"لا تشربن مي قبل الطلعة".. رحلة البحث عن حمامات للنساء في العراق 

ماريا طلال

20 تشرين الثاني 2025

من الابتدائية وحتى الجامعة وصولاً إلى أماكن العمل، بحثت دعاء وأمل ولميس عن أبسط حق من حقوقهن، استخدام حمام نظيف. عن الحمام السيء والغائب والمقفل وحتى المختلط، تشاركنا ثلاث نساء قصصهن في رحلة البحث عن حمام.

“لا تشربن مي قبل الطلعة”، ستكون هذه القاعدة الأولى التي نتلقاها نحن الفتيات، إذ لا مكان لقضاء احتياجنا البشري في إفراغ المثانة والأمعاء. لذا على مثانتنا وأمعائنا أن تحبسا حاجتهما في كل المؤسسات والأماكن، وهذا وإن كان غير صحي و”غير إنساني”، إلا أننا قد نتحمله متحايلات على أجسادنا. 

لكن، كيف سنوقف دم الدورة الشهرية في قيظ الصيف وجليد الشتاء؟ وكيف ستتحمل الحوامل اللواتي يحتجن إلى استخدام الحمام بشكل متكرر بسبب ضغط الجنين على المثانة؟ وماذا عن مريضات السكري اللواتي يعانين من كثرة التبول؟ أو المصابات بالتهابات المسالك البولية وأمراض الجهاز الهضمي، كالبواسير، ممن يحتجن إلى دورات مياه نظيفة ومتاحة دائماً؟ 

عام 2010، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم A/RES/64/292 بعنوان “الاعتراف بحق الإنسان في المياه وخدمات الصرف الصحي”، الذي ينص على أن الحصول على مياه شرب مأمونة وصرف صحي ملائم هو حق من حقوق الإنسان. ويحث القرار الدول الأعضاء، ومن بينها العراق، على اتخاذ التدابير اللازمة لضمان هذا الحق، خاصة للفئات الأكثر تهميشاً. 

ورغم أن القرار لا يحمل طابعاً إلزامياً كالمعاهدات الدولية، إلا أنه يمثل مرجعية قانونية وأخلاقية، تُبنى عليها التزامات الدول أمام المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة مثل اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وUN-Habitat، وتُطالب الدول بتقديم خطط وطنية واضحة لضمان هذا الحق لجميع المواطنين، بما يشمل المدارس والمرافق الصحية وأماكن العمل. 

في العراق، لم يترجَم هذا الالتزام الأممي إلى سياسة وطنية شاملة تضمن توفير حمّامات آمنة ومجهزة للنساء والفتيات، لا سيما في المدارس والمؤسسات العامة، بل على العكس، ما زال غياب هذه المرافق يقوّض الحق الأساسي للنساء، ويعرّضهن لمخاطر صحية مستمرة، ويؤثر على فرصهن في التعليم والعمل. 

وبحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) حول تصميم البنية التحتية من أجل المساواة الجندرية، فإن النساء والفتيات هن الأكثر تأثراً بانعدام أو سوء مرافق المياه والصرف الصحي، خاصة فيما يخص النظافة خلال فترة الحيض، والحمل، والولادة. التقرير يؤكد أن تجاهل هذه الاحتياجات في التخطيط العمراني والخدمات العامة يُسهم في زيادة نسب التغيب والتسرب من المدارس، وانخفاض مشاركة النساء في الحياة العامة وسوق العمل. 

في ظل هذه المعطيات، تصبح جهات مثل وزارة التربية، ووزارة الصحة، ووزارة الإعمار والبلديات، إضافة إلى الوحدات المحلية المعنية بالصرف الصحي، مطالبة بمراجعة شاملة للبنية التحتية المدرسية والخدمية من منظور جندري، يضمن هذا الحق الأساسي ويخرجه من حيز “الترف” إلى صلب السياسات العامة. 

ماذا يعني ألا يكون هناك حمام للإناث؟  

“بالمدرسة جنه نحبس نفسنا، أو جنه نبول بلا تشطيف”، ستتعلّم أمل (29 عاماً) من الناصرية، في السادسة من عمرها درسها الأول في الحياة كفتاة في بيئة لا تراعي احتياجاتها الإنسانية. لم يكن الدرس عن سوء البنية التحتية فحسب، بل عن الصمت والإحراج والضغط النفسي الذي يرافق أبسط وظيفة بيولوجية حين لا يكون المكان آمناً أو نظيفاً أو مجهزاً بما يلزم لحفظ الخصوصية والكرامة.  
فحمّام المدرسة الوحيد كان ماؤه مقطوعاً، ومجاريه “خربانة وطافحة”، ولا توجد فيه حاوية نفايات، وستظل رائحته عالقة في ذاكرتها حتى بعد مرور أكثر من عشرين عاماً، كما يلازمها مشهد الحشرات على أرضيته. 

أما دعاء (27 عاماً) من بغداد، فلن تنسى “الكاشي المشلع، ماكو مي، وكارثة غياب النظافة هي صورة وحدة ما تغيب”. هكذا تحضر في ذاكرتها حمّامات المدرسة، إذ أُجبرت في طفولتها على استخدام حمام غير صالح، تعرضت بسببه لصدمة قوية من هول رائحة البراز والبول والذباب وانعدام النظافة. 

انتُهك أبسط حق لأمل ودعاء في أولى سنوات حياتهن كطفلات، الحق في استخدام الحمام وقضاء الحاجة. وقد لا تكونا وحدهما؛ إذ تشكّل النساء 49.8 بالمئة من سكان العراق، بحسب أحدث الإحصاءات السكانية لعام 2024، ومن بينهن أيضاً الكثير من العاملات في القطاع العام والخاص. 

حينما اضطرت أمل إلى حبس البول لساعات طويلة، ومثلها دعاء ومريم، تعرضن لالتهاب المسالك البولية، وتناقش دراسة نشرت عام 2022 في المكتبة الوطنية للطب الأمريكي، أن حبس البول سلوك خطر يؤدي إلى الإصابة بعدوى المسالك البولية، فحبسه لفترات طويلة يسمح للبكتيريا الموجودة في الإحليل-الجزء السفلي من الجهاز البولي- بالنمو بشكل أكبر، وإذا بقي البول في المثانة فترة طويلة يمكن أن تصعد بعض البكتيريا إلى الكلى وتسبب عدوى، التي من الممكن أن تصبح مشكلة صحية كبيرة تهدد حياة المريضة إذا لم تُعالج. 

وقد ذكرت الدراسة أن 88 بالمئة من النساء صرَّحن بأنهن يُجبَرن على حبس البول بسبب عدم وجود مرافق صحية ولا حتى مشتركة أثناء الرحلات الطويلة، و87 بالمئة يحبسنه بسبب عدم وجود مرافق صحية مخصصة للنساء، و90 بالمئة من المشاركات فضلن حبس البول وإن توفرت مرافق صحية بسبب عدم نظافة الحمامات. 

تذكر دعاء إصابتها بمرض فطري يعرف بـ”Candida“، وتشرح الطبيبة بان عبد الجبار، أخصائية النسائية في صحة الرصافة ببغداد، بأنه أحد أنواع الالتهاب المنتشرة، وهو عدوى فطرية مهبلية تحدث بسبب فرط نمو فطر المبيضات، وهو نوع من الفطريات التي تعيش بشكل طبيعي على الجلد وداخل الجسم، مثل الفم والحلق والأمعاء والمهبل، دون أن تسبب أي مشاكل، لكن تغير الظروف داخل المهبل يشجع على نموها مما يسبب مرضاً. 

تصاب المريضة بحكة داخلية وخارجية قوية، مع احمرار في المنطقة الحساسة، وألم وحرقان عند التبول، وألم عند ممارسة العلاقة الحميمة، وإفرازات مهبلية سميكة بيضاء تشبه الجبن وليس لها رائحة كريهة. 

