات طويلة رفضوا وجود البنات في مهمات العمل المشتركة ببعض المواقع، ولما سمحوا حطّوا شروط خاصة: لازم تكون محترمة وبمظهر معين”.  

وتضيف: أن “التفضيل ظل دائماً للرجال، كانوا يقولون للشركات إذا عندكم شاب خلوه يجي ينجز، لا تجيبون ابنية”.  

وفي أحيان كثيرة، تساق مبررات واهية لتبرير هذا الإقصاء، مثل الادعاء بعدم القدرة على التعامل مع النساء، أو التهرب من تخصيص غرفة خاصة لهن في موقع العمل.  

وراء كل هذه الشهادات، ترى رؤى خلف أن المشكلة لا تقتصر على ممارسات فردية أو قرارات إدارية متحيّزة، بل تمتد إلى البنية المؤسسية ذاتها.  

وتنوّه إلى أن “جذر مشكلة وجود وأدوار النساء في القطاع النفطي مؤسساتي بالأساس”، فقرارات منع النساء من بعض الأعمال، مثل حفر الآبار، لا ترتبط فقط بطبيعة العمل، بل بذهنية أبوية تتخذ القرارات نيابة عن المرأة، وتفترض عدم قدرتها على تحمّل المسؤوليات، ما يؤدي إلى تركز آلاف الرجال في تلك المواقع مقابل حضور نسائي محدود جداً.  

وتوضح خلف أن الذهنية الأبوية التي تقيّد حضور النساء في القطاع النفطي لا تتوقف عند حدود المؤسسات الحكومية، بل تمتد إلى الشركات الخاصة المتعاقدة معها، التي كثيراً ما تتحاشى إشراك النساء في المواقع الميدانية خشية تداعيات اجتماعية أو عشائرية، ما يعمّق إقصاء النساء عن هذا المجال.  

وتضيف أن بعض العاملين من الرجال يرفضون تقبّل وجود النساء في مواقع العمل، ويعمدون إلى إطلاق إشاعات بحقهن بدافع الشعور بعدم “الإنصاف”، لأن زميلتهم تتقاضى راتباً مشابهاً، على الرغم من أن قانون العمل يمنع التمييز في الأجور.  

وفي تقييمها للإطار القانوني، ترى خلف أن قانون العمل العراقي “جيد من حيث النص”، لكن لا يتم تطبيقه بشكل كامل، مشيرة إلى ضعف أدوات الرقابة، مثل قلة دوائر التفتيش التابعة لوزارة العمل، وضعف انتشار محاكم العمل، إذ لا تضم بعض المحافظات سوى محكمة واحدة، وغالباً ما تكون مجهولة بالنسبة للعاملات والعاملين، فضلاً عن غياب التوعية المجتمعية بالقانون والحقوق المرتبطة به.  

هذا الضعف في تطبيق القوانين ينعكس بوضوح على واقع مشاركة النساء في القطاع النفطي، إذ تفيد بيانات حديثة صادرة عن الأمم المتحدة بانخفاض مشاركة المرأة في 40 بالمئة من الشركات الدولية، مقابل 25 بالمئة في الشركات المحلية، ما يعكس عمق التحديات التي تواجههن في دخول هذا القطاع الذكوري المغلق.  

أما عن دور النقابات، فيقول عبد الكريم عبد السادة، رئيس النقابة العامة للعاملين في قطاع النفط والغاز: “إن النقابات ممنوعة قانوناً من ممارسة نشاطها داخل الحقول النفطية، بموجب قانون رقم 52 لسنة 1987، الذي يقتصر على تنظيم العمل النقابي في القطاع الخاص فقط”.  

يضيف عبد السادة أن هذا المنع يشمل حتى الشركات الخاصة العاملة في الحقول الحكومية، ما يجعل القطاع النفطي شبه مغلق أمام أي تمثيل نقابي حقيقي للعاملين والعاملات.  

ويشير إلى أن دور النقابة يقتصر حالياً على “مساندة الوقفات الاحتجاجية التي ينفذها العاملون”، من دون قدرة على التواصل المباشر مع العاملات، بسبب قلة أعدادهن من جهة، وغياب الأطر الرسمية التي تضمن لهن الحماية والتمثيل من جهة أخرى، على الرغم من إدراك النقابة لوجود حالات تمييز وتحرّش داخل بيئة العمل.   

وتواصل جمّار مع وزارة النفط وشركات نفطية عدة، من بينها شركة نفط البصرة وشركة بتروناس وشركة توتال، إضافة إلى وزارة العمل، من دون الحصول على أي تعليق حتى لحظة النشر.  

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

مشهد المعدات الثقيلة وحرارة الموقع ليسا ما تبقى عالقاً في ذاكرة هناء خلال عملها في صيانة وتشغيل آبار النفط، وإنما الجملة التي سمعتها مصادفةً على لسان أحد زملائها: “هاي البنية أهلها متبرّين منها”.  

