الحياة مع أفعى.. وصايا السيد دخيل للنجاة من الموت
13 تشرين الثاني 2025
في قضاء السيد دخيل بذي قار، تحوّلت الحياة اليومية إلى صراع دائم مع الأفاعي المنشارية القاتلة (أفعى السيد دخيل)، هناك الأهالي يعيشون بين الحذر والخوف، يسدّون شقوق المنازل، ويراقبون خطواتهم، ويتأقلمون مع واقع يجعل الموت احتمالاً يومياً.
في ظهيرة صيف شديدة الحرارة، كان أحمد شرشاب (34 عاماً)، الجندي في الجيش العراقي، يجلس في منزله بقرية العبودة التابعة لقضاء السيد دخيل، بمحافظة ذي قار، القرية معروفة بخطورة الأفاعي التي تنتشر فيها، قطع صمت المنزل صراخ ابنته، “بابا.. حيّة بالمرافق”.
تحرك أحمد على الفور باتجاه المرافق، حيث كانت ابنته الأخرى، ذات الأربع سنوات، تقف أمام الأفعى في وضع الاستعداد للهجوم، سحب طفلته بسرعة وقتل الأفعى ودفنها في فناء المنزل.
الأمر لم يتوقف عند ذلك، لفت انتباهه اضطراب حركة العصافير في أرضه الزراعية المجاورة، وما هي إلا لحظات حتى شاهد أفعى تهاجم عصفوراً وتلتهمه.
خلال طريقه إلى منزل أحد جيرانه برفقة ابنته زهراء، صادف قطّة تتصارع مع أفعى أخرى، وأثناء سيره لاحظ وخزة حمراء صغيرة في كف ابنته، سألها، فأجابته: “الحية ضربتني بكفي وگلت لها وخري عني”. أدرك حينها أنها تعرضت للدغة أفعى السيد دخيل المعروفة بسمّها القاتل.
حملها بسرعة إلى المركز الصحي، حيث أُعطيت المصل المضاد، ثم نُقلت إلى مستشفى بنت الهدى في الناصرية لمتابعة حالتها، بعد 24 ساعة تجاوزت مرحلة الخطر وعادت إلى المنزل، لكن القلق بقي مسيطراً على والدها.

منذ ذلك اليوم، تعيش الأسرة في حالة حذر دائم، يمنع أحمد أطفاله من اللعب في الخارج، بينما تسد زوجته الشقوق في الجدران والأبواب كل ليلة. الأرض المحيطة جافة ومليئة بالجحور، والجداول التي كانت توفر الماء جفّت، فصارت المنطقة بيئة ملائمة للأفاعي، وحتى عند خروجه من المنزل، يختار أحمد الطرق المفتوحة، مركّزاً نظره على الأرض لمراقبة أي حركة.
أثر السّمّ
السكان هناك يطلقون على الأفعى تسمية “حيّة السيد دخيل”، لكن الدراسات العلمية تؤكد أنها تنتمي إلى نوع الأفعى ذات الحراشف المنشارية، هذا النوع موصوف في الأدبيات البيولوجية بأنه من أخطر أنواع الأفاعي في جنوب وغرب آسيا، وتم توثيقه في العراق، في الديوانية والناصرية والبصرة على وجه التحديد.
سمّها يصنف ضمن السموم النزفية (Haemotoxins)، التي تؤثر مباشرة على الدم والأوعية الدموية، مسببة نزيفاً داخلياً، وتمزقاً في الشعيرات والأوعية، وانخفاضاً حاداً في ضغط الدم، وفشلاً كلوياً في الحالات المتقدمة.
على بعد 500 متر من منزل أحمد شرشاب، يقع بيت علي حسين هداب (45 عاماً)، الذي اضطر لترك زراعة أرضه بعد أن جفّت تماماً، واتجه إلى العمل سائقاً ليعيل أسرته.
علاقته مع الأفاعي لم تنقطع، إذ ما زال يتذكر لدغة تعرّض لها في طفولته في تسعينيات القرن الماضي، حين كان في سن الثانية عشرة، داخل بستان العائلة، ظنّها في البداية وخزة شوك، ثم رأى الأفعى أمامه وعرف أنها لدغة قاتلة.
نُقل إلى مستشفى الناصرية المركزي، وبقي تحت المراقبة أربعين يوماً، فيما بقي أثر السم محفوراً في قدمه حتى اليوم. يروي علي، وهو جالس أمام منزله بعد أن تأكد من خلوّ المكان من الأفاعي، كيف فقدت عائلته شقيقته ذات الخمس سنوات في الفترة نفسها، بعد تعرضها للدغة مشابهة لم تُدركها في وقتها، لتفارق الحياة بعد ساعات.
يقول علي: “إن الجفاف زاد من خطورة الموقف، فالأفاعي التي كانت تكتفي بالبقاء قرب الجداول صارت تدخل البيوت والأفنية”، ترْك الزراعة، برأيه، ساعد أيضاً على تكاثرها، إذ لم تعد حراثة الأرض تكسر بيضها.
يشير إلى أنه في أيام الرطوبة العالية يمكن رؤية أكثر من أفعى في الطريق، ويروي أن شقيقه وجد أفعى تحت وسادته، حتى الأطفال صاروا يتفقدون فراشهم قبل النوم، والخطر امتد إلى المدارس، حيث يؤكد ابنه حسين (طالب في الصف الرابع)، أن الطلاب واجهوا عدة أفاعٍ تحت المقاعد هذا العام، يسمونها أحياناً “أم جنيب”، و”أم الصليب”.