يمكن أن تصاب بعض النساء بعدوى شديدة تسبب احمراراً وتورماً وتشققات في جدار المهبل.   

وتشير الطبيبة بان عبد الجبار إلى احتمالية انتقال الأمراض الجنسية من خلال المراحيض، وخاصة الغربية، لذا توصي باستخدام واقيات المراحيض للحماية من العدوى. 

الغياب بسبب الحمام 

تترك المرة الأولى التي نختبر فيها الدورة الشهرية أثراً على علاقتنا بأجسادنا، ففي هذه اللحظة الحساسة نحتاج إلى فهم، وتهيئة، ومكان آمن. لكن في بلد يصعب فيه العثور على حمام صالح للاستخدام، تمر هذه التجربة غالباً دون خصوصية أو أمان. 

“صار أكو ذعر بالشعبة”، لم تنسَ دعاء منظر الدم على جوارب زميلتها في الصف الثالث المتوسط. في تلك السن لم تكن غالبية الفتيات من مدينتها المحافظة يعرفن شيئاً عن الدورة الشهرية، ولا حتى الفتاة نفسها التي تجمدت في مكانها لا تعرف ماذا تفعل، دموع تنهمر من عينيها فقط وشعور بالذنب. بقيت متجمدة تنزف، حتى تدخلت إحدى المعلمات، تقول دعاء: “أخذتها للحمام اللي كنا نستعمله بالبوكة”، حمام المعلمات الممنوع على الطالبات استخدامه. رغم برودة الجو، غسلت المعلمة الجوارب وأعادتها إليها لتلبسها وهي مبللة، فليس هناك بديل. تضيف دعاء: “هذا الموقف أبد ما أنساه”. 

عرف الصف كله بما حدث، ليس لأن أحداً شرح لهن معنى الدورة، بل لأن الدم ظهر على ملابس الفتاة. وتلوم دعاء غياب الحمام، فقد كان من الممكن أن يمنح زميلتها خصوصية ويخفف من الصدمة، ويمنع الحرج الذي شعرت به أمام الصف. 

قد يكون هذا الموقف أخف حرجاً من منظر بقعة الدم على صدريّة المدرسة بلونها الفاتح، كما حدث لزميلة مريم (24 عاماً) من صلاح الدين، حين كانت في الثانوية، حيث بقيت غارقة بالدماء تحت حرارة الصيف طوال يوم دراسي كامل، ما يعادل سبع إلى ثماني ساعات. ولإيصالها إلى المنزل، وقفت الفتيات أمامها وخلفها، تقول مريم: “واحدة كدامها واثنين وراها لما وصلناها للبيت”. 

لتجنّب مواقف كهذه، اعتادت مريم أن تتغيّب في أول أيام الدورة، كما تفعل زميلاتها، ما ينعكس سلباً على مستواهنّ التعليمي، نتيجة التغيب عن الدروس والامتحانات التي قد تفوتهن، مما ينقص درجاتهن وتقيمهن الدراسي. 

يمكن أن تؤثر البنية التحتية الضعيفة وغير المراعية للنوع الاجتماعي بشكل سلبي على الفتيات، وتترك آثاراً طويلة الأمد على صحتهن وفرص تعليمهنّ، وحتى على مشاركتهنّ الاقتصادية. 

تؤكد كوثر المحمداوي، مؤسسة منظمة “سقيا للإغاثة والتنمية”، أن كثيراً من الطالبات من ذوات الدخل المحدود يضطررن إلى التسرب من المدارس بسبب عدم قدرتهن على توفير الفوط الصحية، ويزيد من معاناتهن غياب أو سوء الحمامات، خاصة في مدارس الأقضية والنواحي. وتتلقى المحمداوي العديد من الشكاوى من أمهات الطالبات، خصوصاً مع أولى سنوات البلوغ لدى الفتيات. 

ووفق الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، فإن عدد الفتيات المتسربات من المدرسة هو ضعف عدد الذكور. وبينما تغيب الإحصائيات الدقيقة والمُحدّثة حول أسباب التسرب، يصرّح مصدر خاص في وزارة التربية –تحدث إلى “جمار”– أن الحالة “الكارثية”، فسوء حمامات الفتيات، التي وردت عنها شكاوى من الأهالي طوال سنوات، قد يكون أحد أسباب التسرب، رغم تأكيده على غياب الأرقام والأسباب الرسمية. 

أما استخدام الفوط لساعات طويلة وعدم تغييرها بانتظام فقد يعرض النساء لالتهابات، بحسب الطبيبة بان عبد الجبار المختصة بالأمراض النسائية، نتيجة المواد السامة التي تحويها الفوط التجارية الرخيصة والمنتشرة في أغلب الأسواق، فأثناء الدورة يكون عنق الرحم مفتوحاً وأكثر عرضة للإصابة بالبكتيريا وأشد تأثراً بالمواد السامة. 

كيف يعزز المجتمع والمؤسسات تابو الحمام؟ 

وجود حمّام أقلّ سوءاً كان ليجنّب أمل وزميلاتها الكثير من المواقف المحرجة، لكن بغياب حاوية للنفايات ظهرت مشكلتان جديدتان. أولاهما، الروائح والبكتيريا، تقول أمل: “وإذا ردنا نبدّل السانتي، وين نذبّه؟ ماكو سلّة مهملات.. جنّا نلفّه بورقة ونرجّعه ويانا للبيت بالجنطة ونذبّه بالبيت”. 
أما المشكلة الثانية، فهي “العيب”، ففي مدرسة أمل، وبعد توفير حاوية للنفايات، وبّخت المديرة الطالبات لأنهنّ رمين فوطة صحية فيها! 

“تفتر على صف صف، ترزل بينا وتشتم بينا وتكول: ممنوع تذبّن السانتي بالحاوية.. عيب وحرام وفضيحة! ذبّي بزبالة أهلك مو بزبالة المدرسة”. 

تؤكّد اليونيسف أن العناية الصحية أثناء فترة الحيض ليست رفاهية، بل حق مرتبط بالكرامة والصحة والمساواة الجندرية. فحين تُحرَم الفتاة أو العاملة من مكان آمن لتغيير فوطتها الصحية، أو لا تجد ماءً نظيفاً وسلّة نفايات، يتجاوز الأمر كونه مجرّد إزعاج جسدي ليمسّ إحساسها بالأمان والانتماء. هذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، لكنها تُكرّس إقصاءً صامتاً وتعمّق الفجوة بين الأفراد في بيئات العمل والتعليم. 

ورغم أن الدورة الشهرية حالة بيولوجية طبيعية، إلا أنها ما زالت تُعامَل من قِبل البعض كمصدر خجل وتابو، وكشيء يجب المبالغة في إخفاء أثره، حتى بين النساء. وهذا ما عاشته أمل وزميلاتها في محاولاتهن المستمرة لإخفاء الفوط الصحية، حتى في محيطٍ مكوّنٍ من النساء. 

في عام 2017، مع دخول دعاء إحدى جامعات بغداد، وبما أنها من طالبات الدراسة المسائية، واجهت هي وزميلاتها مشكلة إغلاق جميع الحمامات في المبنى، حيث لا يوجد حارس في الفترة المسائية ولا خدمات صيانة، وكانت الإدارة تبرر الإغلاق بحجج مثل “ما عدنا كوادر تنظف أو أحد يشرف عليه”. 