قيلت العبارة لا تعليقاً على أداء مهني، بل كوصمة اجتماعية، لأن هناء اختارت نظام العمل بالتناوب (Rotation)، وخرجت في مظهرها الشخصي عن الصورة النمطية للمرأة “المقبولة اجتماعياً” في بيئة محافظة، فهي لا ترتدي الحجاب، وقد نقشت وشماً صغيراً على يدها.   

تفاصيل مثل هذه قد تبدو هامشية في بيئات عمل أخرى، لكنها في بيئة هناء اكتسبت وزناً يفوق حجمها، لتُقرأ كرموز خفية تقاس بها الزميلات، في مكان يغلب عليه الحضور الذكوري، وتعاد فيه صياغة معايير القبول المهني والاجتماعي من وجهة نظر شديدة المحافظة.  

تجربة هناء ليست حالة استثنائية، بل هي صورة مصغرة لواقع تواجهه قلة من النساء اللواتي اخترن العمل في حقول النفط العراقية.  

في هذا الميدان الذي يكاد يخلو من الحضور النسائي تتشابه معاناة كثيرات، من تضييق فرص الوصول إلى المهام الميدانية، وضغوط إثبات الجدارة المهنية، إلى مواجهة التصورات النمطية التي تحدد ما يُفترض أن يكون عليه “دور المرأة” وموقعها داخل بيئة العمل.  

وعلى الرغم من اختلاف السياسات والضوابط بين الشركات تبقى التجربة النسائية محكومة بإطار عام يطغى عليه الحضور الذكوري، ويعاد في ظله تعريف معايير الكفاءة والقبول الاجتماعي وفق موازين ما تزال تميل إلى صالح الرجال.  

مرت عقود على انخراط المرأة العراقية في ميادين دراسية ومهنية متعددة، غير أن حضورها في قطاع النفط ما يزال ضئيلاً إلى حد لافت، ليس من حيث العدد فحسب، بل من حيث طبيعة الأدوار والمناصب التي تُمنح لها أيضاً.  

فعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على دخول النساء إلى الحقول والمواقع الصناعية النفطية، سواء في الشركات التشغيلية أو الخدمية، إلا أن نسبة العاملات في هذ القطاع ما تزال رمزية ولا تتجاوز الواحد بالمئة.  

وغالباً ما يُحصر وجودهن في المهام الإدارية والمكتبية، بينما تبقى الأعمال الميدانية منطقة مغلقة تكاد تقتصر على الرجال.    

في هذا الواقع، تعمل هناء في شركة أمريكية بحقل بازركان النفطي في محافظة ميسان، وفق نظام مناوبة يقوم على ستة أسابيع من العمل مقابل ثلاثة أسابيع راحة.  

كانت هي المرأة الوحيدة في المعسكر الذي يضم عشرات الرجال، ما جعل تجربتها في هذه البيئة الذكورية حافلة بالتحديات منذ اليوم الأول.  

تقول لجُمَّار: “من أول يوم واجهت ضغطاً كبيراً فقط لأنني امرأة أعمل في مجتمع محافظ، كانوا يضعونني في موضع تحدٍّ من دون سبب واضح”. 

ولم تخلُ زياراتها للموقع من أسئلة متكررة مثل: “شلون أهلج قابلين تشتغلين ويه الزلم؟”، “إنت ابنية شتسوين هنا؟”، “ليش ما عندج شغل مكتبي؟”  

ولا يبتعد ما تواجهه هناء كثيراً عمّا تعيشه نساء أخريات اخترن المضي في هذا القطاع الصعب.  

زهراء واحدة من أوائل النساء اللواتي التحقن بشركة أمريكية تعمل في محافظات العراق منذ أكثر من سبع سنوات.  

تقول لجمّار إن زملاءها الرجال لا يعرفون كيف يتعاملون معها، لذا شعرت بأنها دخيلة.  

تضيف: “كانت لهم أجواؤهم الخاصة في السهر والمزاح والتدخين، وفجأة ظهرت حواجز لمجرد أنني امرأة”.  

وكانت أخطاؤها الصغيرةُ كبيرةً في عيونهم، وتأخرها لا يُغتفر، فقط لأنها ليست من مجموعتهم.  

أما تجربة سارة فلا تبدو مختلفة كثيراً، وإن اتخذت شكلاً آخر.  

تعمل سارة في شركة إيرلندية في أم قصر، ويبدأ دوامها عند السادسة صباحاً، ما يضطرها للاستيقاظ قبل الفجر لتمضي أكثر من ساعة في الطريق نحو الحقل.  

تبدأ يومها بقراءة الإيميلات وتنظيم جدول العمل، ثم تخرج إلى الزيارات الميدانية.   