رغم كل ذلك، يواصل سكان المنطقة حياتهم اليومية متأقلمين مع هذا الخطر، مبتكرين طرقاً لتقليل المخاطر والتعايش مع واقع الأفاعي التي صارت جزءاً من بيئتهم.
الأرقام الطبية
البيانات الطبية ترسم صورة واضحة عن معاناة الأهالي من أفعى السيد دخيل، مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية سجّل، ما بين عامي 2011 و2024، ما مجموعه 388 إصابة بلدغات أفعى السيد دخيل، من بينها خمس حالات وفاة فقط.
في 2011 بلغت الإصابات 42 إصابة مع وفاة واحدة، وفي 2012 انخفضت إلى 14 إصابة بلا وفيات، ثم ارتفعت في 2013 إلى 36 إصابة مع وفاة واحدة.

عام 2014 سُجلت 22 إصابة بلا وفيات، وفي 2015 ارتفع العدد إلى 33 إصابة بلا وفيات. أما في 2016 فبلغت الإصابات 38 إصابة مع وفاة واحدة، ثم ارتفع العدد في 2017 إلى 55 إصابة مع وفاة واحدة أيضاً، وفي 2018 بلغت الإصابات 52 بلا وفيات.
عام 2019 سُجلت 44 إصابة مع وفاة واحدة، بينما تراجع العدد بشكل حاد في 2020 إلى ثلاث إصابات فقط، ليُسجَّل 25 إصابة في 2021، وفي 2022 لم تسجل أي إصابة أو وفاة.
أما في 2023 فقد بلغت الإصابات ثماني حالات بلا وفيات، وارتفعت في 2024 إلى 16 حالة بلا وفيات، وهذه الأرقام تشير بوضوح إلى انخفاض معدل الوفيات، بفضل توفر الأمصال الحديثة وسرعة التدخل الطبي.

دراسات أسبق منشورة عن مستشفى الحسين، للفترة ما بين 2002-2011، وثقت 308 حالات لدغ مرتبطة بأفعى السيد دخيل، وأكدت أن أغلب المرضى قد عانوا من اضطرابات تخثر شديدة.
باحثون من جامعة ذي قار أوضحوا أن سرعة وصول المصابين إلى المستشفى، وتوفير المصل بجرعة مناسبة كانا عاملين حاسمين في إنقاذ حياتهم. كما أن دراسة متعددة المراكز للفترة ما بين 2019-2021، شملت أربعة مستشفيات عراقية، وثقت 802 حالة لدغ، معظمها بين الذكور في المناطق الريفية، وسجّلت نسبة وفيات منخفضة بلغت نحو 1.2 بالمئة فقط.
عند مقارنة اللدغات والوفيات في السيد دخيل مع العالم، سنكتشف أن الفارق كبير لصالح قضاء السيد دخيل، حيث تسجّل منظمة الصحة العالمية سنوياً 1.8 – 2.7 مليون حالة تسمّم بلدغات الأفاعي، تؤدي بالمجمل إلى 81 – 138 ألف وفاة؛ أي إن نسبة الوفيات العالمية ما بين 3 – 8 بالمئة.
أما في قضاء السيد دخيل، بحسب بيانات مستشفى الحسين التعليمي، فالإحصاء للفترة ما بين 2011-2024، سجّل 388 إصابة، وخمس وفيات فقط، أي 1.3 بالمئة، وهو أدنى بكثير من النطاق العالمي.
التغيرات المناخية
عارف شمخي، المختص في التنوع الأحيائي، يوضح لجمّار أسباب انتشار هذه الأفعى في قضاء السيد دخيل، التي يعزوها إلى تراجع النشاط الزراعي الذي أزال “الإزعاج” الميكانيكي والكيميائي الذي كان يحدّ من انتشارها؛ إذ كانت حركة الآلات واستخدام المبيدات تقضي على أعداد كبيرة منها.
ومع شحّ المياه واتجاه كثيرين إلى الوظائف العسكرية أو الأعمال الحرّة بدلاً من الزراعة، تلاشت هذه العوائق، فزاد التكاثر بوضوح، ولم يقتصر أثر شحّ المياه على انكماش الرقع المزروعة، بل اختلّ معه التوازن البيئي؛ إذ اختفت طيور تتغذّى على صغار الأفاعي وبيضها، ما أتاح للأفاعي مجالاً أوسع للانتشار.
يشير شمخي إلى أن “أفعى السيد دخيل” هي “بيض – ولود” (Ovoviviparous)، تفقس البيوض داخل جسم الأنثى ثم تلد صغاراً مكتملين، يبلغ عدد مواليدها بالمتوسط 23 أفعى، وهي ميزة تمنح البيوض حماية أعلى وتزيد فرص بقاء السلالات.
تُظهر الإحصاءات المتاحة أن نساء الريف أكثر عرضة للدغ، خصوصاً في القرى القريبة من نهر الغرّاف أثناء جمع الأعشاب للحطب أو علف الماشية.