لسنة دراسية كاملة، ومع كل دورة شهرية، كانت دعاء وزميلاتها يضطررن إلى المشي لكلية أخرى تفتح حمامها الوحيد الذي تستخدمه طالبات الجامعة كلها، مما يجعلهن يقفن في طابور طويل. 
في السنة الجامعية التالية، وعند تكرار المشكلة نفسها، قررت دعاء ألا تسكت هذه المرة. 
بدأت كلامها مع مقررة القسم بعبارة: “سوري، بس إحنا مو حيوانات”، تفاجأت المقررة بنبرة دعاء وطريقتها، حيث عادةً ما تخجل الفتيات من المطالبة بحقوقهن البسيطة، وربما لم يكن بعضهن يدرك أن هذا المطلب من حقوقهن. 
ذكرت دعاء لمقررة القسم، وهي امرأة، أنها تعرف جيداً ما يحتجن إليه، وقالت لها: “إنتِ أستاذة وتعرفين شنو يعني ابنية بهذا العمر، وأنا مضطرة أعبر ثلاث كليات حتى أصل للحمام، وكل قسم فيه ثلاث حمامات مغلقة”. رحلتها كانت تستغرق أكثر من 30 دقيقة. 
بعد حوار طويل واستمرار المطالبة لأسبوع، تمت تلبية مطلبهن مؤقتاً، لكن الوضع استمر أسبوعاً واحداً فقط، ثم أعيد إغلاق جميع حمامات الأقسام ما عدا حمام قسمها، مع تكرار الحجج نفسها، غياب الإشراف وكوادر التنظيف. 
تروي دعاء كيف اضطررن إلى التكيف مع الوضع، فبدلاً من قضاء فترة الاستراحة في تناول الطعام أو شراء مستلزمات المحاضرة التالية، كن يذهبن إلى الحمام، “صرنة نوكف سرى على الحمام، بالاستراحة اللي مدتها ربع ساعة نروح ونتأخر”. إذ عاد الوضع إلى ما كان عليه. 

رحلة البحث عن حمام تمتد إلى أماكن العمل، حيث تتكبد النساء جهداً ووقتاً كبيرين، في ظل غياب شروط بيئة العمل المناسبة. 

عام 2019، لم تفهم أمل في البداية سبب سخرية الموظفين والموظفات من سؤالها عن وجود حمام خاص للنساء. تقول: “سؤالي جان يعتبر فضيحة، كالوا هي ما تستحي تسأل على حمام وتريد حمام”. لم يكن الأمر مجرد استغراب، بل كان يصل إلى السخرية من الحديث عن احتياج طبيعي. 

لاحقاً، اكتشفت أن المكان لا يحتوي على حمام مخصص للنساء، وأن الموظفات القديمات يضطررن إلى استخدام حمام مشترك مع زملائهن الرجال، وغالباً في حالات الضرورة القصوى فقط. لتجنب ذلك، تعمد بعض الموظفات إلى تقليل شرب الماء أو الامتناع عن السوائل أثناء الدوام، وفي بعض الحالات يلجأن إلى استخدام حمام داخل شقة تسكنها إحدى الموظفات في المديرية نفسها. 

هذا يحدث رغم أن بيئة العمل تُوصف بـ”العشائرية”، حيث يُفترض أن الاختلاط غير مرحّب به. لكن في الواقع، لم ينعكس هذا الرفض الاجتماعي على بنية المكان أو قرارات إدارته، بل إن غياب الحمام النسائي فرض على النساء أن يتشاركن مع الرجال في حمام واحد، وكأن “الاختلاط” يصبح مقبولاً. 

استخدام الحمام المشترك يعرّض النساء لإحراجات تمسّ خصوصيتهن الجسدية والدينية، فاللواتي يرتدين العباية يحتجن إلى خلعها قبل دخول المرحاض، وهو ما يصعب فعله في حال وجود رجال، ما يدفع كثيرات إلى الامتناع عن استخدام الحمام. أما من تضطر إلى استخدامه فقد تواجه تعليقات أو نظرات من الزملاء، فتصبح السخرية من عدد مرات دخول الحمام، أو الإيحاءات الجارحة، أو “البصبصة” جزءاً من يوم العمل. 

التجربة لم تكن مختلفة كثيراً لدى مريم، التي عملت في مؤسسة إعلامية أهلية بوصفها الموظفة الوحيدة بين الرجال، ولم تجد أيضاً حماماً مخصصاً للنساء، كان عليها استخدام الحمام المشترك، وهو ما دفعها أحياناً إلى طلب إجازات مرضية لتفادي أي إحراج. تقول إن تعليقات مثل “ها، عرفت أنتِ عليج” كانت تُقال بنبرة مزاح، لكنها تحمل أثراً جارحاً، خصوصاً في ظل ثقافة تعتبر الحديث عن الحيض عيباً، وتربط بينه وبين الشعور بالخجل أو الدونية. 

تروي أمل أنه بعد زيادة أعداد الموظفات والموظفين لم يعد الحمام المختلط يفي بالغرض، فطالبن بواحد خاص لهن، واستمرت مطالبتهن لمدة ثلاث سنوات، يحاولن إقناع مدير المديرية ورؤساء أقسامهن، وفي كل مرة يستغربون من مطالبتهن بحمام!  

وظل طلبهن مرفوضاً كونهن يمثلن ثُمن عدد الموظفين، ومن وجهة نظر الإدارة المتمثلة برجال الأمر لا يستحق صرف مخصصات لعدد موظفات قليل. 

لكن أمل وزميلاتها استمررن في شرح احتياجاتهن كنساء، مثل الدورة الشهرية وإصابة بعض الموظفات بمشاكل صحية مثل التهاب المجاري البولية، أو السكري، أو الإسهال، أو كون إحداهن حاملاً، وأخريات يجلبن أطفالهن للدوام ويحتجن إلى استخدامه. 

وبعد مناشدات وضغوط كثيرة استطعن الحصول على حمام خاص بهن، وهو حمام صغير فيه مرحاض شرقي وآخر غربي ومغسلة، مقارنة بحمام الرجال الذي يحوي أربعة مراحيض شرقية واثنان غربيان وأربع مغاسل، لكن حمام النساء كان بعيداً جداً عن المكتب، مما يعني ضياع وقتهن ومحاسبتهن على التأخر. 

حمامات بلا صيانة 

وجود حمام بلا صيانة وإدامة لا يكون كافياً لتلبية احتياج النساء، بل قد يسبب مشاكل صحية، وهو ما تعرضت له دعاء وزميلاتها. 

تصف دعاء نظافة حمام مؤسستها بالجيدة مقارنة بقدم المؤسسة وأماكن العمل السابقة لها، لكن فجأة بدأت تظهر أعراض التهابات في جهازها البولي وآلام داخلية، وحين تحدثت عن الأمر مع زميلاتها اكتشفن أنهن يشتركن بالأعراض، وبعد استشارة طبيب عام، حولهن لطبيبة نسائية، التي أكدت لهن على أهمية نظافة الماء الذي يستعملنه في المرحاض! 

وعندما عرضن الموضوع على الإدارة اكتشفن أن خزان مياه البناء لم يُنظف منذ عام 2003، أي من عشرين عاماً! 

عانت دعاء وأمل ومريم من التهابات وأمراض أثرت على صحتهن الجسدية، وهن لسن وحدهن، إذ تؤكد الطبيبة بان عبد الجبار على العلاقة بين الأمراض والالتهابات، مثل التهاب المسالك البولية، وبين غياب الحمامات.  
 
لم تدم فرحة أمل وزميلاتها طويلاً، إذ بقي الحمام لسنة كاملة بلا خدمات أساسية، مثل “ماطور الماء”، فقررن شراء واحد على حسابهن الشخصي، كما تكفلن بشراء مستلزمات التنظيف وتناوبن على تنظيفه، رغم صيانته السيئة. 

تقول أمل: “الحمام حنفياته كلها خربانة الآن، والأبواب خربانة وما تنسد ولا تنغلق كذلك، وماكو أي تصليحات الهن وماكو سخان للماي حار”. 

يذكر تقرير لمنظمة العمل الدولية بعنوان “التشغيل والآفاق الاجتماعية في الدول العربية اتجاهات 2024″، أن في العـراق يتـم تعريـف الأفراد الذين يعملون لسـاعات طويلـة ومفرطـة عـلى أنهـم العاملون لمـدة 50 سـاعة أو أكثـر فـي الأسبوع. وقد بلغت نسبة العاملات لساعات طويلة ومفرطة في العراق 22.5 بالمئة من النساء و51.5 من الرجال، ما يعني أن العاملات يقضين وقتاً طويلاً في مواقع عمل لا توفر لهن الاحتياجات والحقوق الأساسية. 