تقول لجمار: “نحن خمس نساء فقط في مشروع ضخم يضم نحو 150 عاملاً”.  

وتضيف: أن “الصيف قاس جداً، وإذا حاولت إحدى الموظفات تجنب المهام المرهقة جسدياً، تُجبر على تنفيذها لإثبات كفاءتها. على المرأة أن تبذل جهداً مضاعفاً لإقناعهم بأنها تستحق موقعها، وحتى المرض لا يعفي من نظرات أو عبارات مثل: إنت ابنية”.    

تتحمل هناء ضغوط العمل، لكنها ترى أن هذه الضغوط لا تقف عند حدود الجهد الجسدي، بل تمتد إلى الإرهاق النفسي أيضاً. تقول إن البيئة الذكورية لا تفرض تحديات مهنية فقط، بل نفسية كذلك.  

“حتى لو كانت المرأة متعبة أو تمر بالدورة الشهرية فعليها أن تواصل العمل وكأن شيئاً لم يكن، يجب أن تُظهر دائماً أنها قادرة على أداء المهام مثل أي رجل”.  

على سبيل المثال، كانت هناء في أحد الأيام تراقب بئراً تحت حرارة خانقة وتعاني من ألم الدورة الشهرية، وحين عادت إلى غرفتها انهارت وبكت. تقول: “أشعر دائماً أن عليّ أن أبذل ضعف الجهد فقط لأُثبت أنني أستحق مكاني”.   

أسابيع في الحقل  

تعمل زهراء بنظام مناوبة (Rotation)، وتشير إلى أن طبيعة عملها تتطلب تنقلاً مستمراً بين المواقع النفطية، وأحياناً خارج العراق.   

تقول: “أعمل في أغلب الحقول والمواقع في العراق، وأشارك في إيفادات خارجية أيضاً. أقضي فقط ثلاثة أسابيع في منزلي كل ستة أسابيع”.  

وتضيف وهي تبتسم بمرارة: “تعرضت لأسئلة مثل: منو يتزوجج وإنت مشمورة بالصحراء؟”  

ما ترويه زهراء لا يختلف كثيراً عمّا تعيشه ريان، وإن بدت التفاصيل مختلفة قليلاً.  

تعمل ريان في شركة بريطانية متعاقدة مع شركة نفط البصرة، ضمن نظام مناوبة يقوم على 28 يوماً من العمل مقابل 28 يوماً من الراحة، وقد سبق لها أن عملت مع شركة أمريكية بنظام مشابه، ستة أسابيع عمل مقابل ثلاثة أسابيع راحة.  

 تحدثت لجمّار عن ظروف المعيشة التي تختلف من شركة إلى أخرى، ومن موقع إلى آخر.   

“في الشركة السابقة، كانت غرفة المبيت صغيرة جداً ومشتركة مع موظفة أخرى، وتُغيّر كل مرة نعود فيها. أما هنا، فالغرفة في المقر الرئيسي تظل نفسها، ويسكنها زميلي البديل حين أغيب. لكن في مواقع العمل تتبدل الغرف، وأحياناً تكون مشتركة بين موظفتين أو أكثر، ويعتمد الأمر على الشركة الخدمية التي نُكلّف بالعمل معها”.  

حديث ريان يشبه ما تصفه هناء، التي ترى أن بيئة الحقول النفطية تختبر الجسد والإرادة، وتشير إلى أن العمل في هذه الحقول يتطلب جهداً جسدياً مضاعفاً، والتعامل مع معدات ومواد غير مألوفة في بيئة النساء.  

تقول: “أحياناً أخاف أقولهم دايخة أو تعبانة، لأن يُقال عني: أنت ابنية وما تكدرين تسوين الشغل”.  

هذا التعامل يشعرها دائماً بأنها تُقيَّم فقط على أساس جنسي، وبمعزل عن المهارة في العمل.   

ما تعيشه هناء وزميلاتها لا يرتبط فقط بتجارب شخصية، بل بمنظومة عمل أوسع تحكمها عقود الشركات الأجنبية وسياسات التشغيل في القطاع النفطي.  

فمنذ عام 2009، ومع توقيع أولى جولات التراخيص النفطية، بدأ العراق مرحلة جديدة من الشراكات مع الشركات الأجنبية لتطوير حقوله، خصوصاً في الجنوب.  

نصّت العقود الأولى على تشغيل ما لا يقل عن 85 بالمئة من العمالة العراقية وتدريبها، لكنها لم تتضمن أي بنود تُعنى بتكافؤ الفرص بين الجنسين أو بضمان مشاركة النساء في المواقع الميدانية.  

وبقيت عقود الجولات اللاحقة، على الرغم من توسعها، خالية من أي التزامات واضحة تتعلق بالمساواة الجندرية داخل هذا القطاع المغلق.    