في تقرير سرّي صدر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA)، صُنفت أفعى “السيد دخيل” ضمن أكثر الأنواع سمّية وانتشاراً في جنوب العراق.
التقرير لا يتوقف عند تصنيفها؛ بل يصفها بأنها تهديد استراتيجي للقوات الميدانية، نظراً لقدرتها على إحداث إصابات قاتلة في مناطق العمليات العسكرية، حيث يمكن أن تشكل لدغتها شديدة التأثير خطراً مباشراً يعطّل الوضع القتالي، ويُلحق أضراراً بالجنود داخل الحقول والطرقات المفتوحة.
دفع هذا التقرير إلى إدراج الأفعى ضمن التحديات البيولوجية التي يجب مراعاتها في تقييم الأمن العسكري واللوجستي.
ومنكم/ن نستفيد ونتعلم
هل لديكم/ن ملاحظة أو تعليق على محتوى جُمّار؟ هل وجدتم/ن أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة تحتاج تصويباً؟ هل تجدون/ن اللغة المستعملة في المقالة مهينة أو مسيئة أو مميزة ضد مجموعة ما على أساس ديني/ طائفي/ جندري/ طبقي/ جغرافي أو غيره؟ الرجاء التواصل معنا عبر - editor@jummar.media
اقرأ ايضاً
سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم
09 ديسمبر 2025
السكراب.. حرب التهريب الخفية بين المافيات الكبيرة والتجار الصغار
07 ديسمبر 2025
قصب إيران لبناء المضايف في أهوار العراق: كيف يهدد الجفاف "هندسة سومر"؟
04 ديسمبر 2025
"الخبز صار حسرة على الفلاح".. قصة الخسارة الموجعة في نينوى
02 ديسمبر 2025
في ظهيرة صيف شديدة الحرارة، كان أحمد شرشاب (34 عاماً)، الجندي في الجيش العراقي، يجلس في منزله بقرية العبودة التابعة لقضاء السيد دخيل، بمحافظة ذي قار، القرية معروفة بخطورة الأفاعي التي تنتشر فيها، قطع صمت المنزل صراخ ابنته، “بابا.. حيّة بالمرافق”.
تحرك أحمد على الفور باتجاه المرافق، حيث كانت ابنته الأخرى، ذات الأربع سنوات، تقف أمام الأفعى في وضع الاستعداد للهجوم، سحب طفلته بسرعة وقتل الأفعى ودفنها في فناء المنزل.
الأمر لم يتوقف عند ذلك، لفت انتباهه اضطراب حركة العصافير في أرضه الزراعية المجاورة، وما هي إلا لحظات حتى شاهد أفعى تهاجم عصفوراً وتلتهمه.
خلال طريقه إلى منزل أحد جيرانه برفقة ابنته زهراء، صادف قطّة تتصارع مع أفعى أخرى، وأثناء سيره لاحظ وخزة حمراء صغيرة في كف ابنته، سألها، فأجابته: “الحية ضربتني بكفي وگلت لها وخري عني”. أدرك حينها أنها تعرضت للدغة أفعى السيد دخيل المعروفة بسمّها القاتل.
حملها بسرعة إلى المركز الصحي، حيث أُعطيت المصل المضاد، ثم نُقلت إلى مستشفى بنت الهدى في الناصرية لمتابعة حالتها، بعد 24 ساعة تجاوزت مرحلة الخطر وعادت إلى المنزل، لكن القلق بقي مسيطراً على والدها.