وفي ورقة سياسات لتعزيز مشاركة المرأة والشباب في سوق العمل، صادرة عن منظمة العمل الدولية في عام 2024، فإن نسبة مشاركة النساء العراقيات في العمل من سن 15 عاماً وما فوق تبلغ 10.6 بالمئة فقط. 

ورغم توفر الإحصاءات حول مشاركة النساء في سوق العمل، فإننا لا نجد بيانات ترصد ظروف هذا العمل وظروف مكانه، أو مدى توفر الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية فيه، كدورات المياه. 
لا أحد يسأل، هل هناك حمام صالح للاستخدام؟ هل هو مخصص للنساء؟ هل يوفر الخصوصية والنظافة؟ 

الكثير من التصاميم تُبنى على افتراض أن الرجال والنساء يستخدمون الحمام بالطريقة والزمن نفسيهما، دون مراعاة احتياجات النساء، مثل الحاجة إلى وجود مغسلة داخل الكابينة، وصناديق مخصصة للفوط الصحية، أو مساحات أوسع لمرافقة الأطفال أو كبار السن، هذا التجاهل في التصميم يخلق ضغطاً أكبر على مرافق النساء، ويؤدي إلى طوابير أطول، مع وجود فروقات جندرية واضحة فيما يتعلق بالخصوصية والسلامة أثناء استخدام دورات المياه. 

لذا يؤثر سوء البنى التحتية على النساء بدرجة كبيرة، ولم تتخذ الحكومة أي مواقف جدية لحل هذه الأزمة. وفقاً لمؤشرات منظمة الصحة العالمية فإن قيمة المساعدات التي قدمتها الدول المتقدمة أو المنظمات الدولية لدعم مشاريع المياه والصرف الصحي في العراق بلغت 103 ملايين دولار أمريكي. 

فيما يعزو تقرير لليونسيف منشور عام 2023، الوصول المحدود لقطاع المياه والصرف الصحي والنظافة في العراق إلى عدة عوامل، من بينها التمويل العام غير الكافي لهذا القطاع، الذي لا يتجاوز 1 بالمئة من الإنفاق العام السنوي للحكومة. 

 أما تقرير لجنة الأمم المتحدة للمياه، الصادر عام 2022، عن أحوال المياه والصرف الصحي في العراق، فيشير إلى أن نسبة العراقيين الذين يستخدمون خدمات الصرف الصحي الآمنة تقدر بـ53 بالمئة فقط من السكان، ولم يتطرق التقرير إلى حمامات النساء أو استخدامهن للصرف الصحي الآمن.    

مدننا التي لا ترى أجسادنا 

تشرح الكاتبة النسوية ليزلي لوي، في كتابها، No Place to Go، How Public Toilets Fail Our Private Needs، “لا مكان للذهاب، كيف تفشل دورات المياه العامة في تلبية احتياجاتنا الخاصة”، أن الحمام هو صورة مصغرة لقيم المجتمع وأولوياته.  
لكن ما تثيره لوي لا يقتصر على البنية التحتية، بل يطرح سؤالاً أعمق: لمن يُصمَّم الفضاء العام أصلاً؟ فالمراحيض العامة ليست مجرد خدمة، بل انعكاس لكيفية تخيّل بناة المدن ومخططيها للمستخدمين، وعندما يُفترض ضمناً أن “المستخدم النموذجي” هو رجل أو شاب يعمل في الخارج ويأتي وحده بلا أطفال تُهمَّش كل النساء اللواتي تختلف حياتهن عن هذا النموذج. 

في العراق، لا يرتبط غياب أو سوء المراحيض العامة فقط بسوء التخطيط العمراني، بل بثقافةٍ تعتبر احتياجات النساء موضوعاً محظوراً، الحديث عن الحمّام أو النظافة أو الدورة الشهرية يُعدّ في ذاته “عيباً”، ما ينعكس على سياسات المدن التي لا ترى في الحمّامات أولوية، وتصبح المدن أكثر قسوة على النساء، فالموظفات يضطررن إلى العودة للمنزل من أجل قضاء حاجتهن، والطالبات يتجنّبن شرب الماء في المدارس، والبائعات في الأسواق يقضين يوماً كاملاً بلا مرافق آمنة. 

تتذكر دعاء حادثةً في دائرة حكومية، حين طلبت سيدة مسنة استخدام الحمام، فبقي الموظفون يبحثون عن المفتاح بينما كانت المرأة تنتظر على مقعدٍ حديدي متوترة ومحرجة. 

وفي فترة حملها، كانت دعاء نفسها تمتنع عن شرب الماء قبل خروجها من المنزل، خوفاً من الحاجة إلى استخدام حمام غير نظيف أو مغلق. 

تضيف لوي أن ذوي وذوات الاحتياجات الخاصة هم الفئة الأكثر تهميشاً في هذا السياق. فحتى في المدن المتقدمة نادراً ما تُراعى احتياجاتهم في التخطيط العمراني الحديث، فكيف في بلدٍ يعاني أصلاً من ضعف البنى التحتية. 

تقول المهندسة المعمارية مريم شوكت، وهي من ذوات الإعاقة، وقد عانت شخصياً من غياب مرافق تراعي حقها واحتياجها الطبيعي، في المدرسة والجامعة والدوائر الحكومية وحتى المطاعم، إن مشكلات المراحيض العامة في العراق ليست مجرد نقص في الخدمات، بل نتيجة مباشرة لتخطيطٍ عمراني وهندسي يقوم على مقاييس نمطية لا تراعي اختلاف المستخدمين والمستخدمات. 

تقول مريم: “المدينة تُصمم وفق نموذجٍ نمطي يفترض مستخدماً واحداً، شاباً وقادراً بدنياً، وهذا يعكس غياب البعد الإنساني في التفكير المعماري”. 

وترى أن ما يُسمى بـ”الحياد” في التصميم الهندسي هو في الواقع تحيز مقنع، لأنه يتجاهل الفروقات الجسدية والاجتماعية بين الناس. “تصميم حمام عام بمساحة متساوية للنساء والرجال ليس عادلاً، لأن النساء يحتجن وقتاً أطول في الاستخدام، ومساحات أوسع للحركة أو لمرافقة الأطفال”. 

وتوضح أن التصميم هذا -إن وجد- يؤدي إلى خللٍ في الأداء واستهلاك أسرع لمرافق النساء، بسبب ضيق الكبائن وسوء التهوية وغياب مناطق الانتظار أو تبديل الملابس. كما يخطَط لكثير من الحمامات بطريقة تكشف المرايا والمغاسل من المدخل مباشرة، ما يفقد النساء خصوصيتهن، في حين يمكن حل تلك المشكلة ببساطة من خلال إضافة مساحة انتقالية صغيرة قبل منطقة الاستخدام. 

وتؤكد مريم أن التخطيط المراعي للجندر لا يعني “تأنيث” الفضاء العام، بل تصميمه على أساس العدالة. فالمهندس يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً حين يعيد التفكير في التوزيع الداخلي، واتجاه النوافذ، والإشارات، ويضمن كبائن أوسع تناسب ذوات الإعاقة والأمهات وكبار السن، تضيف: “المدن التي صُممت من منظورٍ ذكوري تجاهلت تفاصيل الحياة اليومية للنساء”. 

وهكذا، كما تكتب لوي، فإن النقاش حول الحمامات لا يتعلق فقط بالبنية التحتية، بل بالكرامة والمساواة نفسيهما. فالحق في دخول حمامٍ آمن ونظيف ليس رفاهية، بل أحد مقاييس العدالة في المدينة. وعندما يصبح تصميم المكان نفسه اعترافاً بالاختلاف الإنساني، يمكن القول إننا بدأنا نبني مدناً تسمح لكل جسدٍ بأن يكون موجوداً، بكرامة، وبدون خوف، وعندها تستطيع الطفلات الذهاب إلى الحمامات، وتشرب الموظفات قدر ما يردن من المياه. 