تكريس الإبعاد  

بدأت فكرة “الهيمنة الذكورية” تترسخ في ذهن هناء منذ مقاعد الدراسة الجامعية.  

قال أحد أساتذتها في كلية الهندسة: “إنتو البنات راح تتخرجون وتكعدون، وحدة تتزوج ووحدة تروح للمطبخ”. تلك الجملة لم تمرّ مروراً عابراً.  

كانت تلك العبارة هي الشرارة التي دفعتها إلى خوض تجربة العمل في القطاع النفطي، تحدّياً للتوقعات المسبقة وللنظرة التي تحصر النساء في أدوار ضيقة.  

في أولى تجاربها الميدانية كانت “البنية الوحيدة في الكمب بميسان”، المدينة المحافظة التي لم تكن معتادة على رؤية نساء غير محجبات.  

واجهت كثيراً من الأسئلة المحمّلة بالازدراء، أسئلة تسبق أي تعامل مهني معها: “إنت ابنية ليش مفرعة؟”، “منين إلنا بنات مفرعات؟” وكلمة “مفرعة” تُستخدم في اللهجات الجنوبية للدلالة على المرأة غير المحجبة.  

حوراء، التي عملت في حقول البصرة والحقول الحدودية الشمالية في إقليم كردستان، خاضت تجربة لا تقل قسوة.   

اعتاد زملاؤها على تسخيف وجودها في المواقع الميدانية، خصوصاً أثناء الزيارات الحقلية، فكانوا يقولون لها: “شعندج جاية بهذا الحر؟ أخذيلج شكم صورة وارجعي”.  

وإذا كانت حوراء قد واجهت التهكم والسخرية، فإن ريان واجهت شكلاً آخر من التمييز، كان أكثر هدوءاً لكنه أعمق أثراً. تقول لجمّار: “ما يعلمون البنات ولا يعطوهن أي شغل مهم”.   

وتضيف: أن “الشركة تدعم المتعاقدين الذكور وتستثمر فيهم لأنهم يقبلون نظام الدوام بالتناوب (Rotation)، على الرغم من أن كثيرين منهم يتركون العمل لاحقاً. لكن تبقى الفكرة السائدة أن البنات “ما يستاهلن التدريب أو التطوير”، رغم أن من مهام المسؤولين في الشركة تطوير المتعيّنين الجدد، إلا أن هذا لا يشمل دائماً الفتيات”.  

تمتد العزلة في توزيع المهام أو نوعية العمل إلى تفاصيل العلاقة اليومية مع زملاء العاملات داخل الحقول والمكاتب.  

تعمل حوراء ضمن فريق يضم عشرة رجال، بدأت تشعر بالعزلة حين اكتشفت أن زملاءها أنشأوا مجموعة على “واتساب” لتبادل التحديثات الخاصة بالعمل، واستُبعدت منها بحجة أنها “مجموعة أصدقاء”.  

تقول إن هذه المجموعة تحوّلت إلى وسيلة أساسية لتبادل المعلومات المهنية: “كل تحديث عن الشغل يُرسل هناك، وحتى الاتفاقات تتم خارج أوقات الدوام أثناء خروجهم للعب”، وهو ما أدى في النهاية إلى تكرار مشكلات في العمل واتهامات بالتقصير.  

وواجهت ريان شكلاً آخر من الإقصاء، وهذه المرة في العلن، حيث أعدّت عرضاً تقديمياً استولى عليه أحد زملائها وقدّمه باسمه. تقول: “على الرغم من أن الجميع كان يعرف أن العرض لي لم يتجرأ أحد على إبلاغه بذلك”.  

وحين اعترضت قوبلت بالتهوين واتهامها بـ”الحساسية الزائدة”، وكأن الخطأ كان في ردة فعلها لا في الفعل نفسه.  

هذه التجارب الشخصية تكشف، برأي الناشطة الحقوقية رؤى خلف، عن جذور أعمق للتمييز في بنية القطاع نفسه.  

وفق خلف، فإن ما تواجهه النساء في صناعة النفط ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من التصورات والممارسات التي حصرت هذا المجال بالرجال.   

وترى أن فكرة حصر القطاع بالذكور ترسّخت بفعل تبريرات جاهزة، مثل القول إن المواقع النفطية “خطرة”، أو تتطلب جهداً جسدياً لا تستطيع النساء تحمّله.  تبريرات تصفها بأنها لا تستند إلى أي أساس موضوعي.  

وتشير خلف إلى أن النساء اللواتي يدخلن القطاع النفطي يواجهن أشكالاً متعددة من التمييز، تبدأ من حصرهن في وظائف إدارية لا تتناسب دائماً مع مؤهلاتهن العلمية، وتمتد إلى فروقات في الأجور مقارنة بزملائهن الرجال، على الرغم من أن قانون العمل العراقي ينص صراحة على المساواة في الأجر.  