منذ ذلك اليوم، تعيش الأسرة في حالة حذر دائم، يمنع أحمد أطفاله من اللعب في الخارج، بينما تسد زوجته الشقوق في الجدران والأبواب كل ليلة. الأرض المحيطة جافة ومليئة بالجحور، والجداول التي كانت توفر الماء جفّت، فصارت المنطقة بيئة ملائمة للأفاعي، وحتى عند خروجه من المنزل، يختار أحمد الطرق المفتوحة، مركّزاً نظره على الأرض لمراقبة أي حركة.
أثر السّمّ
السكان هناك يطلقون على الأفعى تسمية “حيّة السيد دخيل”، لكن الدراسات العلمية تؤكد أنها تنتمي إلى نوع الأفعى ذات الحراشف المنشارية، هذا النوع موصوف في الأدبيات البيولوجية بأنه من أخطر أنواع الأفاعي في جنوب وغرب آسيا، وتم توثيقه في العراق، في الديوانية والناصرية والبصرة على وجه التحديد.
سمّها يصنف ضمن السموم النزفية (Haemotoxins)، التي تؤثر مباشرة على الدم والأوعية الدموية، مسببة نزيفاً داخلياً، وتمزقاً في الشعيرات والأوعية، وانخفاضاً حاداً في ضغط الدم، وفشلاً كلوياً في الحالات المتقدمة.
على بعد 500 متر من منزل أحمد شرشاب، يقع بيت علي حسين هداب (45 عاماً)، الذي اضطر لترك زراعة أرضه بعد أن جفّت تماماً، واتجه إلى العمل سائقاً ليعيل أسرته.
علاقته مع الأفاعي لم تنقطع، إذ ما زال يتذكر لدغة تعرّض لها في طفولته في تسعينيات القرن الماضي، حين كان في سن الثانية عشرة، داخل بستان العائلة، ظنّها في البداية وخزة شوك، ثم رأى الأفعى أمامه وعرف أنها لدغة قاتلة.
نُقل إلى مستشفى الناصرية المركزي، وبقي تحت المراقبة أربعين يوماً، فيما بقي أثر السم محفوراً في قدمه حتى اليوم. يروي علي، وهو جالس أمام منزله بعد أن تأكد من خلوّ المكان من الأفاعي، كيف فقدت عائلته شقيقته ذات الخمس سنوات في الفترة نفسها، بعد تعرضها للدغة مشابهة لم تُدركها في وقتها، لتفارق الحياة بعد ساعات.
يقول علي: “إن الجفاف زاد من خطورة الموقف، فالأفاعي التي كانت تكتفي بالبقاء قرب الجداول صارت تدخل البيوت والأفنية”، ترْك الزراعة، برأيه، ساعد أيضاً على تكاثرها، إذ لم تعد حراثة الأرض تكسر بيضها.
يشير إلى أنه في أيام الرطوبة العالية يمكن رؤية أكثر من أفعى في الطريق، ويروي أن شقيقه وجد أفعى تحت وسادته، حتى الأطفال صاروا يتفقدون فراشهم قبل النوم، والخطر امتد إلى المدارس، حيث يؤكد ابنه حسين (طالب في الصف الرابع)، أن الطلاب واجهوا عدة أفاعٍ تحت المقاعد هذا العام، يسمونها أحياناً “أم جنيب”، و”أم الصليب”.

رغم كل ذلك، يواصل سكان المنطقة حياتهم اليومية متأقلمين مع هذا الخطر، مبتكرين طرقاً لتقليل المخاطر والتعايش مع واقع الأفاعي التي صارت جزءاً من بيئتهم.
الأرقام الطبية
البيانات الطبية ترسم صورة واضحة عن معاناة الأهالي من أفعى السيد دخيل، مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية سجّل، ما بين عامي 2011 و2024، ما مجموعه 388 إصابة بلدغات أفعى السيد دخيل، من بينها خمس حالات وفاة فقط.
في 2011 بلغت الإصابات 42 إصابة مع وفاة واحدة، وفي 2012 انخفضت إلى 14 إصابة بلا وفيات، ثم ارتفعت في 2013 إلى 36 إصابة مع وفاة واحدة.