ومنكم/ن نستفيد ونتعلم

هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media

اقرأ ايضاً

“لا تشربن مي قبل الطلعة”، ستكون هذه القاعدة الأولى التي نتلقاها نحن الفتيات، إذ لا مكان لقضاء احتياجنا البشري في إفراغ المثانة والأمعاء. لذا على مثانتنا وأمعائنا أن تحبسا حاجتهما في كل المؤسسات والأماكن، وهذا وإن كان غير صحي و”غير إنساني”، إلا أننا قد نتحمله متحايلات على أجسادنا. 

لكن، كيف سنوقف دم الدورة الشهرية في قيظ الصيف وجليد الشتاء؟ وكيف ستتحمل الحوامل اللواتي يحتجن إلى استخدام الحمام بشكل متكرر بسبب ضغط الجنين على المثانة؟ وماذا عن مريضات السكري اللواتي يعانين من كثرة التبول؟ أو المصابات بالتهابات المسالك البولية وأمراض الجهاز الهضمي، كالبواسير، ممن يحتجن إلى دورات مياه نظيفة ومتاحة دائماً؟ 

عام 2010، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم A/RES/64/292 بعنوان “الاعتراف بحق الإنسان في المياه وخدمات الصرف الصحي”، الذي ينص على أن الحصول على مياه شرب مأمونة وصرف صحي ملائم هو حق من حقوق الإنسان. ويحث القرار الدول الأعضاء، ومن بينها العراق، على اتخاذ التدابير اللازمة لضمان هذا الحق، خاصة للفئات الأكثر تهميشاً. 

ورغم أن القرار لا يحمل طابعاً إلزامياً كالمعاهدات الدولية، إلا أنه يمثل مرجعية قانونية وأخلاقية، تُبنى عليها التزامات الدول أمام المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة مثل اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وUN-Habitat، وتُطالب الدول بتقديم خطط وطنية واضحة لضمان هذا الحق لجميع المواطنين، بما يشمل المدارس والمرافق الصحية وأماكن العمل. 

في العراق، لم يترجَم هذا الالتزام الأممي إلى سياسة وطنية شاملة تضمن توفير حمّامات آمنة ومجهزة للنساء والفتيات، لا سيما في المدارس والمؤسسات العامة، بل على العكس، ما زال غياب هذه المرافق يقوّض الحق الأساسي للنساء، ويعرّضهن لمخاطر صحية مستمرة، ويؤثر على فرصهن في التعليم والعمل. 

وبحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) حول تصميم البنية التحتية من أجل المساواة الجندرية، فإن النساء والفتيات هن الأكثر تأثراً بانعدام أو سوء مرافق المياه والصرف الصحي، خاصة فيما يخص النظافة خلال فترة الحيض، والحمل، والولادة. التقرير يؤكد أن تجاهل هذه الاحتياجات في التخطيط العمراني والخدمات العامة يُسهم في زيادة نسب التغيب والتسرب من المدارس، وانخفاض مشاركة النساء في الحياة العامة وسوق العمل. 

في ظل هذه المعطيات، تصبح جهات مثل وزارة التربية، ووزارة الصحة، ووزارة الإعمار والبلديات، إضافة إلى الوحدات المحلية المعنية بالصرف الصحي، مطالبة بمراجعة شاملة للبنية التحتية المدرسية والخدمية من منظور جندري، يضمن هذا الحق الأساسي ويخرجه من حيز “الترف” إلى صلب السياسات العامة. 

ماذا يعني ألا يكون هناك حمام للإناث؟  

“بالمدرسة جنه نحبس نفسنا، أو جنه نبول بلا تشطيف”، ستتعلّم أمل (29 عاماً) من الناصرية، في السادسة من عمرها درسها الأول في الحياة كفتاة في بيئة لا تراعي احتياجاتها الإنسانية. لم يكن الدرس عن سوء البنية التحتية فحسب، بل عن الصمت والإحراج والضغط النفسي الذي يرافق أبسط وظيفة بيولوجية حين لا يكون المكان آمناً أو نظيفاً أو مجهزاً بما يلزم لحفظ الخصوصية والكرامة.  
فحمّام المدرسة الوحيد كان ماؤه مقطوعاً، ومجاريه “خربانة وطافحة”، ولا توجد فيه حاوية نفايات، وستظل رائحته عالقة في ذاكرتها حتى بعد مرور أكثر من عشرين عاماً، كما يلازمها مشهد الحشرات على أرضيته. 

أما دعاء (27 عاماً) من بغداد، فلن تنسى “الكاشي المشلع، ماكو مي، وكارثة غياب النظافة هي صورة وحدة ما تغيب”. هكذا تحضر في ذاكرتها حمّامات المدرسة، إذ أُجبرت في طفولتها على استخدام حمام غير صالح، تعرضت بسببه لصدمة قوية من هول رائحة البراز والبول والذباب وانعدام النظافة. 

انتُهك أبسط حق لأمل ودعاء في أولى سنوات حياتهن كطفلات، الحق في استخدام الحمام وقضاء الحاجة. وقد لا تكونا وحدهما؛ إذ تشكّل النساء 49.8 بالمئة من سكان العراق، بحسب أحدث الإحصاءات السكانية لعام 2024، ومن بينهن أيضاً الكثير من العاملات في القطاع العام والخاص. 

حينما اضطرت أمل إلى حبس البول لساعات طويلة، ومثلها دعاء ومريم، تعرضن لالتهاب المسالك البولية، وتناقش دراسة نشرت عام 2022 في المكتبة الوطنية للطب الأمريكي، أن حبس البول سلوك خطر يؤدي إلى الإصابة بعدوى المسالك البولية، فحبسه لفترات طويلة يسمح للبكتيريا الموجودة في الإحليل-الجزء السفلي من الجهاز البولي- بالنمو بشكل أكبر، وإذا بقي البول في المثانة فترة طويلة يمكن أن تصعد بعض البكتيريا إلى الكلى وتسبب عدوى، التي من الممكن أن تصبح مشكلة صحية كبيرة تهدد حياة المريضة إذا لم تُعالج. 

وقد ذكرت الدراسة أن 88 بالمئة من النساء صرَّحن بأنهن يُجبَرن على حبس البول بسبب عدم وجود مرافق صحية ولا حتى مشتركة أثناء الرحلات الطويلة، و87 بالمئة يحبسنه بسبب عدم وجود مرافق صحية مخصصة للنساء، و90 بالمئة من المشاركات فضلن حبس البول وإن توفرت مرافق صحية بسبب عدم نظافة الحمامات. 

تذكر دعاء إصابتها بمرض فطري يعرف بـ”Candida“، وتشرح الطبيبة بان عبد الجبار، أخصائية النسائية في صحة الرصافة ببغداد، بأنه أحد أنواع الالتهاب المنتشرة، وهو عدوى فطرية مهبلية تحدث بسبب فرط نمو فطر المبيضات، وهو نوع من الفطريات التي تعيش بشكل طبيعي على الجلد وداخل الجسم، مثل الفم والحلق والأمعاء والمهبل، دون أن تسبب أي مشاكل، لكن تغير الظروف داخل المهبل يشجع على نموها مما يسبب مرضاً. 

تصاب المريضة بحكة داخلية وخارجية قوية، مع احمرار في المنطقة الحساسة، وألم وحرقان عند التبول، وألم عند ممارسة العلاقة الحميمة، وإفرازات مهبلية سميكة بيضاء تشبه الجبن وليس لها رائحة كريهة. 

يمكن أن تصاب بعض النساء بعدوى شديدة تسبب احمراراً وتورماً وتشققات في جدار المهبل.   