لكن التمييز لا يتوقف عند حدود الفرص أو الدخل.  فالإساءات اللفظية والتنمر يشكلان جزءاً من الحياة اليومية للعاملات في الحقول النفطية، في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري، وتمارسها – كما تقول زهراء – أطراف مختلفة، من الزملاء إلى المسؤولين.  

توضح زهراء أن مديرها كان يردد دائماً أن البنات “غبيات ومكانهن المطبخ”، ويصر على أن يتعامل مع الرجال لأن “النساء غبيات”.  

لم تكن تستطيع الرد عليه، كما تقول، لأنه محمي من المدراء الأعلى الذين هم كلهم رجال. كان يضيّق عليها فرص العمل ويحرمها من الإيفادات الجيدة خارج البلاد، فقط لأنها امرأة.  

قدّمت زهراء شكاوى عدّة بسبب هذه الإساءات، لكنها قوبلت بردٍّ بارد: “إحنا آسفين على اللي جاي تمرين بي، بس لازم نسمع من الطرفين، وتعلمي شلون تدارين مدرائج”.  

كونها عزباء جعلها عرضة لتعليقات لا تقل قسوة. تقول: “زملائي دائماً يسألوني: أنت أبوج حالته المادية زينة، شموازيج على هذا الشغل؟” 

وتضيف أن تلك العبارات أقل إيلاماً مما تتعرض له صديقتها المتزوجة التي تعمل بنظام التناوب، وتسمع عبارات من قبيل “متزوجة ونايمة بين كومة رياجيل”، في إشارة جارحة إلى شرفها وسلوكها.  

وتروي ريان شكلاً آخر من الإهانات أكثر خفاءً لكنه لا يقل إيذاء، وتشير إلى أن الإيحاءات الجنسية والتعليقات النابية باتت جزءاً من الأحاديث اليومية في مواقع العمل.  

وتلفت إلى أن الرجال في العمل “ما ينظرولنا كزميلات، النظرة الجنسية تجاهنا موجودة دايماً، على ملابسنا وعلى أجسامنا”.  

وتضيف أن زملاءها يعلّقون على أجساد العاملات الأخريات أمامها وبوجودها من دون أي حرج.  

طريق الترقية الوعر  

تكشف تجارب العاملات في قطاع النفط عن أحد أبرز أوجه التمييز الجندري، المتمثل في مسارات الترقية والتعامل مع المناصب الإدارية.  

فالمشكلة لا تقتصر على صعوبة الحصول على الترقية، بل تمتد إلى الطريقة التي تُدار بها عمليات التقييم ومنح المناصب.  

تقول زهراء إن زملاءها الذكور يخضعون لاختبارات الترقية بشكل غير رسمي وسريع، في إطار علاقات شخصية تتخذ طابع الرفقة الذكورية.  

وتصف المشهد بوضوح: “الولد الوياي مديرهم يمتحنهم على كعدة شيشة، ثاني يوم ياخذون الترقية”.  

أما هي فانتظرت موعد الاختبار أكثر من أسبوعين، قبل أن يؤجل مراراً من دون مبرر.  

وحين قدّمت شكوى رميت باتهامات نمطية بأن “البنات دراما كوين ويشتكن هواي”، متجاهلين أن المتدربين الذكور الذين أشرفت على تدريبهم تمت ترقيتهم قبلها.   

ترى زهراء أن الثقافة المجتمعية لها دور في إبطاء مسارات النساء المهنية، وتضيف: “إحنا بمجتمع شرقي، وما يتقبل الرجل أن المرأة تصير مسؤولته”.  

وعلى الرغم من التحديات، نالت الترقية بعد إعداد مشروع مهني لوضع منهاج تدريب للمهندسين الجدد، اعتُمد لاحقاً في فروع الشركة العالمية.  

الحالة ذاتها تتكرر مع حوراء، التي توضح أن الترقيات تُحسم غالباً في لقاءات غير رسمية بالمطاعم أو المقاهي، وهي أماكن يصعب على النساء التواجد فيها بسهولة أو بارتياح. ”وإن حدث واقتربنا منهم، نصبح سيئات في نظرهم”، في إشارة إلى المعايير المزدوجة التي تحاصر النساء وتضع سلوكهن تحت المجهر.  

ولا يتوقف التمييز عند هذا الحد، إذ تشير زهراء إلى الفجوة الكبيرة في تمثيل النساء للمناصب العليا داخل الشركة.   

وتوضح: “بالشركة عدنا نظام للترقيات، لا توجد أي ابنية عراقية في درجة رقم 12 فما فوق، مقابل 500 ولد في نفس الدرجة منذ بدأت الشركة عملها في العراق”.   