عام 2014 سُجلت 22 إصابة بلا وفيات، وفي 2015 ارتفع العدد إلى 33 إصابة بلا وفيات. أما في 2016 فبلغت الإصابات 38 إصابة مع وفاة واحدة، ثم ارتفع العدد في 2017 إلى 55 إصابة مع وفاة واحدة أيضاً، وفي 2018 بلغت الإصابات 52 بلا وفيات.
عام 2019 سُجلت 44 إصابة مع وفاة واحدة، بينما تراجع العدد بشكل حاد في 2020 إلى ثلاث إصابات فقط، ليُسجَّل 25 إصابة في 2021، وفي 2022 لم تسجل أي إصابة أو وفاة.
أما في 2023 فقد بلغت الإصابات ثماني حالات بلا وفيات، وارتفعت في 2024 إلى 16 حالة بلا وفيات، وهذه الأرقام تشير بوضوح إلى انخفاض معدل الوفيات، بفضل توفر الأمصال الحديثة وسرعة التدخل الطبي.

دراسات أسبق منشورة عن مستشفى الحسين، للفترة ما بين 2002-2011، وثقت 308 حالات لدغ مرتبطة بأفعى السيد دخيل، وأكدت أن أغلب المرضى قد عانوا من اضطرابات تخثر شديدة.
باحثون من جامعة ذي قار أوضحوا أن سرعة وصول المصابين إلى المستشفى، وتوفير المصل بجرعة مناسبة كانا عاملين حاسمين في إنقاذ حياتهم. كما أن دراسة متعددة المراكز للفترة ما بين 2019-2021، شملت أربعة مستشفيات عراقية، وثقت 802 حالة لدغ، معظمها بين الذكور في المناطق الريفية، وسجّلت نسبة وفيات منخفضة بلغت نحو 1.2 بالمئة فقط.
عند مقارنة اللدغات والوفيات في السيد دخيل مع العالم، سنكتشف أن الفارق كبير لصالح قضاء السيد دخيل، حيث تسجّل منظمة الصحة العالمية سنوياً 1.8 – 2.7 مليون حالة تسمّم بلدغات الأفاعي، تؤدي بالمجمل إلى 81 – 138 ألف وفاة؛ أي إن نسبة الوفيات العالمية ما بين 3 – 8 بالمئة.
أما في قضاء السيد دخيل، بحسب بيانات مستشفى الحسين التعليمي، فالإحصاء للفترة ما بين 2011-2024، سجّل 388 إصابة، وخمس وفيات فقط، أي 1.3 بالمئة، وهو أدنى بكثير من النطاق العالمي.
التغيرات المناخية
عارف شمخي، المختص في التنوع الأحيائي، يوضح لجمّار أسباب انتشار هذه الأفعى في قضاء السيد دخيل، التي يعزوها إلى تراجع النشاط الزراعي الذي أزال “الإزعاج” الميكانيكي والكيميائي الذي كان يحدّ من انتشارها؛ إذ كانت حركة الآلات واستخدام المبيدات تقضي على أعداد كبيرة منها.
ومع شحّ المياه واتجاه كثيرين إلى الوظائف العسكرية أو الأعمال الحرّة بدلاً من الزراعة، تلاشت هذه العوائق، فزاد التكاثر بوضوح، ولم يقتصر أثر شحّ المياه على انكماش الرقع المزروعة، بل اختلّ معه التوازن البيئي؛ إذ اختفت طيور تتغذّى على صغار الأفاعي وبيضها، ما أتاح للأفاعي مجالاً أوسع للانتشار.
يشير شمخي إلى أن “أفعى السيد دخيل” هي “بيض – ولود” (Ovoviviparous)، تفقس البيوض داخل جسم الأنثى ثم تلد صغاراً مكتملين، يبلغ عدد مواليدها بالمتوسط 23 أفعى، وهي ميزة تمنح البيوض حماية أعلى وتزيد فرص بقاء السلالات.
تُظهر الإحصاءات المتاحة أن نساء الريف أكثر عرضة للدغ، خصوصاً في القرى القريبة من نهر الغرّاف أثناء جمع الأعشاب للحطب أو علف الماشية.

في تقرير سرّي صدر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA)، صُنفت أفعى “السيد دخيل” ضمن أكثر الأنواع سمّية وانتشاراً في جنوب العراق.
التقرير لا يتوقف عند تصنيفها؛ بل يصفها بأنها تهديد استراتيجي للقوات الميدانية، نظراً لقدرتها على إحداث إصابات قاتلة في مناطق العمليات العسكرية، حيث يمكن أن تشكل لدغتها شديدة التأثير خطراً مباشراً يعطّل الوضع القتالي، ويُلحق أضراراً بالجنود داخل الحقول والطرقات المفتوحة.
دفع هذا التقرير إلى إدراج الأفعى ضمن التحديات البيولوجية التي يجب مراعاتها في تقييم الأمن العسكري واللوجستي.