وتشير الطبيبة بان عبد الجبار إلى احتمالية انتقال الأمراض الجنسية من خلال المراحيض، وخاصة الغربية، لذا توصي باستخدام واقيات المراحيض للحماية من العدوى. 

الغياب بسبب الحمام 

تترك المرة الأولى التي نختبر فيها الدورة الشهرية أثراً على علاقتنا بأجسادنا، ففي هذه اللحظة الحساسة نحتاج إلى فهم، وتهيئة، ومكان آمن. لكن في بلد يصعب فيه العثور على حمام صالح للاستخدام، تمر هذه التجربة غالباً دون خصوصية أو أمان. 

“صار أكو ذعر بالشعبة”، لم تنسَ دعاء منظر الدم على جوارب زميلتها في الصف الثالث المتوسط. في تلك السن لم تكن غالبية الفتيات من مدينتها المحافظة يعرفن شيئاً عن الدورة الشهرية، ولا حتى الفتاة نفسها التي تجمدت في مكانها لا تعرف ماذا تفعل، دموع تنهمر من عينيها فقط وشعور بالذنب. بقيت متجمدة تنزف، حتى تدخلت إحدى المعلمات، تقول دعاء: “أخذتها للحمام اللي كنا نستعمله بالبوكة”، حمام المعلمات الممنوع على الطالبات استخدامه. رغم برودة الجو، غسلت المعلمة الجوارب وأعادتها إليها لتلبسها وهي مبللة، فليس هناك بديل. تضيف دعاء: “هذا الموقف أبد ما أنساه”. 

عرف الصف كله بما حدث، ليس لأن أحداً شرح لهن معنى الدورة، بل لأن الدم ظهر على ملابس الفتاة. وتلوم دعاء غياب الحمام، فقد كان من الممكن أن يمنح زميلتها خصوصية ويخفف من الصدمة، ويمنع الحرج الذي شعرت به أمام الصف. 

قد يكون هذا الموقف أخف حرجاً من منظر بقعة الدم على صدريّة المدرسة بلونها الفاتح، كما حدث لزميلة مريم (24 عاماً) من صلاح الدين، حين كانت في الثانوية، حيث بقيت غارقة بالدماء تحت حرارة الصيف طوال يوم دراسي كامل، ما يعادل سبع إلى ثماني ساعات. ولإيصالها إلى المنزل، وقفت الفتيات أمامها وخلفها، تقول مريم: “واحدة كدامها واثنين وراها لما وصلناها للبيت”. 

لتجنّب مواقف كهذه، اعتادت مريم أن تتغيّب في أول أيام الدورة، كما تفعل زميلاتها، ما ينعكس سلباً على مستواهنّ التعليمي، نتيجة التغيب عن الدروس والامتحانات التي قد تفوتهن، مما ينقص درجاتهن وتقيمهن الدراسي. 

يمكن أن تؤثر البنية التحتية الضعيفة وغير المراعية للنوع الاجتماعي بشكل سلبي على الفتيات، وتترك آثاراً طويلة الأمد على صحتهن وفرص تعليمهنّ، وحتى على مشاركتهنّ الاقتصادية. 

تؤكد كوثر المحمداوي، مؤسسة منظمة “سقيا للإغاثة والتنمية”، أن كثيراً من الطالبات من ذوات الدخل المحدود يضطررن إلى التسرب من المدارس بسبب عدم قدرتهن على توفير الفوط الصحية، ويزيد من معاناتهن غياب أو سوء الحمامات، خاصة في مدارس الأقضية والنواحي. وتتلقى المحمداوي العديد من الشكاوى من أمهات الطالبات، خصوصاً مع أولى سنوات البلوغ لدى الفتيات. 

ووفق الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، فإن عدد الفتيات المتسربات من المدرسة هو ضعف عدد الذكور. وبينما تغيب الإحصائيات الدقيقة والمُحدّثة حول أسباب التسرب، يصرّح مصدر خاص في وزارة التربية –تحدث إلى “جمار”– أن الحالة “الكارثية”، فسوء حمامات الفتيات، التي وردت عنها شكاوى من الأهالي طوال سنوات، قد يكون أحد أسباب التسرب، رغم تأكيده على غياب الأرقام والأسباب الرسمية. 

أما استخدام الفوط لساعات طويلة وعدم تغييرها بانتظام فقد يعرض النساء لالتهابات، بحسب الطبيبة بان عبد الجبار المختصة بالأمراض النسائية، نتيجة المواد السامة التي تحويها الفوط التجارية الرخيصة والمنتشرة في أغلب الأسواق، فأثناء الدورة يكون عنق الرحم مفتوحاً وأكثر عرضة للإصابة بالبكتيريا وأشد تأثراً بالمواد السامة. 

كيف يعزز المجتمع والمؤسسات تابو الحمام؟ 

وجود حمّام أقلّ سوءاً كان ليجنّب أمل وزميلاتها الكثير من المواقف المحرجة، لكن بغياب حاوية للنفايات ظهرت مشكلتان جديدتان. أولاهما، الروائح والبكتيريا، تقول أمل: “وإذا ردنا نبدّل السانتي، وين نذبّه؟ ماكو سلّة مهملات.. جنّا نلفّه بورقة ونرجّعه ويانا للبيت بالجنطة ونذبّه بالبيت”. 
أما المشكلة الثانية، فهي “العيب”، ففي مدرسة أمل، وبعد توفير حاوية للنفايات، وبّخت المديرة الطالبات لأنهنّ رمين فوطة صحية فيها! 

“تفتر على صف صف، ترزل بينا وتشتم بينا وتكول: ممنوع تذبّن السانتي بالحاوية.. عيب وحرام وفضيحة! ذبّي بزبالة أهلك مو بزبالة المدرسة”. 

تؤكّد اليونيسف أن العناية الصحية أثناء فترة الحيض ليست رفاهية، بل حق مرتبط بالكرامة والصحة والمساواة الجندرية. فحين تُحرَم الفتاة أو العاملة من مكان آمن لتغيير فوطتها الصحية، أو لا تجد ماءً نظيفاً وسلّة نفايات، يتجاوز الأمر كونه مجرّد إزعاج جسدي ليمسّ إحساسها بالأمان والانتماء. هذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، لكنها تُكرّس إقصاءً صامتاً وتعمّق الفجوة بين الأفراد في بيئات العمل والتعليم. 

ورغم أن الدورة الشهرية حالة بيولوجية طبيعية، إلا أنها ما زالت تُعامَل من قِبل البعض كمصدر خجل وتابو، وكشيء يجب المبالغة في إخفاء أثره، حتى بين النساء. وهذا ما عاشته أمل وزميلاتها في محاولاتهن المستمرة لإخفاء الفوط الصحية، حتى في محيطٍ مكوّنٍ من النساء. 

في عام 2017، مع دخول دعاء إحدى جامعات بغداد، وبما أنها من طالبات الدراسة المسائية، واجهت هي وزميلاتها مشكلة إغلاق جميع الحمامات في المبنى، حيث لا يوجد حارس في الفترة المسائية ولا خدمات صيانة، وكانت الإدارة تبرر الإغلاق بحجج مثل “ما عدنا كوادر تنظف أو أحد يشرف عليه”. 