وتضيف أن الشركة، على الرغم من إدخالها إجراءات مساواة قبل سنوات، ما زالت بلا امرأة واحدة في المناصب الإدارية العليا.  

ولا تنتهي التحديات عند نيل الترقية. فسارة، التي حصلت على منصب Team Leader، واجهت رفضاً صريحاً من زملائها الذكور الذين لم يتقبلوا أن تكون امرأة مسؤولة عنهم.  

كانت العبارة التي تتردد على مسامعها باستمرار هي: “ليش اختاريتو ابنية علينا؟” 

وجدت نفسها أمام ضغط مزدوج يضعها بين ضرورة إثبات كفاءتها القيادية كامرأة، وفي الوقت ذاته التعامل بحذر مع حساسية زملائها ومحاولة “مراعاة خواطرهم”، كما تقول.   

أما هناء، التي تولّت إدارة أحد المشاريع، فتروي أن الرجال الذين تقابلهم في الزيارات الميدانية مع الشركات المتعاقدة يتعمدون تجاهلها، ويوجهون حديثهم إلى زملائها الرجال على الرغم من كونها صاحبة القرار والمسؤولية.  

وتضيف أن هذا السلوك لا يتغير على الرغم من الترقيات، وأن النظرة النمطية تجاه النساء تبقى راسخة في بيئة العمل.  

وتعزو هناء أحد أسباب تأخر ترقية النساء إلى “عدم رغبة الشركات بالاستثمار في البنات”، نتيجة تصورات مسبقة بأن النساء قد لا يستمررن طويلاً في العمل، ما يجعل الاستثمار في تدريبهن أو ترقيتهن خطوة “غير ذات جدوى” من منظور إداري ضيق.   

لامبالاة تغذي التمييز  

تثير شهادات العاملات في القطاع النفطي تساؤلات جدية حول فاعلية لجان المرأة وآليات التمكين داخل بيئة العمل.  

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن هذه اللجان تكون منصات للدعم والتمثيل والمناصرة، يبدو الواقع مختلفاً، إذ تتحول في كثير من الأحيان إلى واجهات شكلية محدودة التأثير.  

 توضح حوراء أن قضايا النساء في هيئة تشغيل الرميلة – وهي الجهة المسؤولة عن إدارة وتطوير الحقل النفطي ضمن مشروع مشترك بين شركة حكومية وأخرى خاصة – تحال عادة إلى وحدة شؤون المرأة.  

 وتروي تجربتها قائلة: “في حقل الرميلة، كانت هناك امرأة مسؤولة عن لجنة متخصصة بحقوق المرأة، لكنها لم تكن تتعامل مع شكاوى النساء بخصوصية”.  

تقول إن شكواها المتعلقة بمنع مديرها من الذهاب إلى الموقع “فُضحت” ولم تُعالج بسرية، فيما اكتفت واحدة من أعضاء اللجنة بالاستماع من دون اتخاذ أي إجراء.  

وتضيف بلهجة ناقدة: “هذه اللجان فقط للاحتفال بيوم المرأة، وهي غير معنية بتحسين ظروف البنات، ولا تطويرهن، ولا توصيلهن لمراكز قيادة”.  

وتتابع: أن “كل الشركات تحتفل بيوم المرأة، وكل الشركات تظلم المرأة”، في إشارة إلى اقتصار الاهتمام المؤسسي على المناسبات الرمزية دون معالجة التمييز البنيوي.  

في المقابل، تقدم هناء تجربة أكثر إيجابية.  

فهي تقرّ بوجود نظام متكامل للأمان في شركتها، وتشير إلى أن الكادر المتخصص “مهني ويتعامل مع شكاوى النساء بسرعة وأمان”.  

تروي أنها مرّت بتجربة شكوى حصلت خلالها على “كامل الدعم”، لكنها تؤكد أهمية أن تكون النساء على دراية بأنظمة التبليغ المعمول بها في كل شركة أجنبية، لأنها تختلف من شركة لأخرى، ما يساعدهن في استخدام القنوات المناسبة.  

ومع ذلك، تعترف بأن الدعم في فروع الشركة خارج العراق أقوى بكثير، حيث المجتمعات النسائية أكثر نشاطاً وحضوراً، مقابل محدودية عدد العاملات في الداخل.  

أما ريان، فتعرض زاوية مختلفة.  

تقول إن شركتها السابقة كانت “تدعم النساء شكلياً”، إذ لم يكن الدعم يعتمد على الكفاءة أو الخبرة، بل على اختيار وجوه نسائية معينة للظهور أمام الشركات المتعاقدة.  

وتروي مثالاً: “عندما تزوجت إحدى المتدربات جعلوها تدرب موظفة جديدة، ثم طردوها خوفاً من الحمل”.  

وتشير إلى أنها كانت العضو الفاعل في لجنة تمكين المرأة، أما بقية المسؤولات، “ما يحتاجون تمكين”.  

وعن آليات الشكاوى، توضح ريان أن النظام الداخلي يسمح بالتبليغ المجهول، حيث تُشكَّل لجنة من طرف ثالث للتحقيق، لكنها ترى أن هذه الآلية لا تضمن دائماً حماية المشتكية، “فإذا كان الشخص المشتكى عليه ذا سلطة، فمن الممكن طرد المشتكية بسهولة”.  

وفي شركتها الحالية، تُعرض مدوّنة السلوك عند التوظيف عبر فيديو، وتُنظَّم ورشات توعية مخصصة للنساء يحضرها مسؤولون وموظفات فقط، وهو ما تعتبره غير كافٍ، تقول ريان: “اللي يحتاج التوعية فعلاً هم الرجال اللي نشتغل وياهم”.  

وتختم: “أنا أعرف قيمتي وإمكانياتي، ولا أحتاج من يذكّرني باستمرار بأنني أستطيع، خصوصاً إن كان من دون صلاحية لدعمي”.  

وتواصل ريان انتقادها لما تصفه بـ”غياب أي سياسة واضحة لدعم النساء لمجرد أنهن نساء”. وتشير إلى عدم وجود أي تخصيص عددي للعاملات، بل العكس تماماً، إذ روت مثالاً صريحاً عن رفض أحد المدراء توظيف النساء في قسمه، وهو مدير القسم السابق لصديقتها التي كانت تعمل ضمن الفريق الحكومي في الهيئة المشغّلة للحقل: “أنا كايللهم ما أريد بنات بالقسم، أنت شلون جابوج؟” ولم تُقبل لاحقاً في القسم الخاص إلا بعد أن ترك هو المنصب.  

وترى ريان أن هذه الحادثة تكشف مدى تأثير المسؤولين الحكوميين على قرارات الشركات الخاصة، مضيفة: “إذا الحكومة نفسها ما توفر دعم للنساء، شلون نتوقع الشركات تسوي؟” 

سارة أيضاً لا تجد دعماً مؤسسياً واضحاً في شركتها الحالية، حيث لا توجد لجان متخصصة بالمرأة، وإن وُجدت فهي شكلية.  

تقول: “إذا صارت مشكلة نروح للموارد البشرية، بس مرات ما يدعمون البنات”.  

وتضيف أن لجان التمكين في بعض الشركات الأجنبية العاملة في العراق كانت موجودة بالاسم فقط: “في الشركة البريطانية السابقة ما عرفت بوجود اللجنة إلا بآخر شهرين من عملي، كانت اجتماعات شكلية، محد يسمع ومحد يوعد بحل”.  

أما زهراء، فتقدم صورة أكثر تركيباً، إذ تشير إلى أن شركتها اتبعت منذ عام 2020 استراتيجية لزيادة مشاركة النساء وتحقيق المساواة بين الجنسين، وشكّلت لجنة متخصصة كانت عضواً فيها.   

لكنها تؤكد أن التمثيل ما يزال غير متوازن، خاصة في مقابلات التعيين التي “يسيطر عليها الرجال دائماً”، مضيفة: “ما فد يوم شركة جابت ابنية تسوي مقابلة”.  

وتوضح أن النساء يُتركن عادة للمهام الورقية مثل الطباعة والاستنساخ أثناء المقابلات، فيما يُطلب “الرأي الموثوق” من الرجال فقط.  

كما تنتقد أداء اللجنة ذاتها، مشيرة إلى أنهم اختاروا “فتاتين غير كفوءتين حتى يزيدون العدد بدلاً من شاب وابنية كفوءَين”، ثم طُردتا لاحقاً بسبب ضعف الأداء، ما أعاد إنتاج الصورة النمطية حول “عدم كفاءة النساء”.  

وتكشف زهراء أيضاً عن الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية: “يقولون عدنا 10 رجال و10 نساء، بس الحقيقة إن كل الرجال مدراء، والنساء متدربات”.   

وتختم بسخرية من أنشطة اللجنة الخاصة بالمساواة: “من الأمور اللي يسوّوها لتحقيق المساواة كانت جلسات يوغا وحِنّة!” 

تواطؤ رسمي  

تشير ريان إلى أن بعض المسؤولين الحكوميين في الجهات الرسمية يُعدُّون من أبرز العوامل التي تعيق تمكين النساء وتمنع دخولهن إلى مجالات العمل النفطي.  

فبفعل الصلاحيات الممنوحة لهم، يفرض بعضهم قيوداً على دخول النساء إلى أقسام أو مواقع يعدونها “ذكورية”.  