لسنة دراسية كاملة، ومع كل دورة شهرية، كانت دعاء وزميلاتها يضطررن إلى المشي لكلية أخرى تفتح حمامها الوحيد الذي تستخدمه طالبات الجامعة كلها، مما يجعلهن يقفن في طابور طويل. 
في السنة الجامعية التالية، وعند تكرار المشكلة نفسها، قررت دعاء ألا تسكت هذه المرة. 
بدأت كلامها مع مقررة القسم بعبارة: “سوري، بس إحنا مو حيوانات”، تفاجأت المقررة بنبرة دعاء وطريقتها، حيث عادةً ما تخجل الفتيات من المطالبة بحقوقهن البسيطة، وربما لم يكن بعضهن يدرك أن هذا المطلب من حقوقهن. 
ذكرت دعاء لمقررة القسم، وهي امرأة، أنها تعرف جيداً ما يحتجن إليه، وقالت لها: “إنتِ أستاذة وتعرفين شنو يعني ابنية بهذا العمر، وأنا مضطرة أعبر ثلاث كليات حتى أصل للحمام، وكل قسم فيه ثلاث حمامات مغلقة”. رحلتها كانت تستغرق أكثر من 30 دقيقة. 
بعد حوار طويل واستمرار المطالبة لأسبوع، تمت تلبية مطلبهن مؤقتاً، لكن الوضع استمر أسبوعاً واحداً فقط، ثم أعيد إغلاق جميع حمامات الأقسام ما عدا حمام قسمها، مع تكرار الحجج نفسها، غياب الإشراف وكوادر التنظيف. 
تروي دعاء كيف اضطررن إلى التكيف مع الوضع، فبدلاً من قضاء فترة الاستراحة في تناول الطعام أو شراء مستلزمات المحاضرة التالية، كن يذهبن إلى الحمام، “صرنة نوكف سرى على الحمام، بالاستراحة اللي مدتها ربع ساعة نروح ونتأخر”. إذ عاد الوضع إلى ما كان عليه. 

رحلة البحث عن حمام تمتد إلى أماكن العمل، حيث تتكبد النساء جهداً ووقتاً كبيرين، في ظل غياب شروط بيئة العمل المناسبة. 

عام 2019، لم تفهم أمل في البداية سبب سخرية الموظفين والموظفات من سؤالها عن وجود حمام خاص للنساء. تقول: “سؤالي جان يعتبر فضيحة، كالوا هي ما تستحي تسأل على حمام وتريد حمام”. لم يكن الأمر مجرد استغراب، بل كان يصل إلى السخرية من الحديث عن احتياج طبيعي. 

لاحقاً، اكتشفت أن المكان لا يحتوي على حمام مخصص للنساء، وأن الموظفات القديمات يضطررن إلى استخدام حمام مشترك مع زملائهن الرجال، وغالباً في حالات الضرورة القصوى فقط. لتجنب ذلك، تعمد بعض الموظفات إلى تقليل شرب الماء أو الامتناع عن السوائل أثناء الدوام، وفي بعض الحالات يلجأن إلى استخدام حمام داخل شقة تسكنها إحدى الموظفات في المديرية نفسها. 

هذا يحدث رغم أن بيئة العمل تُوصف بـ”العشائرية”، حيث يُفترض أن الاختلاط غير مرحّب به. لكن في الواقع، لم ينعكس هذا الرفض الاجتماعي على بنية المكان أو قرارات إدارته، بل إن غياب الحمام النسائي فرض على النساء أن يتشاركن مع الرجال في حمام واحد، وكأن “الاختلاط” يصبح مقبولاً. 

استخدام الحمام المشترك يعرّض النساء لإحراجات تمسّ خصوصيتهن الجسدية والدينية، فاللواتي يرتدين العباية يحتجن إلى خلعها قبل دخول المرحاض، وهو ما يصعب فعله في حال وجود رجال، ما يدفع كثيرات إلى الامتناع عن استخدام الحمام. أما من تضطر إلى استخدامه فقد تواجه تعليقات أو نظرات من الزملاء، فتصبح السخرية من عدد مرات دخول الحمام، أو الإيحاءات الجارحة، أو “البصبصة” جزءاً من يوم العمل. 

التجربة لم تكن مختلفة كثيراً لدى مريم، التي عملت في مؤسسة إعلامية أهلية بوصفها الموظفة الوحيدة بين الرجال، ولم تجد أيضاً حماماً مخصصاً للنساء، كان عليها استخدام الحمام المشترك، وهو ما دفعها أحياناً إلى طلب إجازات مرضية لتفادي أي إحراج. تقول إن تعليقات مثل “ها، عرفت أنتِ عليج” كانت تُقال بنبرة مزاح، لكنها تحمل أثراً جارحاً، خصوصاً في ظل ثقافة تعتبر الحديث عن الحيض عيباً، وتربط بينه وبين الشعور بالخجل أو الدونية. 

تروي أمل أنه بعد زيادة أعداد الموظفات والموظفين لم يعد الحمام المختلط يفي بالغرض، فطالبن بواحد خاص لهن، واستمرت مطالبتهن لمدة ثلاث سنوات، يحاولن إقناع مدير المديرية ورؤساء أقسامهن، وفي كل مرة يستغربون من مطالبتهن بحمام!  

وظل طلبهن مرفوضاً كونهن يمثلن ثُمن عدد الموظفين، ومن وجهة نظر الإدارة المتمثلة برجال الأمر لا يستحق صرف مخصصات لعدد موظفات قليل. 

لكن أمل وزميلاتها استمررن في شرح احتياجاتهن كنساء، مثل الدورة الشهرية وإصابة بعض الموظفات بمشاكل صحية مثل التهاب المجاري البولية، أو السكري، أو الإسهال، أو كون إحداهن حاملاً، وأخريات يجلبن أطفالهن للدوام ويحتجن إلى استخدامه. 

وبعد مناشدات وضغوط كثيرة استطعن الحصول على حمام خاص بهن، وهو حمام صغير فيه مرحاض شرقي وآخر غربي ومغسلة، مقارنة بحمام الرجال الذي يحوي أربعة مراحيض شرقية واثنان غربيان وأربع مغاسل، لكن حمام النساء كان بعيداً جداً عن المكتب، مما يعني ضياع وقتهن ومحاسبتهن على التأخر. 

حمامات بلا صيانة 

وجود حمام بلا صيانة وإدامة لا يكون كافياً لتلبية احتياج النساء، بل قد يسبب مشاكل صحية، وهو ما تعرضت له دعاء وزميلاتها. 

تصف دعاء نظافة حمام مؤسستها بالجيدة مقارنة بقدم المؤسسة وأماكن العمل السابقة لها، لكن فجأة بدأت تظهر أعراض التهابات في جهازها البولي وآلام داخلية، وحين تحدثت عن الأمر مع زميلاتها اكتشفن أنهن يشتركن بالأعراض، وبعد استشارة طبيب عام، حولهن لطبيبة نسائية، التي أكدت لهن على أهمية نظافة الماء الذي يستعملنه في المرحاض! 

وعندما عرضن الموضوع على الإدارة اكتشفن أن خزان مياه البناء لم يُنظف منذ عام 2003، أي من عشرين عاماً! 

عانت دعاء وأمل ومريم من التهابات وأمراض أثرت على صحتهن الجسدية، وهن لسن وحدهن، إذ تؤكد الطبيبة بان عبد الجبار على العلاقة بين الأمراض والالتهابات، مثل التهاب المسالك البولية، وبين غياب الحمامات.  
 
لم تدم فرحة أمل وزميلاتها طويلاً، إذ بقي الحمام لسنة كاملة بلا خدمات أساسية، مثل “ماطور الماء”، فقررن شراء واحد على حسابهن الشخصي، كما تكفلن بشراء مستلزمات التنظيف وتناوبن على تنظيفه، رغم صيانته السيئة. 

تقول أمل: “الحمام حنفياته كلها خربانة الآن، والأبواب خربانة وما تنسد ولا تنغلق كذلك، وماكو أي تصليحات الهن وماكو سخان للماي حار”. 

يذكر تقرير لمنظمة العمل الدولية بعنوان “التشغيل والآفاق الاجتماعية في الدول العربية اتجاهات 2024″، أن في العـراق يتـم تعريـف الأفراد الذين يعملون لسـاعات طويلـة ومفرطـة عـلى أنهـم العاملون لمـدة 50 سـاعة أو أكثـر فـي الأسبوع. وقد بلغت نسبة العاملات لساعات طويلة ومفرطة في العراق 22.5 بالمئة من النساء و51.5 من الرجال، ما يعني أن العاملات يقضين وقتاً طويلاً في مواقع عمل لا توفر لهن الاحتياجات والحقوق الأساسية. 

وفي ورقة سياسات لتعزيز مشاركة المرأة والشباب في سوق العمل، صادرة عن منظمة العمل الدولية في عام 2024، فإن نسبة مشاركة النساء العراقيات في العمل من سن 15 عاماً وما فوق تبلغ 10.6 بالمئة فقط. 

ورغم توفر الإحصاءات حول مشاركة النساء في سوق العمل، فإننا لا نجد بيانات ترصد ظروف هذا العمل وظروف مكانه، أو مدى توفر الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية فيه، كدورات المياه. 
لا أحد يسأل، هل هناك حمام صالح للاستخدام؟ هل هو مخصص للنساء؟ هل يوفر الخصوصية والنظافة؟ 

الكثير من التصاميم تُبنى على افتراض أن الرجال والنساء يستخدمون الحمام بالطريقة والزمن نفسيهما، دون مراعاة احتياجات النساء، مثل الحاجة إلى وجود مغسلة داخل الكابينة، وصناديق مخصصة للفوط الصحية، أو مساحات أوسع لمرافقة الأطفال أو كبار السن، هذا التجاهل في التصميم يخلق ضغطاً أكبر على مرافق النساء، ويؤدي إلى طوابير أطول، مع وجود فروقات جندرية واضحة فيما يتعلق بالخصوصية والسلامة أثناء استخدام دورات المياه. 

لذا يؤثر سوء البنى التحتية على النساء بدرجة كبيرة، ولم تتخذ الحكومة أي مواقف جدية لحل هذه الأزمة. وفقاً لمؤشرات منظمة الصحة العالمية فإن قيمة المساعدات التي قدمتها الدول المتقدمة أو المنظمات الدولية لدعم مشاريع المياه والصرف الصحي في العراق بلغت 103 ملايين دولار أمريكي. 

فيما يعزو تقرير لليونسيف منشور عام 2023، الوصول المحدود لقطاع المياه والصرف الصحي والنظافة في العراق إلى عدة عوامل، من بينها التمويل العام غير الكافي لهذا القطاع، الذي لا يتجاوز 1 بالمئة من الإنفاق العام السنوي للحكومة. 

 أما تقرير لجنة الأمم المتحدة للمياه، الصادر عام 2022، عن أحوال المياه والصرف الصحي في العراق، فيشير إلى أن نسبة العراقيين الذين يستخدمون خدمات الصرف الصحي الآمنة تقدر بـ53 بالمئة فقط من السكان، ولم يتطرق التقرير إلى حمامات النساء أو استخدامهن للصرف الصحي الآمن.    

مدننا التي لا ترى أجسادنا 

تشرح الكاتبة النسوية ليزلي لوي، في كتابها، No Place to Go، How Public Toilets Fail Our Private Needs، “لا مكان للذهاب، كيف تفشل دورات المياه العامة في تلبية احتياجاتنا الخاصة”، أن الحمام هو صورة مصغرة لقيم المجتمع وأولوياته.  
لكن ما تثيره لوي لا يقتصر على البنية التحتية، بل يطرح سؤالاً أعمق: لمن يُصمَّم الفضاء العام أصلاً؟ فالمراحيض العامة ليست مجرد خدمة، بل انعكاس لكيفية تخيّل بناة المدن ومخططيها للمستخدمين، وعندما يُفترض ضمناً أن “المستخدم النموذجي” هو رجل أو شاب يعمل في الخارج ويأتي وحده بلا أطفال تُهمَّش كل النساء اللواتي تختلف حياتهن عن هذا النموذج. 

في العراق، لا يرتبط غياب أو سوء المراحيض العامة فقط بسوء التخطيط العمراني، بل بثقافةٍ تعتبر احتياجات النساء موضوعاً محظوراً، الحديث عن الحمّام أو النظافة أو الدورة الشهرية يُعدّ في ذاته “عيباً”، ما ينعكس على سياسات المدن التي لا ترى في الحمّامات أولوية، وتصبح المدن أكثر قسوة على النساء، فالموظفات يضطررن إلى العودة للمنزل من أجل قضاء حاجتهن، والطالبات يتجنّبن شرب الماء في المدارس، والبائعات في الأسواق يقضين يوماً كاملاً بلا مرافق آمنة. 

تتذكر دعاء حادثةً في دائرة حكومية، حين طلبت سيدة مسنة استخدام الحمام، فبقي الموظفون يبحثون عن المفتاح بينما كانت المرأة تنتظر على مقعدٍ حديدي متوترة ومحرجة. 

وفي فترة حملها، كانت دعاء نفسها تمتنع عن شرب الماء قبل خروجها من المنزل، خوفاً من الحاجة إلى استخدام حمام غير نظيف أو مغلق. 

تضيف لوي أن ذوي وذوات الاحتياجات الخاصة هم الفئة الأكثر تهميشاً في هذا السياق. فحتى في المدن المتقدمة نادراً ما تُراعى احتياجاتهم في التخطيط العمراني الحديث، فكيف في بلدٍ يعاني أصلاً من ضعف البنى التحتية. 

تقول المهندسة المعمارية مريم شوكت، وهي من ذوات الإعاقة، وقد عانت شخصياً من غياب مرافق تراعي حقها واحتياجها الطبيعي، في المدرسة والجامعة والدوائر الحكومية وحتى المطاعم، إن مشكلات المراحيض العامة في العراق ليست مجرد نقص في الخدمات، بل نتيجة مباشرة لتخطيطٍ عمراني وهندسي يقوم على مقاييس نمطية لا تراعي اختلاف المستخدمين والمستخدمات. 

تقول مريم: “المدينة تُصمم وفق نموذجٍ نمطي يفترض مستخدماً واحداً، شاباً وقادراً بدنياً، وهذا يعكس غياب البعد الإنساني في التفكير المعماري”. 

وترى أن ما يُسمى بـ”الحياد” في التصميم الهندسي هو في الواقع تحيز مقنع، لأنه يتجاهل الفروقات الجسدية والاجتماعية بين الناس. “تصميم حمام عام بمساحة متساوية للنساء والرجال ليس عادلاً، لأن النساء يحتجن وقتاً أطول في الاستخدام، ومساحات أوسع للحركة أو لمرافقة الأطفال”. 

وتوضح أن التصميم هذا -إن وجد- يؤدي إلى خللٍ في الأداء واستهلاك أسرع لمرافق النساء، بسبب ضيق الكبائن وسوء التهوية وغياب مناطق الانتظار أو تبديل الملابس. كما يخطَط لكثير من الحمامات بطريقة تكشف المرايا والمغاسل من المدخل مباشرة، ما يفقد النساء خصوصيتهن، في حين يمكن حل تلك المشكلة ببساطة من خلال إضافة مساحة انتقالية صغيرة قبل منطقة الاستخدام. 

وتؤكد مريم أن التخطيط المراعي للجندر لا يعني “تأنيث” الفضاء العام، بل تصميمه على أساس العدالة. فالمهندس يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً حين يعيد التفكير في التوزيع الداخلي، واتجاه النوافذ، والإشارات، ويضمن كبائن أوسع تناسب ذوات الإعاقة والأمهات وكبار السن، تضيف: “المدن التي صُممت من منظورٍ ذكوري تجاهلت تفاصيل الحياة اليومية للنساء”. 

وهكذا، كما تكتب لوي، فإن النقاش حول الحمامات لا يتعلق فقط بالبنية التحتية، بل بالكرامة والمساواة نفسيهما. فالحق في دخول حمامٍ آمن ونظيف ليس رفاهية، بل أحد مقاييس العدالة في المدينة. وعندما يصبح تصميم المكان نفسه اعترافاً بالاختلاف الإنساني، يمكن القول إننا بدأنا نبني مدناً تسمح لكل جسدٍ بأن يكون موجوداً، بكرامة، وبدون خوف، وعندها تستطيع الطفلات الذهاب إلى الحمامات، وتشرب الموظفات قدر ما يردن من المياه.