ولا يتوقف هذا التقييد عند حدود المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى الشركات الخاصة المتعاقدة معها، التي تتأثر بآراء هؤلاء المسؤولين في تقييم جدوى تشغيل النساء، خصوصاً في المهام الميدانية.  

تقول ريان: “لفترات طويلة رفضوا وجود البنات في مهمات العمل المشتركة ببعض المواقع، ولما سمحوا حطّوا شروط خاصة: لازم تكون محترمة وبمظهر معين”.  

وتضيف: أن “التفضيل ظل دائماً للرجال، كانوا يقولون للشركات إذا عندكم شاب خلوه يجي ينجز، لا تجيبون ابنية”.  

وفي أحيان كثيرة، تساق مبررات واهية لتبرير هذا الإقصاء، مثل الادعاء بعدم القدرة على التعامل مع النساء، أو التهرب من تخصيص غرفة خاصة لهن في موقع العمل.  

وراء كل هذه الشهادات، ترى رؤى خلف أن المشكلة لا تقتصر على ممارسات فردية أو قرارات إدارية متحيّزة، بل تمتد إلى البنية المؤسسية ذاتها.  

وتنوّه إلى أن “جذر مشكلة وجود وأدوار النساء في القطاع النفطي مؤسساتي بالأساس”، فقرارات منع النساء من بعض الأعمال، مثل حفر الآبار، لا ترتبط فقط بطبيعة العمل، بل بذهنية أبوية تتخذ القرارات نيابة عن المرأة، وتفترض عدم قدرتها على تحمّل المسؤوليات، ما يؤدي إلى تركز آلاف الرجال في تلك المواقع مقابل حضور نسائي محدود جداً.  

وتوضح خلف أن الذهنية الأبوية التي تقيّد حضور النساء في القطاع النفطي لا تتوقف عند حدود المؤسسات الحكومية، بل تمتد إلى الشركات الخاصة المتعاقدة معها، التي كثيراً ما تتحاشى إشراك النساء في المواقع الميدانية خشية تداعيات اجتماعية أو عشائرية، ما يعمّق إقصاء النساء عن هذا المجال.  

وتضيف أن بعض العاملين من الرجال يرفضون تقبّل وجود النساء في مواقع العمل، ويعمدون إلى إطلاق إشاعات بحقهن بدافع الشعور بعدم “الإنصاف”، لأن زميلتهم تتقاضى راتباً مشابهاً، على الرغم من أن قانون العمل يمنع التمييز في الأجور.  

وفي تقييمها للإطار القانوني، ترى خلف أن قانون العمل العراقي “جيد من حيث النص”، لكن لا يتم تطبيقه بشكل كامل، مشيرة إلى ضعف أدوات الرقابة، مثل قلة دوائر التفتيش التابعة لوزارة العمل، وضعف انتشار محاكم العمل، إذ لا تضم بعض المحافظات سوى محكمة واحدة، وغالباً ما تكون مجهولة بالنسبة للعاملات والعاملين، فضلاً عن غياب التوعية المجتمعية بالقانون والحقوق المرتبطة به.  

هذا الضعف في تطبيق القوانين ينعكس بوضوح على واقع مشاركة النساء في القطاع النفطي، إذ تفيد بيانات حديثة صادرة عن الأمم المتحدة بانخفاض مشاركة المرأة في 40 بالمئة من الشركات الدولية، مقابل 25 بالمئة في الشركات المحلية، ما يعكس عمق التحديات التي تواجههن في دخول هذا القطاع الذكوري المغلق.  

أما عن دور النقابات، فيقول عبد الكريم عبد السادة، رئيس النقابة العامة للعاملين في قطاع النفط والغاز: “إن النقابات ممنوعة قانوناً من ممارسة نشاطها داخل الحقول النفطية، بموجب قانون رقم 52 لسنة 1987، الذي يقتصر على تنظيم العمل النقابي في القطاع الخاص فقط”.  

يضيف عبد السادة أن هذا المنع يشمل حتى الشركات الخاصة العاملة في الحقول الحكومية، ما يجعل القطاع النفطي شبه مغلق أمام أي تمثيل نقابي حقيقي للعاملين والعاملات.  

ويشير إلى أن دور النقابة يقتصر حالياً على “مساندة الوقفات الاحتجاجية التي ينفذها العاملون”، من دون قدرة على التواصل المباشر مع العاملات، بسبب قلة أعدادهن من جهة، وغياب الأطر الرسمية التي تضمن لهن الحماية والتمثيل من جهة أخرى، على الرغم من إدراك النقابة لوجود حالات تمييز وتحرّش داخل بيئة العمل.   

وتواصل جمّار مع وزارة النفط وشركات نفطية عدة، من بينها شركة نفط البصرة وشركة بتروناس وشركة توتال، إضافة إلى وزارة العمل، من دون الحصول على أي تعليق حتى لحظة النشر.